| 

شريط فيديو قصير نجح بإخراج اليهود الأثيوبيين عن صمتهم. توافدوا بالآلاف إلى التظاهرة الكبيرة التي نظّمت يوم 3 أيار/مايو الماضي، تلبية للدعوة التي تكثفت عبر رسائل "فايسبوك" و"واتس-أب"، فور انتشار الشريط وتناقله الواسع في الشبكات الإجتماعية ووسائل الإعلام. إذ يبدو أن الفيديو الذي يظهر فيه شرطي إسرائيليّ يضرب جندياً أثيوبياً، بكامل لباسه العسكريّ وبشرته السوداء، شكّل القشّة التي كسرت ظهر الجمل. ويبدو أيضاً أن الفيديو ضغط على عصبٍ حسّاس لدى أبناء "الطائفة الأثيوبية"، كما يطلق عليهم بإسرائيل، حتى انتفضوا بهذه الصورة وهمّوا بإغلاق أحد المحاور الرئيسية في تل أبيب، وقطع روتين الدولة، بحكومتها وإعلامها وعامتها، ولو لبعض الوقت. فعلى الرغم من دهشة الإسرائيليين أمام هذا المشهد، إلا أن العنف الشرطي بات يقلق كلّ أثيوبيّ في إسرائيل، ومن المصادفة أن هذه الهبّة قد تزامنت مع مرور عام على مقتل الشاب يوسف سلامسا بظروفٍ غامضة إثر مضايقات تعرّض لها، هو وعائلته، من قبل الشرطة.
الأثيوبيون ما زالوا يذكرون هذا الملف وملفات أخرى غيرها قامت الشرطة بتقطيبها وضبضبتها، هذا إذا لم تحوّل المعتدى عليهم إلى معتدين عبر تلفيق التهم، حتى تحوّلهم إلى أصحاب سوابق. بيد أن تسليط الغضب على الشرطة لم يردع هذه الأخيرة عن فضّ الاحتجاجات بوسائل لم تعهدها تل أبيب من قبل، لا سيما استخدام قنابل الصوت، ومركبات رشق المياه، ورشاشات الفلفل، والتهديد باستخدام الرصاص المطاطي إذا لزم الأمر(!).
القصة لم تبدأ اليوم
"صورة الشرطي وهو يضرب جندي - يؤدي خدمته للدولة هو الآخر - أغضبت الكثيرين، وإغلاق الملف بعد ذلك أثار السخط أكثر"، تكتب أ. (25 عاماً)، وهي إحدى الناشطات التي تفضّل عدم الكشف عن هويتها. وتوضح: "لكن هذه لم تكن الحالة الوحيدة، فقد سبقتها أحداث أخرى كثيرة وموجة من الاعتداءات الشرطية على أثيوبيين. أنا نفسي تفاجأت من كمية الناس التي شاركت بالتظاهرات. الناس شعرت أنه لا يمكن الصمت أكثر والسماح لهذه الظاهرة بالاستمرار. لقد اعتقدنا أن الأوضاع ستتحسن مع الوقت، لكنها في الواقع تزداد سوءاً يوماً تلو الأخر. مع أنني تعرّضت للعنصرية بنفسي في السابق، لكنني لا أذكر شيئاً كهذا. لم أكن أعرف أن بعض الناس هنا تصاب بالجنون عندما ترى شخصاً أسود. ربما الناس في الماضي كانوا يكنسون ذلك تحت البساط، وربما تطرّق الإعلام إلى الظاهرة اليوم أكثر. لست أدري. الإعلام صار يتحدث عنا كلّ إثنين وخميس، لكن ذلك لا يعني أن هناك تغيير ايجابي بتغطية قضايانا، فهم ما زالوا يشغلون الناس بأمور تافهة ولا يطرحون السؤال الذي يجب أن يطرحوه".
وكانت في جعبة المتحدثين الاثيوبيين الشباب شكاوى كثيرة من المعاملة التي يتلقونها، وحول شعورهم بأن دمهم مباح، حيث تحدّثوا عن التواجد المكثّف للشرطة في أحيائهم، وعن دفع الفتية إلى الجريمة، وعن حقيقة إرسالهم للسكن في مناطق معينة، وطالبوا بفتح ملفات شباب أثيوبيين حوكموا ورميوا في السجن. وأتى غضبهم مضاعفاً: فهم لم يغضبوا لأنفسهم فقط، بل أيضاً لأهاليهم الذين تعرّضوا قبلهم للعنصرية، وتمّ التعامل معهم باستخفافٍ واستعلاء، لا سيما أنهم لم يتقنوا العبرية، ولم يتدبّروا أمورهم.
بيد أن هذا هو التعامل ذاته الذي اصطدم به أبناء الطائفة الأثيوبية بمناسباتٍ عديدة ومختلفة في الماضي، كان منها لمّا تم الكشف عن رمي وحدات الدم التي يتبرّع بها الأثيوبيين، أو الترهيب الذي تعرّضت له النساء الأثيوبيات لإجبارهن على تلقّي إبر منع الحمل، واشتراط قدومهن إلى البلاد بذلك. ولم تكن خيبة أمل الأثيوبيين أقل وطأة عندما علموا مؤخراً باختفاء الشاب ابراهام مانجيستو في قطاع غزّة، وبأمر منع النشر الذي فرضته الدولة لأكثر من عشرة أشهر. فقد أثارت هذه الحالة استياءً كبيراً بين أبناء الطائفة الذين شعروا بأن الدولة لا تكترث لمصيرهم، خاصة أنها كانت ستقيم الدنيا ولا تقعدها لو أن المفقود لم يكن أثيوبياً.

غاضبون.. لكن معتدّين بإسرائيليتهم
تابع تقريرٌ نشره موقع جريدة "معاريف" الإسرائيلية مجموعةً من الشابات والشبّان الأثيوبيين الذي عملوا على تنظيم التظاهرات التي امتدت حتى نهاية حزيران، وخلص التقرير إلى ما يلي عن هؤلاء: "ممثلو الطائفة الأثيوبية هم أصحاب أدمغة مركبة. من جهة، يملؤهم الغضب تجاه سلطات الدولة ولديهم الكثير من الإدعاءات ضدها. ومن جهة أخرى، لا يمكن التشكيك بإخلاصهم للدولة، فوطنيتهم تصرخ للسماء. قلائل قاموا برفع أعلام أثيوبيا خلال التظاهرات، بينما الأغلبية رفضت ذلك ورفعت أعلام دولة إسرائيل. نحن نتحدث عن شبابٍ من مواليد البلاد، لا بلبلة لديهم في مسألة الهوية. "نحن أولاً إسرائيليون. إسرائيليون بكلّ شيء. إسرائيليون ذوو أصولٍ أثيوبية"، هكذا يعرّفون عن أنفسهم".
بناءً على هذه الخلفية، لا يعود من المستغرب أن يكون الناشطون الشباب الذين برزوا خلال الحراك وتصدّروا الإعلام بتصريحاتهم، قد انتهوا بعد شهرٍ من الحراك إلى مطالبة الشارع بتهدئة الأرواح وإعطاء فرصة للمحادثات الجارية مع الحكومة وممثليها. وكما جاء على لسان عنبار بوغله، إحدى الناشطات التي شاركت في اللقاء الذي عقده رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع الجندي المعتدى عليه: "لم نطأطئ رؤوسنا ولم ننهِ ما بدأناه. كلّ شيء محدود الضمان. المهم الآن أن هناك تحاوراً، وهناك عملية جدية بدأت. توجد مفاوضات مع رئيس الحكومة وقائد الشرطة العام، وعلينا إعطاء هذا المسار فرصة. في الوقت الحالي، سنستمر بالحديث عن الموضوع لكننا سنكون منضبطين. نحن لا نريد العودة إلى الشارع، ولكن إذا لم يكن هناك تقدّم، يكونون يدفعون بنا إلى الزاوية. لن يكون أمامنا عندها خيارٌ آخر".
وفيما بدا وكأن معظم النشطاء صاروا يأخذون الحذر والحيطة في تصريحاتهم وخطواتهم العامّة، ذهب بعضهم لكتابة "ستاتوسات" على "فايسبوك" أوضحوا من خلالها أن الشرطة والجهات الأمنية تتقصّى نشاطهم وتتعقّبهم من مكانٍ إلى أخر، "وليس فقط في العالم الافتراضي". "أ" هي واحدة منهم، وقد صرّحت: "أنا لا أؤمن حقاً بأن الاتصالات مع الحكومة والشرطة ستأتي بأي نتيجة. خضنا بهذه الاتصالات حتى الآن، ولم تأت بأيّ تغيير على الأرض. ولكن، ماذا عسانا نفعل؟ لكي يحدث تغيير علينا أن نؤثّر على مراكز القوة. لا إمكانيات أخرى أمامنا، فالتظاهرات هي مرحلة في الحراك، ولا يمكن أن تستمر إلى الأبد، خاصة وأن الناس تخوّفت من انزلاقها إلى العنف. الناشطون أنفسهم صدمهم ردّ فعل الشرطة. خرجنا لنتظاهر ضد الشرطة، فقامت هذه بإلقاء القنابل علينا. هذا هو واقع المعاملة التي نحصل عليها. التغيير في هكذا وضع لا يمكن أن يحصل بين يومٍ وليلة. اليوم، نحن قفزنا درجة، ونجحنا بوضع قضيتنا على الأجندة، والجميع يتحدثون عنها حتى الآن. لقد دخلنا إلى الخطاب، وصرنا موضوعاً في المنتديات الجماهيرية والمؤسسات الأكاديمية. أصبح من الواضح أن هناك عطبا ما. علينا الآن أن نترك الوقت يعمل عمله، وأن نفكّر بيننا وبين أنفسنا حول ما هي الطريقة الأفضل لنطرح قضايانا ونبقيها على الأجندة".

لا قيادة ولا أسياد على الجمهور
حنانيا فندا هو واحدٌ من مؤسّسي مدوّنة "الطلاب الأثيوبيين الشباب" و "الجبهة لتحرير القادمين الأثيوبيين من وزارة الهجرة والاستيعاب"، والتي تقف خلفها جماعاتٌ صغيرة قد تكون الأكثر تطرفاً في خطابها السياسي بين الأثيوبيين. ويتضمن خطاب حنانيا العام الأراء التالية: "ليس صحيحاً ما ادّعاه البعض بأن الناس عادت إلى بيوتها لأنها خافت من فقدان تعاطف الجمهور، وبأن الأثيوبيين يخشون توقّف الإسرائيليين عن النظر إليهم كـ "هادئين ولطيفين" إذا ما استمروا بتفريغ غضبهم. هذا التفكير يليق فقط بممثلي الطائفة التقليديين المناورين المتعاونين مع السلطات والذين يريدون العودة إلى مزاولة أعمالهم الطبيعية وإرسال الطلاب الأثيوبيين إلى جنوب أفريقيا لتلميع صورة إسرائيل. أما الجمهور الواسع فقد أثبت أن لا أسياد عليه، وأن هؤلاء لا يتحدثون باسمه. هذه كانت نقطة الضوء في الحراك الأخير. لقد أظهر أن الجمهور حرّ، لا توجد له قيادة ولا بطيخ. هذا جمهورٌ توحّده المبادئ، وليس قبيلةً ممكن أن تفرض عليها زعامات منتفعة بخدمة الكولونيالية. هذه الزعامات التي تتحدث هنا عن العنصرية ومن ثم تذهب إلى الولايات المتحدة لتعرض إسرائيل كجنّة عدن للأثيوبيين، عيّنت من قبل النظام لتتحدث باسمنا، وهي تشارك بالتظاهرات فقط لالتقاط الصور، مثلها مثل ممثلي المنظمات متصيّدي العبيد. الجمهور أثبت أن لا سلطة فوقه، وهو يتحرك عندما يرى العنصرية، من دون حاجة إلى إشارةٍ من أحد".
وحول التصوير المروّج له بأن الحراك الأخير هو تصعيدٌ يقوده جيلٌ جديد من الأثيوبيين، ردّ حنانيا: "الحديث عن صعود جيل جديد كله كلام فارغ. الشباب الذين يخلقون ضجّة في الإعلام برزوا ربما بفضل الشبكات الاجتماعية، أما الجمهور فهو مجموعة طبيعية قائمة من قبل. الأثيوبيون يتظاهرون منذ سبعينيات القرن الماضي، منذ أن أرادوا المجيء إلى هنا. لا أعتقد أننا أمام شيء جديد من هذه الناحية، فاحتجاجات 2012 أيضاً في "كريات ملآخي" في الجنوب شهدت رفع الأثيوبيين للشعار ذاته، إذ قالوا يومها: "لن نسمح بتحويل الأسود إلى مسكين". وأيضاً، خلال احتجاجات العام 1999، تحوّلت التظاهرات إلى ساحة معركة، حتى أن بعض القنّاصة الأثيوبيين فضّلوا الانضمام إلى صفوف المتظاهرين على توجيه السلاح نحو أبناء جلدتهم. عندها أيضاً، حاولوا ردع الناس بتعنيف التظاهرات". قبل ثلاث سنوات، كتب حنانيا مقالاً في جريدة "هآرتس" قال فيها أن "الحرب إن قامت ستقوم على كلّ موضوع العنف الشرطيّ"، وهو يبني عليه اليوم في خطابه العام معتبراً أن ما جرى هو بالضبط ذلك، "لأن هذه هي نقطة الاحتكاك والتوتر". وتراه يبين: "من خلال الشرطة، تعرّفنا إلى العدو والشرّ الكامن في القمع. كان ذلك موجوداً طوال الوقت، ولكنه الآن وصل إلى صالون الناس، وقدّم صورة مرآة عن الواقع كما هو، فأشعل بذلك عاصفة. كان من الطبيعي أن تنتهي التظاهرات عند مرحلة معينة، حتى إنها امتدت أكثر من المتوقع. فمدى التظاهر قصير بطبيعة الحال. لكن هذه ستشتعل مجدداً لا محال، عندما يقوم شرطيّ بإطلاق النار على أثيوبي أو مع أيّ شرارة أخرى شبيهة. هذه الأمور تتغلغل تدريجياً، والوعي يتغيّر مع الوقت، وإذا كان الأثيوبيون يتهمون أنفسهم في يومٍ مضى، فهم اليوم يقولون نحن هنا بحقّ لا بمعروف أو بمنّة من أحد. الحديث عن العنصرية في الماضي كان من التابوهات، والناس لم تكن تجرؤ على نطق كلمة "أسود".. أما الآن فهم يسمون الأشياء بمسمياتها".
في المقابل، يجادل حنانيا بأن "المشكلة تكمن في أنه ما زال هناك عدم وضوح بتعريف المشكلة. يجب أن نسأل أنفسنا: ما هي هذه العنصرية؟ لأجل ماذا نناضل عملياً؟ يوجد لدينا هنا عالم كامل خلقته الدولة خصيصاً للأثيوبيين. حتى في استيعاب الهجرة، يتوجب على الأثيوبيين أن يمرّوا بإجراءاتٍ مختلفة عن تلك المخصصة لسواهم من القادمين. بالطبع، هناك أيضاً عنصرية شعبية. كلّ يوم، نسمع عن حضانات ومدارس ترفض استقبال الأولاد الأثيوبيين، لكن مصدر العنصرية مؤسساتيّ بالأساس. في الشرطة، في السلطات، وفي هذه المنظومة التي كبرنا عليها، والتي أفهمتنا بأننا تهديد، وبأن ثقافتنا كما لون بشرتنا مشكلة. لقد تقدّمنا خطوات عدّة منذ السبعينيات، وهناك بدايات وعي لكون البيروقراطية جزءاً من المشكلة. وأيضاً، توجد بدايات وعي لدى السلطات بأن هؤلاء الشباب ليسوا دمى، ومن الأفضل عدم العبث معهم. بدأ الناس يحاربون الجمعيات والقيادة التي تسمّي نفسها قيادة. هذا تغييرٌ بالوعي ينبع من تفكيرٍ نقديّ آخذ بالانتشار، وهو بالضبط ما نحتاج إليه".

ماكينة لتجنيد الأموال
برزت في أعقاب الحراك الأخير في أوساط أثيوبية كثيرة علامات استفهام حول كلّ موضوع الموارد الحكومية المخصصة للطائفة الأثيوبية وتجنيد الأموال على ظهر "المساكين" من أبنائها. ففي حين يحلو لممثلي الدولة الادّعاء في كلّ مناسبة بأن استثمارهم في الطائفة الأثيوبية لم يسبق له مثيل، يرى ناس هذه الطائفة أن الميزانيات والبرامج الحكومية التي لا تعدّ ولا تحصى استخدمت لمأسسة فصل الأثيوبيين عن بقية الإسرائيليين، كما استثمرت عملياً للإبقاء على آليات الفصل وتغذيتها بدلاً من أن تستخدم لإخراجهم منها ودمجهم في المجتمع العام. "هناك مشروع لكلّ ولد أثيوبي"، هم يرددون، "لا يمكن أن يستمر التعامل معنا كمشاريع". وكما أوضحت بروفسور استر هرتسوغ، الباحثة في موضوع استيعاب القادمين الأثيوبيين، في هذا السياق: "لا شك بأن الأموال تساعد، لكن السؤال هو: تساعد من؟ صحيحٌ أن ميزانيات كبيرة في البلاد والخارج استثمرت لاستيعاب القادمين الأثيوبيين، إلا أن هذه الأموال امتصت من جانب البيروقراطيين، ومراكز "الاستيعاب"، و "مشاريع لدمج القادمين" في التربية والجيش وسوق العمل وغيرها. لقد رفع الاستثمار الكبير في "استيعاب" القادمين من الميزانيات التي حولت لـ "صفوف الاستيعاب"، ولمؤسسات الفتية القادمين، وللمراكز الجماهيرية، وللبرامج الخاصة في شتّى مجالات الحياة. هكذا، تم الفصل بين أبناء القادمين الأثيوبيين وسواهم من الأولاد، وتم توجيه الفتية إلى المجالات الضعيفة، وتركّز الجنود والجنديات الأثيوبيين في وحدات منفصلة في الجيش - وجزء ليس بقليلٍ منهم وصل بالنهاية إلى السجن! اللغة والأهداف الرسمية تحدثت عن "الدمج"، بينما السياسة كانت سياسة معاملة خاصة ومنفصلة، ونتائجها كانت الضعف الاقتصادي، والتهميش الاجتماعي، وأحياناً أيضاً الخروج عن القانون والاجرام".
وتشير هرتسوغ: "عندما تقول السلطات إنها ستعمل على "توزيع" القادمين على بلدات متمكنة وتمنع تركيزهم في "جيتوهات"، نتذكر أيام "مباي"، عندما وعدت الحكومة بـ "توزيع" القادمين من شمال أفريقيا بعيداً عن بلدات الضواحي، وقامت بإرسال أولادهم "المتفوقين" للتعلم بمدارس داخلية بعيداً عنهم. هذه هي العقلية ذاتها التي تنظر الى القادمين كمتخلفين يجب أن يقرّر النظام عنهم أين يجب أن يعيشوا وكيفية "توزيعهم"، بناء على منطق "تقني" معين، وذلك "لمصلحتهم" طبعاً". وتتساءل: "ثم من هم القادمين الجدد الذين ما زالوا بحاجة إلى أن يتناقش مئات الموظفين والعاملين حول طرق دمجهم في المجتمع الإسرائيلي؟ جزءٌ كبير من القادمين الأثيوبيين (أكثر من 15 ألف) وصل إلى هذه البلاد قبل 30 سنة، وجزء آخر وصل قبل أكثر من 20 سنة (أكثر من 15 ألف)، وجزء ثالث ولد هنا. مع ذلك، تستمر المؤسسات بالتعامل مع أبناء الطائفة الأثيوبية وأبنائهم كـ"قادمين جدد" بحاجة إلى معالجة ومرافقة ودعم ومساعدة وما إلى ذلك من آليات الإستيعاب.. هذا التعامل المفصَل والمنفصل يضمن الإقصاء والتهميش والفشل أيضاً.. ورغم أن ذلك واضحٌ وضوح الشمس إلا أن هذه السياسة مستمرة. فهناك الكثير من الأطراف المستفيدة منها. من طبع المنظمات أن تطمح للبقاء إلى الأبد، وأن تكَبر ميزانياتها وتزيد من شواغرها، وتعزز قوتها وصلاحيتها، وتسعى لتحقيق مصالح شخصية ومنظماتية. مراكز الاستيعاب خلال ثمانينيات القرن الماضي كانت على وشك أن تخلو. لذلك، ومن وجهة نظر الوكالة (اليهودية) ووزارة الهجرة والاستيعاب، فإن اليهود الأثيوبيين قد جاؤوا في الوقت المناسب، لأن وصولهم أرجأ اغلاقها. منذ ذلك الحين، تم تحويل القادمين الأثيوبيين الى "أولاد" بحاجة لرعاية الوكالة. لكن، لماذا هم بالذات دوناً عن سواهم بحاجة إلى مراكز استيعاب وصفوف استيعاب خاصة؟!".

سياسة فصلٍ ممنهجة
تتجسّد سياسة الفصل المتبعة مع الأثيوبيين بشكلٍ واضح في مجال التربية والتعليم، وعلى مستوى السكن. فإذا كان الأولاد الأثيوبيين يرسلون للتعلّم بمدارس داخلية، دينية بمعظمها، لتتوفر لهم "تربية أفضل"، فالمعطيات حتى اليوم تشير إلى أن النسبة الأعلى منهم تتعلم في مدارس تتميّز بأغلبيةٍ أثيوبية. وهم، حتى وإن ولدوا في البلاد، ظلوا تابعين لـ"وحدة الطلاب القادمين" حتى وقتٍ قريب، تماماً كما يقع جميع الأثيوبيون تحت مسؤولية وزارة الهجرة والاستيعاب، بغض النظر عن السنوات التي قضوها في البلاد. أما على مستوى السكن فللأثيوبيين مناطق سكن وأحياء خاصة بهم، حتى أن بعضها يوصف أحياناً بالجيتو أو بمخيم اللاجئين، كمركز الاستيعاب في "مفاسيريت تسيون" القريبة من القدس، حيث الغالبية من كبار السن وأبناء الجيل الأول الذين لا يتقن بعضهم العبرية حتى اليوم!
ويطالب الشباب اليوم بتفكيك مراكز الاستيعاب هذه، التي تعتبر قضية مركزية بحدّ ذاتها. وقد رافقت الحراك الأثيوبي بكلّ مراحله. فهذه المراكز التي كان من المفترض أن تكون بمثابة مرحلة انتقالية يسكن فيها القادمين لفترة - حتى يتم تخصيص مساكن شعبية لهم أو هبات حكومية لشراء أو استئجار بيت - قد تمتد بالنسبة إلى الأُثيوبيين لسنوات، وتتحول إلى عناوين ثابتة بالنسبة إلى بعضهم. وقد باتت هذه تخلّد بدورها التعامل الأزليّ مع الأثيوبيين على اعتبارهم قادمين جدد. وعلى الرغم من الحراك المستمر حولها، ومن التظاهرات التي تندلع بين الفينة والأخرى في القدس و"كريات ملآخي" و"كريات جات" وغيرها من المواقع، ما زال 6500 أثيوبي يعيشون في مراكز الاستيعاب الكئيبة في شمال البلاد وجنوبها، وهم موزعون على 15 بلدة تقع في أسفل السلم الإجتماعي – الاقتصادي، تم توجيه الأثيوبيين إليها بشكل متعمد، منها صفد و "نتانيا" و "رحوفوت" و "مفاسيريت تسيون"، بينما لا يحوي مركز الاستيعاب في "رعنانا"، مثلاً، أثيوبيين. وللمقارنة، تعتبر نسبة القادمين الروس في هذه المراكز أدنى من نسبة الأثيوبيين فيها، ليس لأن عددهم أقل وإنما لأن الكثيرين من الروس يتم استيعابهم بشكلٍ مباشر، وأحياناً من دون أن يضطروا للمرور بمراكز الاستيعاب حتى.
وعن الأحوال المعيشية العامة للأثيوبيين الذين يبلغ عددهم أكثر من 140 ألف نسمة، ولد 51 ألف منهم في البلاد، يظهر تقرير مراقب الدولة الإسرائيلي للعام 2013 أنه، على الرغم من "الجهود" التي تبذلها السلطات، لم يكن هناك تحسّن في وضع الطائفة الأثيوبية خلال العقد الأخير. ما زالت نسبة 51.7 في المئة من العائلات الأثيوبية ونسبة 65 في المئة من الأولاد الاثيوبيين يعيشون تحت خط الفقر. وقد استدعى ذلك مراقب الدولة إلى القول بأن الإخفاق في دمج الأثيوبيين يُنظر إليه من نسبة الجنود الأثيوبيين الذين تركوا الخدمة العسكرية قبل اتمام المدة الإلزامية، والتي وصلت في العام 2010 إلى 20 في المئة، أي ما يعادل ثلاثة أضعاف المعدل(!). ويصنف هؤلاء بمعظمهم تحت بند "الخطورة وإساءة التصرّف". معطيات أخرى تتطرق لنسبة الأثيوبيين في السجون تظهر أنه، على الرغم من أنهم يشكلون نسبة 2 في المئة فقط من السكان، فنسبتهم في معتقلات القاصرين قد تصل إلى 40 في المئة (!). تقريرٌ أصدره مركز "طاوب" لدراسة السياسات الاجتماعية يظهر بدوره أن نسبة 50 في المئة من النساء الأثيوبيات ونسبة 17 في المئة من الرجال الأثيوبيين، الذين وفدوا إلى إسرائيل بعد سن 12 سنة، يعملون في مجالات التنظيف والمطابخ، بالمقارنة مع نسبة 3.5 في المئة من النساء والرجال اليهود الذين ليسوا من أصول أثيوبية. وبينما يوضح التقرير أن هناك تحسّن في معطيات التعليم والعمل وسط الشرائح الشبابية نسبةً للأجيال السابقة، فهو يؤكد أن احتمال سدّ الفجوات بين الأثيوبيين وبقية السكّان اليهود ما زال بعيداً جداً.

ملحمة الهجرة الأثيوبية إلى إسرائيل
لطالما كانت الطرق التي يتوجب على اليهود الأثيوبيين أن يسلكوها طويلة. فإسرائيل لم تستقبلهم بالورود والأذرع المفتوحة كما فعلت مع غيرهم من القادمين الجدد البيض. وعلى الرغم من تعطّش إسرائيل للهجرة، ينتظر حتى اليوم ما يقارب 5000 يهودي أثيوبي حقّ القدوم إليها، إذ أن السلطات تعتبرهم "مرفوضي هجرة". وقد شرح أوري فردنيك، وهو أحد الناشطين بهذه القضية، أن "كلّ هجرة من أثيوبيا سبقتها نضالات. في العام 1991، تم طرد 2000 شخص تقريباً من أبناء "الفلاشمورا" (الفلاشا) من مجمع "الوكالة" (اليهودية). وهكذا، بدأت عمليات الرفض والانتظار. من وقتها، هم يحضرون الناس على رشفات، كلّ مرة 200 – 300 شخص ككتل، وكلّ كتلة تتم المصادقة عليها بموجب قرار من الحكومة. لقد كنت في مدينة جوندر مع "الوكالة"، ورأيت الظلم الذي يقع على العائلات. أناسٌ تركوا قراهم وتنازلوا عن ممتلكاتهم، يعيشون مثل اللاجئين. لغالبيتهم العظمى أقارب في إسرائيل. هم يعيشون في حالة انتظار، بظروفٍ سيئة حتى بتعريف الأثيوبيين. يجرجرونهم منذ سنوات بسبب تغيير المعايير الحكومية، معايير لا تسري على القادمين الجدد من دول أخرى طبعاً. صحيح أن من أثبت يهوديته من جهة والدته نجح بالقدوم لكن نسبة 80 في المئة من الذين بقوا لديهم هنا أقارب من الدرجة الأولى. ما المنطق في السماح لبعضهم بالقدوم، ومنع البعض الآخر؟ ما المنطق في فصل العائلات عن بعضها، والتسبب بمعاناتها؟ هذا عمل غير أخلاقي. توجد في ذلك اعتبارات اقتصادية لأنهم قادمون من عالمٍ ثالث، وعملية استيعابهم هنا تتطلب موارد مالية. من الأسهل على الحكومة أن تحضر قادمين من دول متطورة يندمجون بشكلٍ سريع نسبياً في سوق العمل. لكن، من الواضح أيضاً أن هؤلاء الخمسة آلاف شخص لن يتسببوا بانهيار اقتصاد دولة إسرائيل المتقدم إذا ما سمح لهم بالمجيء!".
تجربة حن اسمامو، وهي بدورها ناشطة في المجال ذاته، تأتي كالتالي: "عندما قدمنا إلى هنا، كان علينا أن نتهود وأن نجتاز امتحانات اليهودية. في مركز الاستيعاب، وضعوني كالكثيرين غيري في إطارٍ تعليميّ رسميّ دينيّ. هكذا يفعلون مع الأثيوبيين كافة لأنهم لا يؤمنون بأننا يهود حقاً. عند الروس، لا يوجد شيء من هذا القبيل، على الرغم من أن بعضهم يأتون إلى هنا كمسيحيين، ويعيشون كذلك على الملأ، بينما نحن كنا دائماً يهود محافظين والتزمنا بالـ "كشروت". رجال وزارة الهجرة والاستيعاب الذين قطعوا علينا الطريق هم أنفسهم الذين دفعوا باتجاه احضار السوفياتيين من روسيا - أبناء المجتمعات المسيحية الذين صاروا يهوداً فقط قبل 200 عام".
بدأت هجرة الأثيوبيين الى إسرائيل في مرحلة متأخرة، مع نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات. وعلى الرغم من وجود شهادات تقول إنهم كانوا يطالبون بالقدوم إلى هنا قبل عشرات السنوات. وجاءت هجرتهم على شكل حملاتٍ، نقلت كلّ واحدة منها بضعة آلاف الأثيوبيين، إما بحراً بواسطة سفن البحرية الإسرائيلية أو جواً بواسطة قوافل من الطائرات. وكانت حملة موشيه أولى هذه الحملات وأصعبها. إذ بغياب علاقات ديبلوماسية كاملة بين إسرائيل وأثيوبيا آنذاك، حاول آلاف اليهود السير على الأقدام من أثيوبيا إلى حدود السودان. هناك، توجب عليهم الانتظار في مخيمات حتى يتم نقلهم إلى إسرائيل، هذا إن نجحوا بالوصول إلى الحدود. فقد لقي ما لا يقلّ عن 4000 شخص حتفهم خلال الرحلة الشاقة والخطرة، بسبب الأوبئة والجوع واعتداءات السرقة. في آخر الحملات، اضطرت إسرائيل إلى الخروج في العام 1991 في حملة انقاذ ليهود أثيوبيا بعدما أوشك نظام الحاكم الأثيوبي على السقوط بيد المتمردين، وبات هناك خطر على مصير من كانوا ينتظرون الهجرة إلى البلاد. وهكذا، وبعد إجراء مفاوضات بوساطة أميركية، تم الاتفاق بين إسرائيل وأثيوبيا على نقل ما تبقى من اليهود الأثيوبيين، أيّ ما يقارب 14.400 شخص، إلى إسرائيل. وتم ذلك بواسطة ثلاثين طائرة، خلال 34 ساعة فقط (لا يشمل الأثيوبيين الذين لم تعترف بيهوديتهم).

رحلتهم إلى فلسطين سبقت الصهيونية
"أول معركة خاضها الأثيوبيون كانت لإثبات يهوديتهم التي لم يتم الاعتراف بها أوتوماتيكياً، لأسبابٍ عنصرية، على اعتبار أنه لا يوجد يهوديٌّ أسود"، يقول حنانيا. ويشرح في سياق أخر: "كانوا يسموننا "بيتا يسرائيل" لأننا الناس الذين يتحدثون عنهم في التناخ، الذين حافظوا على كلّ التوراه. لدينا، لا يوجد التلمود والمشناه، حافظ عليهما العالم اليهودي التقليدي. لكن، وبكلّ الأحوال، أهالينا نظروا إلى أنفسهم كيهود، وتشوقوا إلى البلاد المقدّسة، حتى أنهم خرجوا في رحلةٍ طويلة في العام 1862 محاولين المجيء إلى هنا، أيّ من قبل قيام الصهيونية بكثير! هم يحكون الحكايات الآن عن انقاذهم لليهود الأثيوبيين، وعن فضل الدولة علينا لأنها أحضرتنا إلى هنا من عالم ثالث متخلف. ولكنهم لم يريدوا أن نأتي إلى هنا أساساً، ولم يؤمنوا حتى بيهوديتنا. على عكس الصهيونية الغربية العلمانية، نحن دائماً نظرنا إلى هذه البلاد كبلادنا، لهذا، عندما سنحت الفرصة حاولنا المجيء مع أننا المجموعة الوحيدة التي حاولت الدولة منعها من ذلك. نحن بادرنا إلى الهجرة، وبدأنا السير على الأقدام، وهم أرغموا على احضارنا فقط عندما لم تكن أمامهم خيارات أخرى. ربما اعتقدوا أيضاً أن احضارهم السود يمكّنهم من نفي تهمة العنصرية عنهم، أمام العالم. ولأننا متخلفين، فقد أقاموا من أجلنا أطر عناية وبرامج كتلك التي أعلنت عنها الشرطة والتي اختارت تسميتها "كشروت اجتماعية"، وكأن المشكلة ليست مع الشرطيين العنيفين إنما تنبع من عدم فهمٍ ثقافي. هناك أناس يعيشون هنا منذ 30 سنة، فأي عدم فهم هذا؟! أنا أنظر إلى ذلك كله كمنظومة كولونيالية تهدف الى إحكام الرقابة والسيطرة على الأثيوبيين من كافة الجهات".
مضمون كلام حنانيا يأخذ بعين الاعتبار أن التربة التي كبر عليها اليهود الأثيوبيون كانت دينية، فهم تعلموا في إسرائيل ضمن مؤسساتٍ دينية قومية، كان من السهل أن تغرز فيهم الصهيونية. وليس من المستغرب أنهم اليوم، بمعظمهم، صهيونيين، وتوجهاتهم السياسية قريبة من "حزب الليكود"، خاصة جيل الأباء الذي وصل إلى البلاد في عهد "الليكود"، وهم في ذلك يشبهون التجربة التي عاشها اليهود الشرقيون العرب. لكن حنانيا يجادل أيضاً بأنه، نظرياً، كان يجب أن يكون بين الأثيوبيين والعرب كثير من التضامن، فالعنصرية التي تواجه الأثيوبيين بسبب بشرتهم السوداء هي نفسها التي تواجه العرب لأنهم يتحدثون بالعربية. ويعتبر أن السؤال الذي يطرحه هو ورفاقه الناشطين، هو سؤالٌ مدنيّ أيضاً بالأساس: "هل يحق لشرطي أن يضربني أم لا؟". ويكمل في سياقه ليعتبر أنه السؤال نفسه الذي يطرحه العرب: "هل يحق لهم التعامل معنا هكذا فقط لأننا عرب؟". ويكمل الأسئلة التي يمكن أن تؤسس لإمكانية تلاقٍ بين العرب والأثيوبيين في المظلومية: "لماذا عندما تتظاهر الجهتان، يقومون بتفريق الناس بالقنابل والتعنيف، ما لم ولن يفعلوه مع ذوي العيون الزرقاء ابداً؟".
في قراءة الواقع وعنصرية الدولة من المنظور الأثيوبي، يخلص حنانيا ورفاقه إلى تحليل يفيد بأن "الدولة هنا تنشط بدقّ الأسافين بين هذه المجموعات، وتلهب الكراهية في ما بينها. لهذا، نسمع أثيوبيين يردّدون شعارات مثل: "الموت للعرب"، بدلاً من أن يروا أن هذه الدولة مبنية على إيديولوجية عنصرية من أساسها. عقول الناس مرت بمغسلة مصطلحات. يقولون لهم أن المسلمين ذبحوهم هناك، لكن علاقتنا مع المسلمين كانت أكثر من جيدة. فقد كانوا مثل أخوتنا، وكنا نعيش نحن وهم في المستوى ذاته. حتى اليوم، هناك الكثير من الناس الذين ما زالوا على تواصل مع أثيوبيا، وبعضهم يسافر إلى هناك ليرى أن الحياة المشتركة ممكنة. ففي أثيوبيا وحدها، يوجد ما يقارب 80 لغة و100 لهجة ومجموعات سكانية متنوعة بنت على مدى العشرين سنة الأخيرة أمة موحدة للجميع. بينما هنا، في دولة إسرائيل المتقدمة، تراهم يتوقعون منا بأن نتقبل العنصرية ونقول شكراً. ليس هذا فقط، بل تجدهم حتى يقولون لنا من يجب أن نكره ومن نحب".