| 

أول ما يقوله نبيل دجاني عن نفسه هو أن عاطفته تجاه فلسطين تمنعه من أن يكون موضوعياً في القضايا التي تتناول الشأن الفلسطيني بشكل خاص. لذلك، تراه يمتنع عن الكتابة أو التأليف أو حتى الإنخراط نضالياً في القضية الفلسطينية بشكل منفصل عن سائر قضايا المنطقة.
في مكتب أستاذ مادة الإعلام في "الجامعة الأميركية في بيروت"، والمدير السابق لدائرة العلوم الاجتماعية في الجامعة نفسها، يحضر قمقم صغير مليء بالتراب، ماثل على طاولته، يقول عنه أنه الهدية الاغلى التي تلقاها في حياته. في هذا القمقم الذي أهدته إياه إحدى طالباته الفلسطينيات، ترابٌ من القدس. لذا، تراه يحرص عليه حرصه على الحياة.
لنبيل دجاني تاريخ طويل مع "الجامعة الأميركية" التي يعتبرها بيته الثاني. ومن خلال هذه الجامعة، مارس النضال على طريقته في سبيل الإرتقاء بقضايا الثقافة والإعلام في العالم العربي. وعلى الرغم من ابتعاده عن السياسة، وهو المؤمن بفكر أنطون سعادة، فإن نبيل دجاني كاد أن يدفع حياته مرتين ثمناً لتمسكه بهويته الفلسطينية.
عبر الحديث مع نبيل دجاني، تتضح أيضاً العلاقة الخاصة التي تربطه بمنطقة رأس بيروت، حيث يعيش مع زوجته هدى شربجي وولديه طارق ودانا. ولذلك، فضّل البقاء في "الجامعة الأميركية" وعدم الإنتقال للعمل في الخارج رغم العروض التي تلقاها من جامعات في أميركا.


حاوره: نبيل المقدّم

• ماذا بقي معك من ذكرياتك في القدس، حيث ولدت؟

ولدت في القدس في العام 1937، وتحديداً في المنطقة التي كانت تعرف باسم القدس الجديدة. كان والدي يعمل في التجارة وصناعة السينما. مرة، أقام حفلة كبرى في مدينة القدس حضرتها الفنانة الكبيرة ليلى مراد، فحملتني هي وراحت تغني أغنية عبد الوهاب الشهيرة "ياورد من يشتريك". هذه ذكرى لا أنساها. ومن الذكريات في القدس أيضاً، فريق كرة قدم الذي أحرز بطولة فلسطين في العام 1947. واحتفالاً بهذه المناسبة، أقامت إدارة الفريق حفلة كبيرة في حديقة منزلنا. أذكرها. وأذكر من طفولتي أيضاً كيف كان الصهاينة يطلقون النار علينا في أثناء مرورهم بالباص بالقرب من الساحة التي كنا نلعب فيها، فنرتمي أرضاً حتى لا تصيبنا رصاصاتهم.
في العام 1947، بدأت التوترات بين العرب واليهود الصهاينة على الأرض بالإزدياد، واتخذت في كثيرٍ من المناطق طابع المواجهات المسلحة. وقد وصلت ذروتها في أعقاب مجزرة دير ياسين في العام 1948. أخافت عدداً كبيراً من المواطنين الفلسطينيين، من بينهم والدي، فقرروا ترك بيوتهم مؤقتاً ريثما تنجلي الأمور. وكنا من بين العائلات الفلسطينية التي أتت إلى لبنان، واستأجر والدي منزلاً لنا في مدينة عاليه، وأدخلنا أنا وأشقائي إلى مدرسة "الجامعة الوطنية في عاليه". بعدما أكملنا عامنا الدراسي في عاليه، انتقلنا إلى دمشق حيث درست في "المدرسة الأميركية في دمشق". بقينا في دمشق حتى العام 1952، حين قرّر والدي الانتقال إلى بيروت لكي ندخل "الجامعة الأميركية في بيروت". استاجرنا منزلاً في شارع المكحول في منطقة رأس بيروت. في تلك الفترة، كان يزورنا في منزلنا عدد من الأصدقاء، بينهم شخص كان ينتمي إلى "الحزب السوري القومي الإجتماعي". تأثرت بحديثه الدائم عن العقيدة القومية الاجتماعية وأفكار أنطون سعادة، فانتميت إلى الحزب سنة 1952.

"الحزب القومي"
• ماهي أبرز المحطات التي عشتها خلال دراستك في "الجامعة الأميركية"؟
في بداية عملي في "الحزب السوري القومي الاجتماعي"، كان لي نشاط بين الطلبة، وكنت متحمساً جداً للعمل الحزبي. ولكن هذا الحماس بدأ يفتر شيئاً فشيئاً مع حادثة اغتيال العقيد عدنان المالكي في دمشق سنة 1955، والتي اتهم بها قوميون اجتماعيون وفي طليعتهم رئيس الحزب آنذاك جورج عبد المسيح. وبعد فترة وجيزة من اغتيال المالكي، حصلت معي حادثة أدّت إلى اتخاذي قرار الانقطاع نهائياً عن ممارسة أي نشاط تنظيمي في "الحزب القومي"، انقطاعٌ مازال مستمراً حتى اليوم. (ذكر الحادثة وطلب عدم نشرها). وعلى الرغم من توقفي عن القيام بأي نشاط تنظيمي في الحزب القومي، فإن إيماني بأفكار أنطون سعادة لم يتغير، وما زلت مقتنعاً بها.
وغير ذلك، كان لي نشاط في تحرير المجلة التي كان يصدرها طلاب الجامعة، وكان لي عمود ثابت في كل عدد. كتاباتي في المجلة الطلابية لفتت نظر نائب الرئيس الجامعة آنداك فؤاد صروف، فاستدعاني وعرض عليّ العمل كمساعد إعلامي له. كنت آنذاك أتحضّر لدراسة الماجستير في الإعلام. فكان العمل مع فؤاد صروف مفيداً جداً لي من الناحيتين المادية والفكرية. مادياً، كانت عائلتنا تمرّ بظروف صعبة، فأتى العمل في الجامعة ليخفف العبء عن والدي. أما فكرياً فقد كان فؤاد صروف رجلاً واسع الاطلاع، وكان يهوى أن ينقل ما لديه من أفكار ومعلومات إلى غيره. وإلى ذلك، كان فؤاد صروف رجلاً متواضعاً جداً ولائقاً إلى أبعد حدود اللياقة. أذكر أنه أتاني مرة إلى مكتبي، قبل اسبوعين من امتحانات نهاية السنة، وقال لي: "مضى زمن طويل من دون أن أعمل في التحرير، فهل تسمح لي بأن أتولى هذه المهمة عنك في الأسبوعين المقبلين، على أن تنصرف أنت لتحضير إمتحاناتك؟". وكان فؤاد صروف يدعوني دائماً إلى مكتبه للجلوس مع كبار أساتذة الجامعة آنذاك، أمثال قسطنطين زريق وجبرائيل جبور ونقولا زيادة. كانوا مفكرين لهم وزنهم في لبنان والعالم العربي. وكان لتعرفي بهؤلاء الأشخاص أثر كبير في حياتي. وقد أصبحوا من أصدقائي، على الرغم من فارق السن بيننا. وبالأخص، قسطنطين زريق الذي كنت أمضي وإياه ساعات طويلة على المقاعد في حديقة الجامعة، نناقش قضايا فكرية وسياسية عدّة. ومن خلال قسطنطين زريق تعرفت إلى الدكتور كمال صليبي الذي أصبح صديقي أيضاً. كان قسطنطين زريق وكمال صليبي شخصين مثاليين في تعاملهما مع الناس! ففي مرة، حضر قسطنطين رزيق إلى مكتبي، وكان يحمل بيده مقالاً كتبه بمناسبة انتخابه رئيساً لاتحاد الجامعات العالمية، وقال لي: "أحمل لك هذا المقال وأترك لك حرية نشره كما هو أو إجراء تعديلات عليه". أما كمال صليبي فرغم التعارض الفكريّ بيننا، كان شخصاً منفتحاً على الحوار، ويتقبل نقد أفكاره بكلّ رحابة الصدر. ومن ميزاته أنه كان يشبع الفكرة التي يبحثها تنقيباً إلى أبعد الحدود. كما كان لي نشاط أيضاً في النوادي الطلابية، وخاصة في القضايا الإجتماعية.. كنت أكتب عن هذه النشاطات في مجلة الجامعة من دون أن أغفل أيّ تفصيل، ما جعل معظم شباب وصبايا الجامعة يحبونني ويدعونني إلى جميع الحفلات التي كانوا يقيمونها.

ذكريات رأس بيروت
• كيف كانت راس بيروت التي تعشقها في تلك المرحلة؟
أول ما أتينا إلى بيروت، سكنا في شارع المكحول لقربه من الجامعة الأميركية. أذكر القطار يمرّ من أمام منزلنا، كانت تستعمله الأغلبية الساحقة من فئات الشعب في تنقلاتها، وكان ثمن التذكرة "فرنك لبناني". وأذكر أيضاً القسم الداخلي للطالبات في الجامعة، يعرف باسم "الدورمز"، كان يقع خارج الحرم الجامعي، وتحديداً في شارع عبد العزيز.. فكنا نتطوع لمرافقة الطالبات إلى أماكن سكنهن خوفاً عليهن من أيّ مكروه. فرأس بيروت في تلك الفترة لم تكن كما هي اليوم مأهولة بالسكان ومليئة بالأبنية. بل كانت بيوتها قليلة ومتباعدة، ومعظم طرقاتها ترابية وتكسوها حقول الصبير. ومن المفيد القول هنا أن معظم طلاب الجامعة في تلك الفترة كانوا من الرعايا العرب، أما الطلاب اللبنانيون فكانوا قلة، كما أن معظمهم كان يتجه إلى الجامعات التي تعتمد المنهج الفرنسي. ومن أجل استقطاب أكبر عدد من الطلاب اللبنانيين، قامت إدارة الجامعة باستقدام مدرسة "الإنترناشونال الكولج (IC)" التي تتبع الأسلوب الأميركي في التعليم. وقامت بتشجيع الطلاب اللبنانيين بالدخول إليها، وأعطت تلامذتها حوافز تشجيعية لدخول الجامعة الاميركية، بعد انهائهم المرحلة الثانوية. كما أعلنت إدارة الجامعة آنذاك عن إعفاء الطلاب المتفوقين في المدارس التي تعلم اللغة الإنكليزية في لبنان من امتحانات الدخول.
وبمناسبة الحديث عن رأس بيروت، أود أن أقول هنا أنني من الأشخاص الذين يعشقون العيش في منطقة رأس بيروت، مهما كانت الأحوال والظروف. ولذلك، رفضت عروضاً سخية أتتني للعمل في الخارج، وتمسكت بالبقاء في الجامعة الأميركية. لقد قلت يوماً لزوجتي بعدما عاتبتني على رفضي عرضاً للعمل كأستاذ في جامعة "جورج تاون" في الولايات المتحدة الأميركية خلال الحرب الأهلية في لبنان، وكان محيط الجامعة الاميركية عرضة للقصف دائماً: "أفضّل زبالة راس بيروت على كلّ العروض التي تأتيني للعمل في الخارج".
• وماذا عن النشاطات التي كانت تقام في الجامعة دعماً للقضية الفلسطينية؟
دعني اقول لك شيئاً قد تستغربه ويستغربه الكثيرون. عاطفتي الجياشة تجاه فلسطين تمنعني من أن أكون موضوعياً في القضايا التي تخصّ مسألة فلسطين. لذا، تراني أحاذر أن أتخذ أّيّ موقف يخص مسألة فلسطين، بمعزل عن المسائل القومية الأخرى في الأمة. وهذا الموقف كان سبباً لرفضي عرض أنيس الصايغ بالعمل معه في "مؤسسة الدراسات الفلسطينية"، وخاصة في الفترة التي كان يعمل فيها على إصدار "الموسوعة الفلسطينية". وإذا بحثت في كلّ كتاباتي ومقالاتي، لن تجد ما يخصّ القضية الفلسطينية وحدها، سوى مقال واحد عن الإعلام الفلسطيني.

أول عربي يحمل دكتوراه في الإعلام
• هل صحيح أنك تعتبر الشخص الأول في العالم العربي الذي ينال شهادة الدكتوراه في الإعلام؟
بعد تقاعد فؤاد صروف، عيّنت مديراً لمكتب الإعلام في الجامعة، وكان قد أنشئ حديثاً. كنت أول من تولى مسؤوليته، وذلك في العام 1964. وفي تلك الأثناء، كان رئيس الجامعة يدعى نورمان برنث، وكان مكتبه مجاوراً لمكتبي، ما سمح بنشوء صداقة بيننا. مرة، سألني عن الأسباب التي تحول دون حصولي على شهادة الدكتوراه في الإعلام ما دمت راغباً في ذلك، فأجبته بكل بساطة بأن وضعي المادي هو الذي يمنعني من تحقيق هذا الهدف. فسكت. في صباح اليوم التالي، اتصل بي وطلب مني الحضور إلى مكتبه، حيث قام بتسليمي مغلفاً مختوماً، وطلب مني عدم الإطلاع على ما في داخله إلا بعد أن أخرج من مكتبه. كانت مفاجأة غير متوقعة، فقد وجدت في المغلف رسالة موقعة منه، وموجهة إلى مدير شؤون الموظفين، يطلب فيها زيادة مرتبي ثلاثة أضعاف. ولكي تكتمل فرحتي، جاء برنث إلى مكتبي بعد عدة أيام، وأعلمني بأن مجلس أمناء الجامعة قد وافق على تمويل رحلتي إلى الولايات المتحدة لنيل شهادة الدكتوراه في الإعلام. وفي تلك الفترة أيضاً، قمت بمرافقة نورمان برنث بزيارة إلى القدس العتيقة، وذلك في إطار جولة كان يقوم بها على خريجي "الجامعة الاميركية" هناك. كان مناسبة مؤلمة، وقفت خلالها على إحدى الشرفات، وشاهدت المنطقة التي يوجد فيها بيتنا.. لم أتمكن من زيارته بسبب الإحتلال الإسرائيلي للمنطقة التي كنت أسكن فيها.
المهم، ذهبت إلى الولايات المتحدة والتحقت بجامعة "أيوا". وسرعان ما تميزت هناك بين الطلبة في انتقاد كل ما لا يعجبني. وهذه الميزة اكتسبتها من خلال صداقتي لفؤاد صروف وقسطنطين زريق وكمال صليبي. مرة، كان أستاذنا غائباً، فحلّ محله أستاذ أخر وضع أمامنا على اللوح نموذجاً تطبيقياً لإحدى المواد المقررة، وراح يشرح عنه. لم يعجبني أسلوب الشرح، فأبديت ملاحظاتي. لفتني أحد زملائي إلى أن الواقف على اللوح هو عميد كلية الإعلام في الجامعة، ويدعى مارلوم ماكلين. بعد انتهاء الحصة الدراسية، طلب مني ماكلين مقابلته في مكتبه. لا أنكر أن الخوف تملكني من هذه المقابلة، وذهبت بي الظنون إلى حدّ تخيل نفسي مطروداً من الجامعة بسبب انتقاداتي لأسلوبه في اعطاء المحاضرة. ولكن المفاجأة كانت أن ماكلين راح يثني على انتقادي له، وعرض عليّ وظيفة مساعد في مكتبه، بحيث استطيع من خلالها تأمين مصاريفي الخاصة في أثناء الدراسة، وارسال المال إلى أهلي في لبنان.
كان ماكلين رائعاً في تعامله معي. ساعدني على تطوير نموذج تطبيقي ينتقد النموذج الذي وضعه هو وعرف باسم "نموذج ماكلين"، وكان معتمداً في عدد من جامعات الولايات المتحدة الأميركية. كما ساعدني جداً في إعداد رسالة الدكتوراه التي كانت عن الواقع الاجتماعي للموارنة والشيعة في لبنان. والجدير ذكره هنا أن شهادة الدكتوراة التي نلتها كانت الأولى التي يحصل عليها طالب عربي في مجال الإعلام، وكان ذلك عام 1968. وفي أثناء دراستي لنيل شهادة الدكتوراه، حصلت نكسة حزيران في العام 1967، وكنت في تلك الفترة موجوداً في لبنان لقضاء إجازة الصيف. لازلت أذكر الخطاب الشهير للرئيس جمال عبد الناصر الذي يعلن فيه تنحيه عن السلطة بعد هزيمة الجيش المصري في سيناء. كان لهذا الخطاب تأثير كبير على مشاعري وأحاسيسي، لدرجة أنني تناسيت خلافنا العقائدي والسياسي كقوميين سوريين مع عبد الناصر، ونزلت إلى التظاهرة الكبرى التي سارت في بيروت مطالبة بعودة عبد الناصر عن استقالته. بعد ذلك، انضممت إلى حملة لتأمين قروض للطلاب الفلسطينيين لاكمال تعليمهم في الجامعة الأميركية. وبعد عودتي الى الولايات المتحدة، أكملت هذا النشاط في أوساط الجاليات العربية. وكان التجاوب جيداً جداً. وبعدما عدت إلى بيروت نهائياً في العام 1968 بعد نيلي شهادة الدكتوراه، انضممت إلى حلقة دراسية من تنظيم الدكتور أنيس الصايغ كانت تقام كلّ اسبوعين مرة، وتهتم بطرح كلّ القضايا المتعلقة بالقضية الفلسطينية.

أميركا أجهضت الخطة
• كانت لك محطات بارزة في منظمة الاونيسكو العالمية ما هي ابرز تلك المحطات؟
بعد عودتي إلى بيروت، عيّنت مباشرة مديراً لمكتب الاعلام في الجامعة الأميركية، بالإضافة إلى تدريس مادة الإعلام. في تلك الفترة أيضاً، بدأت أتعرّف على خفايا الصراعات السياسية التي كانت تدور في أروقة الجامعة، وذلك عندما تقدم البعض بدراسة لإلغاء بعض البرامج من منهاج الجامعة الاميركية، ومنها برنامج الإعلام، بحجة وجود عجز في الميزانية. السبب الحقيقي لتقديم هذا الاقتراح كان امتعاض البعض من الورشة التي كنت قد بدأتها لتطوير برنامج دراسة الإعلام في الجامعة الأميركية. إذ استقدمت أحد الأساتذة من جامعة "أيوا" لمعاونتي في هذا المشروع. وفي نهاية الكباش، اتخذت إدارة الجامعة قراراً بتأسيس دائرة العلوم الإجتماعية التي جمعت عدّة اختصاصات، ومنها الإعلام.
وفي تلك الفترة، كتبت مقالاً في إحدى المجلات العلمية في الخارج، انتقدت فيه حالة الإعلام في لبنان. أثار هذ المقال اهتمام القيمين على الشؤون الإعلامية في منظمة الاونيسكو، فأرسلوا ورائي، وقاموا بتعييني عضواً في اللجنة الخاصة بالشؤون الإعلامية في العالم العربي، التي كانت قد انشئت حديثاً. كانت اللجنة تضم متخصصين في الشؤون الاعلامية من كلّ أنحاء العالم، ومنهم أشخاص كنت أحلم يوماً بالتعرّف إليهم نظراً لمكانتهم العلمية الرفيعة جداً. ومن جملة الأشياء التي قمنا بها في اللجنة، كان وضعنا لعدّة اقتراحات لنظام إعلامي جديد في أنحاء العالم. هذه الاقتراحات تبنتها الأمم المتحدة ووافقت عليها، ولكن الولايات المتحدة قامت باجهاضها نظراً لتعارضها مع سياستها الإعلامية التي تعتبر واحدة من وسائلها في السيطرة على العالم. وقد وصل بها الأمر حد الإعلان عن وقف تمويلها لمنظمة الاونيسكو، كما قامت أيضاً بالانسحاب من المنظمة، هي وسنغافورة.
كان ردّ فعلنا على إحباط الولايات المتحدة لكلّ جهودنا من أجل تطوير فكرة الإعلام في العالم أننا ذهبنا إلى الأرجنتين حيث كان يعقد مؤتمر "المنظمة العلمية للأبحاث الاعلامية"، والتي كان يهيمن عليها اليمين الغربي. هناك، قمنا بحشد كلّ القوى المناهضة لسياسة الولايات المتحدة واليمين الغربي، واستطعنا إبعاد كلّ المؤيدين للولايات المتحدة وحلفائها عن رئاسة اللجنة ومكتبها التنفيذي. وكنت واحداً من الذين تم انتخابهم في اللجنة الجديدة. ومع تسلم الدكتور إيلي سالم (أصبح وزيراً للخارجية والمغتربين في عهد الرئيس أمين الجميل) عمادة كلية الاداب والعلوم في الجامعة الأميركية عام 1978، عينت مساعداً له. كانت علاقتي بإيلي سالم علاقة ودّ وصداقة بالرغم من اختلافي معه في القضايا السياسية. ومرة، مازحته بالقول: "أنت رسول الشيطان"، فرد عليّ ممازحاً أيضاً: "اطلع من مكتبي يا...". وفي العام نفسه أيضاً، جرى تعييني عضواً في مجلس شيوخ الجامعة.

العمل مع "فتح"؟
• حاولت ان تعمل مع "حركة فتح"، ولكنك ما لبثت أن انسحبت منها. ماذا حدث؟
كان شقيقي مروان من الناشطين في صفوف "حركة فتح". وبواسطته، تعرفت إلى قياديين كبار في المنظمة من أمثال أبو حسن سلامة وصلاح خلف (أبو إياد) والرئيس الفلسطيني الحالي محمود عباس. كانوا يزوروننا في منزلنا. فمن نتائج هذه العلاقة أنني تطوعت لتدريب مجموعة من الصحافيين الفلسطينيين على كيفية تحليل المعلومات، وخاصة تلك التي كانت تأتي من الصحف الإسرائيلية. وبعد ذلك، طلبت مني قيادة "حركة فتح" المساعدة في تأسيس مركز متخصص بتحليل المعلومات، فوافقت. لكن نشاطي مع "حركة فتح" لم يستمر طويلاً، إذ قررت الانسحاب لعدّة أسباب أهمها أنه لم يكن هناك اهتمام حقيقي من قبل القيادة الفلسطينية بما يقدمه لها المركز من معلومات. وكان من نتائج عدم الاهتمام أن منيت "منظمة التحرير الفلسطينية" بخسائر كبيرة سياسية وعسكرية. ففي إحدى المرات، وقبل اجتياح العام 1982، استطاع مركزنا الاستنتاج من خلال ما تكتبه الصحف الاسرائيلية بأن هناك ضربة ما تعدّها إسرائيل لأهداف فلسطينية محدّدة في لبنان. هذه التحاليل كتبتها في تقرير وقمت بتسليمه إلى أبي إياد الذي، للأسف، لم يأخذه بالجدية المطلوبة، وقام بوضعه في درج مكتبه. فكانت النتيجة انه بعد فترة وجيزة، قام الطيران الإسرائيلي بقصف الأهداف التي كنا قد قدرنا إنها ستكون عرضة للإعتداء.
على شفير الموت.. مرتين
• هويتك الفلسطينية كادت تودي بحياتك مرتين. ماذا حدث؟
نعم، هذا صحيح. المرة الأولى كانت في أثناء اجتياح العام 1982: فبعد اشتداد الحصار على بيروت، قررت أنا وعائلتي الانتقال مؤقتاً إلى دمشق، حيث يوجد لنا أقارب هناك. قبل ذلك، كنت قد ذهبت إلى الأمن العام اللبناني لتجديد جواز سفري اللبناني (حصلت عليه خلال اقامتي في لبنان). وعندما استلمت جواز سفري المجدد، وجدت انه قد تم شطب عبارة "مواليد القدس"، وابدالها بعبارة "مواليد بيروت". فاعترضت على الأمر وطالبت بإعادة تدوين عبارة "مواليد القدس". فتمت الاستجابة لطلبي. وبالعودة إلى موضوع خروجنا من بيروت.. طريق بيروت - دمشق الدولية كانت مقطوعة بسبب الأعمال الحربية بين الجيشين السوري والإسرائيلي. فكان على سائق سيارة الأجرة الذي تولى نقلنا الى دمشق المرور على حاجز البربارة الشهير، والذي كان تابعاً لـ "القوات اللبنانية". وعندما وصلنا إلى الحاجز، طلب عناصره هوياتنا فادركت عندئذ أنني سادفع غالياً ثمن إصراري على إبقاء القدس على جواز سفري. ولكن الحظ كان إلى جانبنا، إذ أن العنصر الذي كان واقفاً على الحاجز لم ينتبه إلى فلسطينية صاحب الجواز، فسمح لنا بمتابعة طريقنا. والمرة الثانية كانت في اثناء حرب المخيمات بين "حركة أمل" والفلسطينيين في العام 1985. يومها، كدت أقتل عندما كانت ماراً بالقرب من منطقة برج المر، فتعرف عليّ احد المسلحين، ونادى على رفيقه قائلا: "هذا فلسطيني، تعال لنقتله". ولكن شاباً آخر منهم منعهما من تنفيذ غايتهما، وعرّف عن نفسه بأنه كان أحد تلاميذي في "الجامعة الأميركية".
• كيف قرأت التغطية الاعلامية العربية للحرب على غزة ؟
لقد أظهرت تغطية الفضائيات العربية للحرب على غزّة تطوراً مهنياً كبيراً في الأداء على مستوى تقنيات الإتصال، كما أظهرت التمكن الممتاز للإعلاميين العرب من استعمال هذه التقنيات، ومن تطويرها لتتلاءم مع الحاجات الميدانية.. غير أن الأداء في أسلوب تغطية هذه الحرب أفقد الفضائيات العربية الكثير من مصداقيتها المهنية، كما أظهر أن تسييس الإعلام العربي لا يقتصر على القنوات الحكومية، بل يتجاوزه إلى الفضائيات التي ينظر إليها على أنها الأمل في تشكيل بداية لمحيط إعلاميّ عربيّ حرّ ومهنيّ. لقد أصبح المواطن العربي، للأسف، هدفاً لتأثير القنوات العربية.