| 

كانت لي فرصة الانضمام إلى طاقم عمل "فلسطين 48"، القناة الفضائية الفلسطينية التي يأمل كثيرون أن تكون قادرةً فعلاً على الصمود في وجه الكثير من التحديات، بينها تهديدات إسرائيلية، وأخرى اقتصاديّة. لكنني متفائلة جدًا، لأنّني ألمسُ عن قرب رغبة جدية في إنجاح هذه القناة، وتأمين انتشار عالميّ لها، وجعلها أداة تواصل مع العالمين العربيّ والغربيّ.

نتنياهو: عدوّ الإعلام ووزيره

القناة تبث إرسالها من مدينة الناصرة، بينما تحتفظ بمكاتب لها في كلّ من حيفا ورام الله. ومباشرةً بعد الإعلان عن بث قناة "فلسطين 48" في الداخل المحتلّ، هدّد رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، بمنعها بكل وسائل البث. ولا تبدو مستهجنة معاداة نتنياهو للإعلام، فقد سبق له أن هاجم "القناة العاشرة" الإسرائيلية لما نقدته، علماً أنه يحتفظ بحقيبة الإعلام له، بشكل شخصيّ، وهو يرسم أجندة وسائل الإعلام العبريّة. وحين استلم حقيبة الإعلام، رأى المحللون السياسيون أنّ نتنياهو يرغب بكمّ الأفواه، ويبدو أنه من الممكن لمنع بث فضائية "فلسطين 48" أن يأتي من هذا الباب أيضًا.
يُشار إلى أنّ محاولات كثيرة سبقت هذه التجربة لتأسيس قناة فضائية يكون مقرّها الداخل بينما تتوجّه في خطابها إلى الفلسطينيين في كلّ مكان، فتنقل لهم صورة متكاملة عمّا يعيشه أهلُ البلاد من الفلسطينيين.. لكنّ الضغط الماديّ حال دون إنجاح تلك التجارب.. "هلا تي في" مثلاً، التي حاولت أن تحافظ على وجودها، لم تنجح أيضاً. فتحولت إلى وسيلة إعلام تلفزيونية بملكية خاصّة.
ردّاً على تهديدات نتنياهو، صرّح وزير الإعلام الفلسطيني رياض الحسن، وهو مدير هيئة الإذاعة والتلفزيون أيضاً، أنّ "القناة الفضائية الجديدة تشتري الخدمة من شركات مرخصّة، والمستشارون القانونيون وناشطو منظمات حقوق الإنسان اتخذوا الإجراءات اللازمة من أجل استمرار عمل القناة".


حلمٌ في الداخل.. سلطته في رام الله!

انطلقت قناة فلسطين "48" في اليوم الأول من شهر رمضان في العام الجاري، واعدةً بأنها ستكون الفضائية الفلسطينية الأولى التي تطرح قضايا الداخل بمقاربة عميقة للواقع المُعاش، بكلّ ما فيه مِن إبداعاتٍ ثقافيّة وفنيّة أيضاً.
ويرى كثيرون، خاصةً العاملين في مجال الإعلام، أنّ قناة "فلسطين 48" هي حلم يتحقّق، إذ ستعمل القناة من داخل حدود 48، وترافق عملها هيئة استشارية جميع أعضائها من فلسطينيي الداخل. وتواصل القناة بثها التجريبي حتى بداية العام 2016، ستقدّم نشرة أخبارية. وحتى ذلك الحين، ستستمر بتقديم البرنامج الصباحي يوميًا، بينما يُعرض البرنامج المسائيّ مرّتين في الأسبوع على الأقل. كما ستُضاف إليهما برامج حيويّة أخرى وتقارير.
يُشار أنّ عدد الفلسطينيين في الداخل يصل إلى نحو مليون و700 فلسطيني.
ويشرح المدير التنفيذي في قناة "فلسطين 48" فراس عبد الرحمن لـ "السفير" أن "السلطة الفلسطينية وهيئة الإذاعة والتلفزيون ومسؤولين في الإعلام الفلسطينيّ قرروا، بعد حصولهم على حزمة فضائية كاملة، تخصيص قناة تُعنى بشؤون فلسطينيي الداخل، وتراعي خصوصيتهم". تلك هي قناة "فلسطين 48". ولذلك، "تنطق القناة باللغة العربيّة، وتهدُف إلى إيجاد نافذة نطلّ منها على العالم العربي ومناطق الشتات". وعن ظروف التأسيس والتوقيت، يشرح عبد الرحمن أن "هذه الخطوة أتت بعد انتهاء الانتخابات التشريعية الأخيرة، حيث لمست الحاجة لمساحةٍ إعلاميّة تعنى بالشؤون السياسية والبلدية والمجتمعية والثقافية، وتعبّر عن مكنونات الداخل، وتربط الفلسطينيين بالخارج. من هنا، فإن توجّه القناة سيكون لإنتاج برامج منوّعة، سياسية، إخبارية، ثقافية، أدبيّة، وسياحيّة، على أمل أن تكون بداية لاستراتيجية تخصصية في المستقبل".
على مستوى خطابها السياسيّ والاجتماعيّ، يقول عبد الرحمن إن "القناة تعتمد الخطاب السلميّ، لجهة الحفاظ على حقوق جميع الأفراد والطوائف. وواحدة من مهام هذه القناة تقوم على مخاطبة الشارع الإسرائيلي مُستقبلاً. كما انّ مهمة القناة تقضي بنقل رسالة الشعب الفلسطينيّ، بغض النظر عن أماكن تواجده، سواء في الضفّة أو القطاع أو الداخل أو الشتات، من خلال كسر الحواجز وفتح الباب على التواصل الفلسطينيّ".
وعن الميزانية المحدودة جداً، يحكي عبد الرحمن: "إنها البداية. الميزانيات العالية تساهم بإنجاح البرامج التلفزيونية، لكنها ليست شرط نجاحها.. فبعض القنوات تُصرف عليها المليارات، مقارنةً بقنواتٍ صغيرة معروفة ومشهورة وتنافسها. وسنتوجه إلى القطاع الخاص الفلسطيني في الضفة، وإلى المجتمع العربي في الداخل الذي سيكون داعمًا كبيرًا للقناة. كما يمكننا التعامل مع العالم العربي في مسألة الإنتاج الموجّه إلى الجوانب الثقافية والشبابية، وإنتاج برامج منوّعة وموسيقية وترفيهية. في هذا المجال، التعاون سيكون مثمرًا وموّفقًا، كما سيتم تقديم إعلانات ورعايات.. ما يُساهِم في استقرار القناة اقتصاديًا".


سياسياً، وإدارياً

حول مدى تدخّل السلطة الفلسطينية والسقف وحدودهما، يقدّم عبد الرحمن وجهة النظر هنا، ومفادها أن "السلطة لن تتدخل إلا عندما يتم المسّ بالخطوط الحمراء للكينونة الفلسطينية. عدا ذلك، لن تتدخّل. السلطة ستكون طرفًا إيجابيًا، لكنّ القرار في النهاية، ومعادلات السياسة، ستُصاغ وفق المسؤولين والهيئة الاستشارية، وأعضاء الكنيست العرب، ورؤساء البلديات، والسياسيين، والمثقفين هنا. كلما كانوا أكثر تضامنًا وتكافلاً مع هذه القناة، سيحافظون على ميزان القوى. لكن إذا دخلت فيها الصراعات الشخصية، فستكون المشكلة كبيرة".
أما عضو الهيئة الاستشارية الإعلاميّة سناء حمود فأكّدت لـ "السفير" أنّ القناة لا تحمل أغراضاً سياسيّة مباشرة، ولا يرمز إطلاقها تحت هذا الاسم إلى مدلولات سياسيّة بعينها. كذلك، ترى أن توقيت إطلاقها لا يشير إلى أيّ رابط مع أحداث أو تطوّرات سياسية محدّدة. وهي تعتبر أن مهمة القناة هي الدفاع عن الأهداف الوطنية العامة لفلسطينيي الداخل والخارج. وتعتبر أن تشكيل الهيئة الاستشاريّة للقناة تم من دون اعتبارٍ للوجهة الحزبيّة أو السياسيّة أو المناطقيّة، "بل تمّ الاختيار استناداً فقط إلى الدور المميّز لهذه الشخصيات في الحياة العامة". تجدر الإشارة هنا إلى أن الهيئة لم تكتمل بعد، وستنضم إليها شخصيات أخرى قريباً، كما سيتم تبديلهم كلّ عامين كي تتسع شريحة المشاركين فيها.


شكوك ومخاوف محقّة

في تعليقه على إطلاق قناة "فلسطين 48"، اعتبر الكاتب الصحافي وديع عواودة انّ "وجود القناة هام جدًا ومفيد للتواصل بين أبناء الشعب الواحد، سواء كانوا في الوطن أو الشتات. إذ إنّ الأمر لا يزال يحتاج إلى المزيد من التواصل والتعارف، خاصةً في ما يتعلق بالكشف عن الطاقات الشخصية والفنية، ومجمل حياة فلسطينيي الداخل. صحيح أنّ هناك بعض التحسّن تجاه فهم واقع فلسطينيي الداخل، لكن لا تزال هناك الأفكار المسبقة المعششة في أذهان أوساط عربية التي تأخذ على فلسطينيي الداخل حصولهم على بطاقات الهوية الإسرائيلية، المفروضة عليهم، وهي فاتورة بقائهم في الوطن، وهو الثمن الذي دفعوه كي يحافظوا على ما بقي من جذورهم".
وإذ يقول إن "كلّي أمل أن تكون هذه القناة مهنية وأن تكون الاعتبارات مدروسة وجديّة"، يلفت إلى أهمية تفادي "الاعتبارات السياسيّة أو غيرها التي من شأنها أن توصل أناس غير أكفّاء إلى مجلس الاستشارة والطواقم وفرق العمل في القناة". كذلك، هو يأمل "أن تترجَم واقعياً تصريحات القائمين على القناة بأنها ستكون لكلّ الشعب الفلسطينيّ، ولن تكون بوقـًا لسلطة أو جهة أو فصيل دون آخر".
من جهته، يرى الكاتب والصحافي غسان بصول أنّ "هناك حاجة موضوعية ووطنية لهذه القناة! فهي مسألة كينونة وسيرورة الشعب الفلسطيني، تاريخيًا وتراثيًا وواقعيًا". ويسجّل أن "ترحاباً كبيراً من الداخل يُخيّم على ظروف انطلاق القناة، خاصةً أننا حرمنا من إعلامٍ مهنيّ لسبب ذاتيّ وآخر حكوميّ: ذاتيّ، بمعنى الصراعات الداخلية بناءً على تجارب فاشلة.. أما الحكومة الإسرائيلية فتريد أن تجعلنا بوقًا لها، من خلال عرض برامج لا تُعبر عنّا. في هذه المسألة، صدق من قال إنّ أبو مازن استيقظ، بينما لا يزال نتنياهو في سُبات".
يُشار أنّ بصول وعواودة أبديا تخوفًا من أن تكون القناة محاولة من السلطة الفلسطينية للتدخّل السياسيّ بشؤون فلسطينيي الداخل وقناعاتهم، كما حذروا من خطورة تجاهل "التيار الإسلامي". لكنّ المسؤولين في القناة نفوا حتى الساعة إمكانية التدخّل بشؤون أحد، أو تجاهل تيارٍ على حسابِ تياراتٍ أخرى.