| 

يتعرّض المشهد الثقافي الفلسطيني داخل أراضي 48 لهجمةٍ إسرائيليةٍ تحريضية ليست الأولى من نوعها، إلا أنها تأخذ هذه المرة منحى خطةٍ ممنهجة تسعى إلى قمع تطور الثقافة الفلسطينية في الداخل، وكسر شوكة الفنانين والمبدعين الذين لا يتماهون بالضرورة مع أجندة دولة الاحتلال.
وتوالت حملات الملاحقة مؤخراً، ابتداء من المخرجة سهى عرّاف التي رفضت عرض فيلمها الأخير "فيلا توما" كفيلمٍ إسرائيليّ، فانهالت الأصوات التي تطالب صناديق الدعم الإسرائيلية بسحب تمويلها للفيلم. وقررت هذه الأخيرة، تحت الضغط، الإعلان عن شروط دعمٍ جديدة للإنتاج السينمائي، بما يلزم المخرجين المتقدّمين بالتعريف عن أنفسهم أمام كلّ محفل ووسيلة إعلام "كمخرجين إسرائيليين لعمل إبداعي إسرائيلي"(!). ومن عرّاف إلى الممثل نورمان عيسى، الذي رفض التمثيل على منصّة مسرحٍ في إحدى مستوطنات الغور، وحصل على نصيبه من الترهيب، لا سيما بعدما توعّدته وزيرة الثقافة الإسرائيلية ميري ريجيف بقطع التمويل عن مسرح الأطفال الذي يديره، هو وزوجته، في يافا. ومن نورمان إلى "مسرح الميدان العربي" في حيفا، المهدّد بتجفيف الميزانيات عنه، بسبب إنتاجه لمسرحية "الزمن الموازي" المستوحاة من كتابات الأسير الأمنيّ وليد دقه، الذي اعتقل بتهمة التخطيط لقتل جنديّ إسرائيلي في العام 1984.

"ثلّة من المتعالين وناكري الجميل"

بلغ التطبيل والتزمير الإعلامي ذروته في قضية "الميدان"، إذ تسابق الوزراء في حكومة بنيامين نتنياهو على إطلاق الاتهامات بحق المسرح لـ "دعمه الإرهاب والإرهابيين". ولم تقف الأمور حدّ التصريحات، فقد أعلنت بلدية حيفا عن تجميد تمويلها للمسرح حتى البتّ بموضوعه، بينما هدّدت ريجيف نفسها بتجميد تمويله من قبل وزارة الثقافة هي الأخرى وأثارت بذلك ثائرة بعض الأوساط الفنية في إسرائيل التي خرجت ضد سياسة كمّ الأفواه، معتبرةً خطوات ريجيف غير ديموقراطية. إلا أن ذلك لم يردع وزيرة الثقافة الجديدة التي فتحت جبهةً إضافية ضد الفنانين الإسرائيليين، واصفة إياهم بـ "ثلة من المتعالين وناكري الجميل"، مؤكدةً للجميع أن "هذه الحكومة هي ليست حكومة اعتذارية.. سنحارب كلّ من يحاول نزع الشرعية عن دولة إسرائيل ومقاطعتها من الداخل.. خلال شهر، سيعرف الفنانون ما المسموح وما الممنوع عرضه في أعمالهم".
أما نفتالي بينيت فأطلّ عبر حسابه على "تويتر" ملوّحاً بصلاحيته كوزير التربية والتعليم، ومعلناً بأنه قرّر إخراج المسرحية على الفور من السلة الثقافية المعدّة لطلاب المدارس، ذلك على الرغم من أن اللجنة المهنية المعنية قررت المصادقة عليها من جديد(!). وجاء على لسان الوزير اليميني قوله: "وليكن واضحاً أن مواطني دولة إسرائيل لن يموّلوا من جيوبهم مسرحية تظهر التسامح تجاه قاتلي الجنود.. أولاد إسرائيل لن يشاهدوا مسرحية تعرض القاتل على أنه بطل!".
من جهته، أوضح مدير "مسرح الميدان" عدنان طرابشه أن "وليد دقه الذي يعتبره الإسرائيليون "إرهابياً" هو بالنسبة إلى الفلسطينيين مناضلٌ وأسيرٌ سياسيّ". ونفى طرابشه الاتهامات التي تدّعي أن مسرحية "الزمن الموازي" تروج للقتل، مبيناً أنها تستعرض قصة إنسانية لأسير ما زال حبيس السجن منذ ثلاثين عاماً، ولزملائه الذين عملوا على مفاجأته، بعدما سمحت له سلطة السجون بالزواج، فصنعوا له عوداً نجحوا في تهريب قطعه الخشبية. وذكر طرابشه في تصريحاتٍ أدلى بها للإعلام: "لقد تعرّضنا لحملات عدّة قبل سنوات، لكن الحملة هذا العام بدأت ضدنا عندما قمنا باستضافة مهرجان الأفلام الفلسطينية، وأقمنا معارض في أسبوع الأسير الفلسطيني، وعروضاً في ذكرى النكبة.. ذلك، إلى جانب عرضنا لمسرحية "1945" التي تتحدث عن حياة قرية فلسطينية خلال تلك السنوات، ونهايةً مع عرضنا لمسرحية الزمن الموازي".

المسموح: "إما الصرف الصحّي أو الغيبيات"

يبدو أن أكثر ما تجسّده الحملة الأخيرة على مسرح "الميدان" هو التصعيد الحاصل في تعامل الدولة مع المجتمع الفلسطيني في الداخل، ومع حريته بالتعبير على وجه الخصوص.. لا سيما في ظل الحكومات اليمينية الأخيرة، التي تشهر عداءها للعرب من دون اعتذارٍ أو ارتباك. وكما يقول جعفر فرح، مدير "مركز مساواة لحقوق المواطنين العرب في إسرائيل"، فإن "التضييق على المثقف الفلسطيني ليس بجديد، الجديد اليوم هو أنهم يفضحون سياساتهم وأنفسهم. التمييز الممنهج قائم من قبل، فوزارة الثقافة التي تريد التدخل الآن بالمضامين الفنية تخصص 3 في المئة فقط من ميزانيتها للمجتمع العربي، والبلدات العربية تفتقر بشدة للبنى التحتية الثقافية، حتى "سينماتك الناصرة" أغلق أبوابه بعدما كان الوحيد في بلدة عربية. والحكومة ما زالت ترفض تمويل مشروع المتحف الفلسطيني. في حيفا، هناك متحف ياباني ولا يوجد متحف عربي(!). من الواضح أن هذا التضييق هو قسم جوهري من المشروع الاستيطاني. إن استهداف المشهد الثقافي هو جزء من استهداف المجتمع الفلسطيني، ومن محاولة إدخاله في أزمة، خاصة أن مجتمعنا يرفض تهميش نفسه ويضع تحديات جديدة كان آخرها ارتفاع نسبة التصويت والمشاركة السياسية في الانتخابات الأخيرة التي خاضها العرب ضمن قائمة مشتركة".
ويكمل فرح قراءته للواقع وتطوّراته: "لقد استهدفوا القيادة في البداية، ومن ثم انتقلوا إلى المجتمع المدني والمشهد الثقافي الآن. إن ما يخدم مشروعهم هو تجهيل المجتمع وليس تثقيفه. هم يفضلون أن نكون مجتمعاً جاهلاً وتابعاً للشعارات الدينية، بينما "الميدان" والفنانون العرب يصيغون خطاباً وطنياً وتقدمياً لا يتماشى مع ذلك. لهذا، نراهم يحاولون زجّنا بخلافات داخلية على المشهد الثقافي، ونسمع عن منع رواية علاء حليحل "أورفوار عكا" في مدرسة بباقة الغربية، بادعاء خدشها للحياء أو إلغاء عرض ستاند - أب لنضال بدارنة، أو منع ممثلة من تقديم مسرحية. إن السماح بهذه الاعتداءات داخل المجتمع لا يمكن أن يتم من دون موافقة "الشاباك". بصمتهم حيال هذه الأحداث هم يقولون: لندعهم يقمعون الثقافة الفلسطينية بأنفسهم. هذه المعركة هي محاولة لإبقاء المجتمع الفلسطيني مجتمعاً يتعامل إما مع قضايا الصرف الصحي أو مع الغيبيات.. فهم بلا شك يفضلون أن ننشغل بالغيبيات على أن ننشغل بالمعركة على مستقبل شعبنا. قضية الأرض اليوم هي ليست القضية الفلسطينية فحسب وإنما قضية الإنسان - أي إنسان سيبقى على هذه الأرض. لهذا، تستهدف ثقافته بالذات لتدميره. كان من الممكن أن يسنّوا قانون النكبة من دون أن ينتزعوا أرواحنا، لكن هذا هدفهم من البداية. فهم يعرفون بأن هذا القانون أو غيره لن يمنعنا من الحديث عن النكبة. النكبة لم تكن كلمة متعارف عليها هنا، اليوم لا يوجد مواطن بهذه الدولة، عربيّ أو يهوديّ، لا يعرف ما هي النكبة. ردّ فعلنا تجاوز كلّ توقعاتهم، فذكرى النكبة تحوّلت إلى حدثٍ ضخم وقوافل بشرية تزداد كل سنة! 20 ألف شخص هذه السنة، يمشون جنباً الى جنب، يهتفون ويغنون. وكلّ محاولات التيار الإسلامي لمنع الغناء ومنع النساء، لم تنجح.. بل صار التيار الوطني يتعامل مع قانون النكبة كجزء من مشروعه لإعادة الهوية الوطنية للجماهير".
في عودةٍ إلى الأحداث الأخيرة والنقاش الذي أثارته، يقول فرح: "لطالما أرادوا أن يقنعوا أنفسهم بأننا شعب بلا ثقافة. حتى مؤخراً، كانوا يهاجموننا بحجج باطلة كقتل اليهود أو التهرّب من دفع الضرائب. الآن، الحديث بيننا وبينهم صار حول إغلاق مسرح أو عدم إغلاقه، لا إن كنا نقتل اليهود ولا ندفع ضرائب، وإنما هل لدينا حق بتلفزيون مستقل أم لا؟ أصبحنا نحن نهاجم بالمشهد الثقافي ونتهمهم بقمع قدرتنا الإبداعية والثقافية، بينما هم يحاولون إرجاعنا إلى الحديث عن الخدمات وهدم البيوت. أعتقد أننا أحدثنا نقلة نوعية في النقاش مع الإسرائيلي، كما أننا فرضنا أجندة. وهنا تماماً تكمن قدرة المثقفين على التأثير بموقعة النقاش. لقد حوّلنا هذه المعركة إلى معركة مركزية، وأوصلنا رسالة واضحة بأن لا تراجع عن القيام بمسرحية عن أسير سياسيّ. سنقوم بالمسرحية، وسننتخب بالصناديق، وإن كان ذلك يخيفهم، فليكن".

نقلة نوعية في مخاطبة الإسرائيلي

يؤكد إياد برغوثي، مدير "جمعية الثقافة العربية"، الملاحظة التي تقول بأن هناك تغيّراً بالتوجهات والمضامين على مستوى المشهد الثقافي: "من الواضح أنه قد بات للنخب والمجتمع وعي فلسطيني، تبلور أكثر وصار صريحاً أكثر وملهماً للفنانين. وبما أنه لم يعد بالإمكان التغاضي عن هذه الأمور، أصبح التناقض بيننا وبين الدولة واضحاً وصريحاً، وضاق الهامش الذي كان من الممكن أن يعمل فيه بعض المبدعين خلال العقدين الأخيرين. هناك مجتمع فلسطيني يعيش في ظل المواطنة الإسرائيلية، ويريد أن يعبّر عن هويته.. هناك تناقض".
في المقابل، لا يجد برغوثي أن هناك مؤشرات لمرحلة جديدة: "ما يحدث الآن هو وضوح في التصريحات، وتأكيد على التعريفات، وعلى علاقات القوة. لطالما استخدمت ميزانيات وزارتي الثقافة والتعليم كواحدة من أدوات السيطرة والاحتواء. خلق ذلك هامشاً معيناً تبلورت فيه بعض المسارح والمعاهد الموسيقية والمؤسسات الصغيرة، لكن كلّ المسعى خلف هذه الميزانيات، التي هي فتات الميزانيات، كان الأسرلة. القضية الأساسية هنا هي الهيمنة الثقافية، لا اعطاؤنا حصتنا من الكعكة. كلّ الوقت كان هناك حرمان للسينمائيين الفلسطينيين، وللسينما المحلية. الأمر لم يبدأ مع قضية سهى عرّاف. هم يقولون لها: عليك أن تنظري لنفسك كإسرائيلية وأن تعرّفي نفسك كذا، وعلى المضامين أن تتماهى مع الدولة اليهودية. عملياً، هذا كان المسعى كلّ الوقت. لبّ الموضوع هو المسعى الإسرائيلي لخلق "العربي الإسرائيلي" ذي الهوية المشوّهة، بعد نزع هويته الفلسطينية. هذا كان هدف الميزانيات دائماً. لما مسرح الميدان، الذي كان اسمه "مسرح الميدان الإسرائيلي"، بدأ ينظر لنفسه كفلسطيني، تحوّل لمشكلة. وهذه حالة اشتهرت، ووصلت إلى الإعلام، ولكن هناك حالات كثيرة غيرها، وإن لم تكن الملاحقة فيها رسمية أو قانونية. كلّ حالة الحركة الثقافية تقف بتناقض مع الواقع الذي تعيشه. مجرد حالة أن تكون مبدعاً فلسطينياً في الداخل تنطوي على معضلة. اليوم، ومع تدهور الفاشية في إسرائيل وارتفاع الوعي إلى موضوع المقاطعة، أرى بأن هناك نفوراً عاماً بين الفنانين من المؤسسة الصهيونية. يحقّ لنا أن نحصل على الميزانيات لأننا ندفع الضرائب، لكن ما يحاولون القيام به الآن هو اشتراط التمويل بنوع من الولاء الأيديولوجي وليس فقط السياسي".
حول ذلك، تساءل الفنان عامر حليحل بمقالة له: "ماذا نحن فاعلون إذاً؟ هل سنكتفي ببيانات شجب واستنكار كالسابق؟ هل سندير مفاوضات مغلقة كي "نضبضب" الطابق؟ هل سنكتب مقالات أكثر (كهذا الذي بين أيديكم)؟ هل سنشتم ونلعن ونغضب، ثم نهدأ وننسى ويمرّ الأمر مرّ الكرام، ونجد أنفسنا أمام قرار آخر بعد بضعة أشهر يؤذي حريتنا؟ أم أنّنا سننهض جميعًا، مؤسّساتٍ وأفرادًا، ونتكاتف، ونقوم بخطوات فعليّة ترفض بشدّة ما يحدث، حتى ولو وصل الأمر بنا إلى إرجاع كلّ فتات الميزانيّات الذي تعطيه الوزارة لنا، رافضين لمرة واحدة ككتلة واحدة ومن دون استثناء أن نتعاون مع ما يحدث أو أن نتحايل عليه؟ سيقول البعض: هم سيفرحون بإرجاع الميزانيّات، ولن يهزّهم الأمر. حتى إذا كان الأمر صحيحًا، فليكن. على الأقل سنحفظ ماء وجهنا، ولن نصبح كالأيتام على موائد اللئام. فلتتجمّد الحركة الفنيّة إذا كان شرط تحرّكها السكوت والخنوع. لا نريد مسرحًا مكسورَ الرقبة، لأنّ مسرحًا كهذا لا يُعوّل عليه. نريد مسرحًا نموذجًا في الحرية. لدينا القوة بالتأثير على الشارع، شارعنا، وهو الأهمّ، لأنّ من يعرف تفاصيل الإنتاجات الفنيّة في البلد يستطيع أن يؤكّد أنّ معظم ما ننتجه من مسرح وفنّ لا يتلقّى دعم الوزارة، بل هي إنتاجات مدعومة خارجيًّا أو إنتاجات شخصيّة لا يدعمها أحد. لذا، يجب ألّا تخيفنا تهديداتهم، بل علينا أن نحاربها ونحاربهم ونرفض أيّ تهاون اتجاه القضية، لأنّ ما يحقّ لمسرح الكاميري (الإسرائيلي) - أنتج مسرحية "عائد إلى حيفا" لغسان كنفاني الذي تعتبره إسرائيل مخرّباً وقامت بنفسها باغتياله - يحقّ لنا في مسرح الميدان. ليس من باب المنّة، وإنّما من باب أننا دافعو ضرائب، ولنا الحقّ باسترجاعها، وبتلقّي جميع الخدمات، حتى لو لم يعجب الحكومة كلها ما نطرحه في مسارحنا. أعرف أنّ البعض يهزّون رؤوسهم ويقولون إنّ هذا الكلام جميل، لكنه غير قابل للتنفيذ، ولن يتكاتف أهل الفن من أجل تحقيقه. معقول؛ لكن، إذا لم يتكاتف أهل الفن من أجل ذلك، فلن يستطيعوا بعد الآن أن يستنجدوا بالجماهير لتتضامن معهم. لن تكون لنا أيّ مصداقيّة أمام جمهورنا، لن نستطيع البكاء على أعتابهم طالبين منهم الدعم، وليذهب المشروع الفنيّ الثقافيّ في وطننا إلى الجحيم، إذ لن تكون لنا حاجة بعد اليوم. فما حاجة الناس لنا إذا لم نعبّر عنهم وعن همومهم؟".

"نحن خطّ المواجهة الأول"

كان للمشهد الثقافي موقف من مسألة وقف التمويل الحكومي. عنها، يقول برغوثي: "هناك بعض المؤسسات الصغيرة التي تعتاش على التمويل الإسرائيليّ والتي ما زالت تشدّ إلى هذا الاتجاه. أما عموماً فأعتقد بأن هناك مسعى انفصاليّاً، إنتاجياً على الأقل. هناك الكثير من الإنتاجات في الأدب، كما المسرحيات الصغيرة، والأفلام المستقلة، وفي الفنون التشكيلية، التي ليست بحاجة للدعم الحكوميّ. كانت هناك عروض على مستوى مهرجانات لم تتلقّ أي دعم. الموسيقيون يبادرون ويصدرون ألبوماتهم، وخاصة هؤلاء الذين يعملون على الهوية الفلسطينية، وينتجون في الحقل المستقل. صحيح أن الإنتاج الثقافي ليس غزيراً على الأصعدة كافة، لكننا نرى أن هناك نوعاً من العزوف عن التمويل الإسرائيلي. هذا هو التوجه الذي كان حاضراً في السنوات الأخيرة. المشكلة من الناحية الريعية أنه لا توجد لدينا مصادر دعم أخرى، ومن الممكن أن يخلق ذلك حالة انقراض ثقافية جزئية".
من ناحيته، وحول الموضوع ذاته، يوضح جعفر فرح: "نحن لا نريد أن ننفصل عن التمويل الحكومي، بل نريد نقودنا وحقنا حتى آخر مليم. مؤسساتنا الثقافية تعاني من مشاكل تمويلية قبل أن تُهدّد بتجفيف الميزانيات عنها. "الميدان" موجود بأزمة مالية منذ سنوات، ومديره يتلقى أجره شيكلاً واحداً (!). أما الممثلون فلا يحصلون على شيء. المشهد الثقافي بحاجة لظهرٍ عمليّ، والمطلوب الآن هو الاحتضان الشعبي من قبل الأطياف كافة، وتكثيف عرض المسرحيات، والتقدّم باتجاه تنفيذ مشاريع كبناء الأرشيف والمتحف الفلسطيني. على العالم العربي وباقي أجزاء الشعب الفلسطيني أن يروا أننا خط المواجهة الأول، وأن ثقافتنا مستهدَفة. هناك انفتاح أكبر في السنوات الأخيرة، وهناك متحرّك عربيّ إقليمي جديد بدأ ينظر إلينا كمركّب هام في الصراع. قطر أرسلت المال لبناء مركز ثقافي في حيفا، وأبو ظبي في الطيبة، لكن ما يرصد بالعالم العربي من ميزانيات للثقافة الفلسطينية يجب أن يتحوّل من مشروع يخدم مصالح حزبية إلى مشروع وطنيّ. إن إقامة صندوق وطني للثقافة الفلسطينية هو مشروع يجب تمويله، وليس فقط من قبل العالم العربي. أما على المستوى المحلي فمشروعنا هو مشروع الإدارة الذاتية الثقافية، أن نحصل على حصتنا من الميزانيات وأن نديرها من خلال مؤسساتنا. نريد حصتنا، ونريد أن نقرّر بالمضامين من دون وصاية من أحد".
"المشكلة تكمن في أن الدولة اليهودية تحرمنا من حقوقنا الجماعية، ومنها حق الاستقلالية الثقافية، وإدارة الشؤون، وهو حق أساسي لأقلية قومية"، يعقب برغوثي ويضيف: "نظرياً، يجب أن تتحول الأموال لمجلس للثقافة يقوم بإدارتها. اليوم، هناك تطرّف في إسرائيل، لذا، فإن هذا الحل غير مطروح. يبقى أمام الفنان إما التوجه لمصادر إسرائيلية تنكر هويته أو التوجه لمصادر عربية تتلاءم وهويته.. ولكننا لسنا على أولويات صناديق الدعم العربية القليلة أصلاً، ولا ننسى طبعاً ما تمر به المنطقة العربية اليوم. هناك بدايات وعي في العالم العربي إلى أن التواصل معنا ليس بتطبيع، وهناك بعض الصناديق التي تدعم، وقد ساعدت بذلك حركة الإنتاج المستقلة التي نشأت هنا. بالإضافة إلى تشجيع الإنتاج، فإن مثل هذا الدعم يعطي معنى وإطاراً ينتج الفن من خلاله. نحن نعي أن الحصول على تمويل من العالم العربي ليس بالأمر المفهوم ضمناً، فهناك إشكاليات في الجانب الإجرائي تتوجّب دراستها جيداً قبل القيام بأي خطوة. المهم، نحن هنا جزء، ونريد أن نكون جزءاً عضوياً، من الإنتاج الثقافي العربي المعاصر، ومن الثقافة العربية. فعندما نكتب رواية، نكتب رواية عربية - حتى أكثر منها فلسطينية. هذا هو الأفق الطبيعي لنا. هدفنا الاستراتيجي أن نحافظ على تماسكنا وهويتنا. الثقافة هي لاصق اجتماعي أمام محاولات الاختراق والتفكيك المستمرة، وبمقدورها أن تعطي حصانة وتخلق إنساناً أكثر وعياً. الثقافة ممكن أن تظل تربطنا بالعالم العربي، رغم كلّ الأحوال الصعبة".