| 

إلى الغرب من مدينة طولكرم، وبالقرب من الجدار الذي يفصل الضفّة الغربية عن إسرائيل، تواجه المارة لافتة كتبت عليها باللغة العبرية عبارة: "المنطقة الصناعية، نيتساني شالوم" – وتعني بالعربية "براعم السلام". لكن العين الناظرة إلى المبنى تظنّ به سجناً أو معتقلاً أكثر منه مكان عملٍ ومجمّعٍ صناعيّ، لشدة تحصيناته. إذ يحيط به جدارٌ خرسانيّ رماديّ قاتم اللون، تعلوه سلسلة من الأسلاك الشائكة، وأبراج حراسة، وكاميرات مراقبة، وتتوسطه بوابةٌ من حديدٍ صلب خضراء اللون، محاطة بمكعبات اسمنتية ضخمة. بينها، يمر مسلكٌ واحدٌ متعرّج، يؤدي إلى الداخل. وهو مخصّص لعبور العمال الآتين من محافظة طولكرم والمناطق المجاورة.

هكذا ولدت هذه "المدينة"
أقيمت "براعم السلام" فوق أراضي محافظة طولكرم في العام 1995، كجزءٍ من خطّة إسرائيلية تهدف لإقامة 9 مناطق صناعية على طول الجدار الفاصل مع الضفّة الغربية. وقد تمّ الاعلان عن الخطة بعد اتفاق أوسلو في العام 1993، بدعوى تشغيل حوالي مئة ألف عاملٍ فلسطينيّ. لكن انطلاق الانتفاضة الثانية أجهض المشروع، وأصبحت "براعم السلام" المنطقة الوحيدة التي تمت إقامتها على أراضي محافظة طولكرم، شمالي غرب الضفّة الغربية. وتم اختيار طولكرم لقربها من تجمّع مدن يُسمّى "غوش دان"، وهو يشكّل أكبر منطقة متروبوليتان تقع وسط اسرائيل، بعدد سكان يزيد عن 3 ملايين نسمة. فطولكرم تعدُّ إحدى المناطق الساحلية، وتبعد عن شاطئ البحر الأبيض المتوسط نحو 15 كيلومتراً، وتبلغ مساحتها حوالي 246 كيلومتراً مربعاً. وتشير بيانات "الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني" أن عدد سكانها بلغ (180414) نسمة في نهاية العام 2014.
في بداية العام 2000، تمّ عزل المنطقة الواقعة داخل الجدار الفاصل، بدعوى حمايتها من عمليات وهجمات محتملة تنفّذها المقاومة الفلسطينية خلال الانتفاضة الثانية. اليوم، يوجد في المجمّع 13 مصنعاً إسرائيلياً، يختص أغلبها بصناعة المواد الكيماوية، ويعمل فيها نحو 500 عامل فلسطينيّ، بتصاريح خاصة تصدرها الإدارة المدنية التابعة للجيش الإسرائيلي، وهي الجهة المسؤولة عن أمن المجمع وحمايته. لا يُسمح لغير العمال بالدخول إليها. لكن التقارير الصحافية والدراسات التي أجريت حول المنطقة، كشفت عن أضرارٍ كارثيّة تسبّبها مخلّفات تلك المصانع على حياة الإنسان والبيئة، خصوصاً في محافظة طولكرم. فالمنطقة لا تخضع لأيّ رقابة، كونها تقع في مناطق الضفّة الغربية المصنفة "C"، وهو اصطلاحٌ يطلق على المناطق التي تخضع للسيطرة العسكرية الإسرائيلية الكاملة، ولا تخضع للقانون الإسرائيليّ المدنيّ.
وبحسب رئيس "اتحاد النقابات العمالية الفلسطينية" محمد بليدي، فإن مصانع "مجمّع الموت" – كما يسمّيه – "قد تمّ نقلها من داخل إسرائيل إلى أراضي محافظة طولكرم، بعد احتجاج سكان مدن نتانيا وكفار سابا اليهود على الأضرار التي تسبّبها هذه المصانع على الصحة والبيئة". وتم الاستيلاء على الأراضي في هذه المنطقة بعدّة طرق، بحسب بليدي، منها 82.633 دونماً، هي أراضي سكّة الحديد التابعة للوقف الإسلامي، وتدّعي قوات الاحتلال أنها تقع ضمن سلطة وصلاحيات "دائرة أملاك الغائبين". والدائرة المذكورة هي الجهة التي تطبّق قانوناً عثمانياً قديماً، يسمح بوضع اليد على الأملاك التي تركها أصحابها، إما للهجرة أو بالموت، ويتم ضمّها إلى أملاك الدولة، ولاحقاً تأجيرها ليهودٍ بهدف إقامة مشاريع استثمارية أو استيطانية عليها. إلى هذه المساحة، تأتي مساحة 8.183 دونماً، تعود ملكيتها للمواطن صالح الجلاد. وقد تمّ الاستيلاء عليها بأوامر عسكريّة إسرائيليّة، وبقرار وضع اليد من حكومة الاحتلال. أما بقية الأراضي، التي تشكل مساحتها ما مجموعه 200 دونم، فتدّعي الشركات الإسرائيلية شراءها من أصحابها الفلسطينيين، الذين يؤكدون حصول تزوير في عملية نقل الأراضي، وأنهم لم يبيعوها، ولكن تمّت مصادرتها بالقوة.

ما هي تلك المصانع؟ ماذا تفعل؟
من بين تلك المصانع يحضر "مصنع جيشوري"، المملوك من قبل جنرال إسرائيليّ متقاعد اسمه دافيد آرون، وقد تمت إقامته على مساحة 20 دونماً. ينتج المصنع أسمدة كيماوية، ومبيدات حشرية، ومواد طلاء. أما مصنع "لينوي اسخوخيت" فيصنّع الزجاج بأشكاله المختلفة ويعالجه، باستخدام الرمل المضغوط. وهذه العملية تحدث غباراً كثيفاً ينتشر في الهواء على شكل سحبٍ رملية. في المقابل، فإن مصنع "ياميت" يصنّع فلاتر المياه، وأنابيب السماد الزراعي الكيماوي، وأدوات تنظيفها. وتتم معالجة الأنابيب والفلاتر بالرمل. وتحتاج تلك العملية إلى قوة ضغطٍ عالية جداً، ينجم عنها تشكّل سحب رملية تنتشر في الهواء. بالإضافة إلى هذه المصانع، توجد عشرة مصانع أخرى تصنّع ألواح الخشب، واللوحات الإلكترونية، والأقمشة، والبطاريات، وطلاء المعادن، ومستلزمات الدباغة، والجلود، والورق، والإسفنج.
تنفث فوهات تلك المصانع دخانًا أسود كثيفاً وقاتماً في سماء مدينة طولكرم على مدار 24 ساعة. ويتمّ التخلص من المياه العادمة عبر صبّها في حفر امتصاصية في الأراضي الزراعية القريبة. أما النفايات الصلبة فيتم حرقها في الأراضي المحيطة. وقد بيّنت دراسة أجراها الباحث في مجال البيئة هاشم الأشقر، أن الأبخرة المنبعثة من تلك المصانع تحتوي على أكسيد الكبريت، ومواد كبريتية أخرى، وبعض أكاسيد النيتروجين والكربون والفورمالديهايد.
"هذه الغازات تسبّب أمراضاً في الجهاز التنفسيّ، مثل: الإلتهاب الشعبي المزمن، والربو، وانتفاخ الرئة (الأمفيزما)، وسرطان الرئة، والسعال، وكذلك أمراض العيون، والأنف، والحنجرة، وأمراض القلب والشرايين، كما تضعف مستوى مقاومة الجسم للأمراض الميكروبية. "هذه أمراض منتشرة بنسبٍ عالية بين سكان المحافظة"، يقول الدكتور سمير حمدان، وهو أخصائيّ الأمراض المزمنة في المحافظة، ويشرف على العديد من الحالات المصابة بها.
نقل تلك المصانع إلى الضفّة حقّق للاحتلال أهداف عدة بحسب بليدي، منها: نقل جميع الانعكاسات السلبية والأضرار الناتجة عن عمليات الإنتاج إلى الفلسطينيين، مع ضمان حفاظ إسرائيل على العائدات المالية التي تدرها تلك المصانع على رأس المال الإسرائيلي. "فالمجمع الصناعي لا يخضع للقانون الاسرائيلي، ويشغل عمالاً فلسطينيين بأجور زهيدة، ومن دون أيّ مسؤولية قانونية اتجاههم".

قانون عمل، للفلسطينيين فقط!
بدعوى أن المصانع تقع في مناطق الضفّة الغربية، فإن أرباب العمل هنا يطبّقون قانون العمل الأردني على العمال الفلسطينيين، وقد كان معمولاً به في الضفّة الغربية قبل العام 1967. هذا القانون، بحسب بليدي، لا يلزم أرباب العمل بتخصيص الأموال لرواتب التقاعد، ولا يجبرهم على دفع بدل الإجازات المرضية إذا زاد عدد أيام الغياب عن ثلاثة. كما يمنح القانون الأردني 14 يوماً للعامل كإجازة سنوية، وسبعة أيام عطلة في حالة السفر للخارج. وخلافاً لقانون العمل الإسرائيلي، فإن هذا القانون لا يمنح عطلات أو اجازات للعمّال خلال السنة الأولى من العمل. والأهم من ذلك، فإن مكافأة نهاية الخدمة بموجبه تكون بالحد الأدنى.
"القانون الأردني يطبق فقط على العمّال الفلسطينيين. أما نظراؤهم اليهود فيطبق عليهم قانون العمل الإسرائيلي"، يقول عساف أديب، مدير مؤسسة "WAC" التي تدافع عن حقوق العمال الفلسطينيين. ويضيف: "هذه الإزدواجية تسبّبت بفجوة في الأجور والحقوق بين ما يتقاضاه العامل الفلسطيني وما يتقاضاه العامل الإسرائيلي، حيث يحصل العامل الفلسطيني على 2 دولار في الساعة، بينما يحصل الإسرائيلي على 5 دولارات للساعة ذاتها، بالإضافة الى امتيازات كثيرة كتأمين صحّي وضمان اجتماعي وغيره".
للاقتراب من مُعاش العمال، يروي أحمد حمدان شايب، الذي كان يعمل في شركة "ياميت" لمعالجة المياه، أنه قد عمل جنباً إلى جنب مع عمّال يهود، "هم يحصلون على شيء، وأنا أحصل على آخر". بعد تركه لعمله الذي استمر خمس سنوات، توجّه أحمد إلى القضاء الإسرائيلي ليطالب بمكافأة نهاية الخدمة. ولكن المحكمة رفضت طلبه بدعوى أن "نيتساني شالوم" أو "براعم السلام" لا تخضع لقانون العمل الإسرائيلي. وحكمت على أحمد بتغطية مصاريف المحاكمة، التي بلغت 20 الف شيكل (حوالي 5 ألاف دولار).
بعد هذه القضية، صار العمّال يتعرّضون لضغوطات وابتزازات من أرباب العمل في المجمّع، تخيّرهم بين التوقيع على اقرار يقضي بأنهم يعملون بموجب قانون العمل الأردني، وبين طردهم من العمل نهائياً وحرمانهم من كافة حقوقهم.
بالنسبة إلى عساف، فإن "نيتساني شالوم" / "براعم السلام" ليست استثناء، "فجميع المستوطنات الإسرائيلية المقامة على الأراضي الفلسطينية في الضفّة الغربية تحوي مصانع تم نقلها من داخل إسرائيل إلى الضفة الغربية، بسبب الأضرار البيئية والصحية التي تسببها". فيتم إلقاء المخلفات والنفايات الكيماوية في الأراضي الزراعية الفلسطينية والبلدات المجاورة لتلك المستوطنات. كما تشغل هذه المصانع عمالاً فلسطينيين، بأجورٍ منخفضة ومن دون أي مسؤولية قانونية أو حتى أخلاقية نحوهم.

سيرة الاستيطان في طولكرم
بدأ الاستيطان في محافظة طولكرم في العام 1977، بموجب مشروع "ألون" الإستيطاني، الذي أعدّه يغال ألون، وزير العدل الإسرائيلي آنذاك. واقتضت خطته إقامة كتل استيطانية على سفوح التلال الشرقية للضفة الغربية، بحيث تطوّقها وتفصل شمالها عن جنوبها. وكان ذلك وصولاً إلى مشروع "شارون"، على اسم رئيس وزراء إسرائيل السابق آرييل شارون، إبان توليه منصب وزير المالية سنة 1993، والذي أدى إلى إقامة سلسلة من المستوطنات على طول الخط الأخضر (وهو الخط الوهمي الفاصل بين الأراضي المحتلة في العام 1948 والأراضي التي احتلت في العام 1967). هذه المستوطنات تبدأ من منطقة اللطرون في وسط فلسطين، وحتى جنين في الشمال.
أطلق على هذا المشروع اسم "خطة النجوم السبع"، ونتج عن مشروعي "آلون" و"شارون" حزامين استيطانيين بمسارين: الأول، كان بإقامة كتل استيطانية في عمق الضفة الغربية، تمتد وتتوسع باتجاه الخط الأخضر. والآخر، تمثل بإقامة كتل استيطانية، تبدأ من داخل اسرائيل، وتتوسع باتجاه الضفة الغربية، فيما يتم ربط الأحزمة الاستيطانية بشبكة ضخمة من الشوارع الالتفافية. وكان ذلك بهدف الاستيلاء على المزيد من الأراضي، وتطويق الضفة عسكرياً، وفصل شمالها عن جنوبها لمنع التواصل الفلسطيني – الفلسطيني على جانبي الخط الأخضر.
اليوم، يوجد في محافظة طولكرم ثلاث مستوطنات، تسيطر على نحو 2041 دونماً من أراضي المحافظة. وتتصل مع باقي المستوطنات المقامة على أراضي الضفة الغربية، عبر شبكة ضخمة من الطرق الاستيطانية، ينتشر ويسيطر عليها الجيش الإسرائيلي لتوفير الحماية للمستوطنين. ويحظر، في أغلب الأحيان، على الفلسطينيين سلوكها.. بذرائع أمنية.