| 

يرجع تاريخ كرة القدم الفلسطينيّة لبدايات القرن العشرين، وفي العام 1908 تحديداً؛ تشكّل الفريق الكروي الأول في مدرسة "الروضة" في القدس، ومن ثم ازدهرت كرة القدم إبان فترة الاحتلال البريطاني لفلسطين في العشرينيّات، ما مهّد لتأسيس الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم العام 1928 في مدينة القدس، وصولاً إلى انضمام فلسطين رسمياً للاتحاد الدولي لكرة القدم العام 1929. وفي حقبة الثلاثينيّات والأربعينيّات، شهدت كرة القدم الفلسطينيّة ازدهاراً ملموساً على الصعيد الداخلي، مع إنشاء العديد من الفرق الكرويّة في غالبيّة المدن الفلسطينيّة.

لاعبو الشوارع

في قطاع غزّة، كان الشباب يلعبون كرة القدم في الشوارع والأزقّة. يُقلّدون المحتلّ الإنكليزي ويُحاكون لاعبيه في حركاتهم وأدائهم، إلى أن قرّرت مجموعة من الطلاب الفلسطينيين العائدين من دراستهم في "الجامعة الأميركية في بيروت" تكوين أول فريق لشباب غزّة، بعدما رأوا الشباب يلعبون كرة القدم في الشوارع. ومن هؤلاء المؤسسين، يحضر المرحوم الحاج رشاد الشوا، وكان ذلك في العام 1934.
عند توقف نشاط جمعيّة تضامن إسلاميّة – مسيحيّة في غزّة، بدأت بين ناسها تختمر فكرة تكوين أول نادٍ رياضي في المدينة. اجتمعت لجنة تأسيسيّة، وكوّنت أول نادٍ في اللواء الجنوبي، سُمّي "نادي غزّة الرياضيّ". معه، تمّ تكوين أول فريق لشباب غزّة، بحيث يتبارى مع الفرق الأخرى في المدن الكبيرة مثل يافا وحيفا والقدس.
انطلقت مسيرة "نادي غزّة الرياضي" في ظروف صعبة ومُعقّدة، وكان أوّل مقر للنادي دكّاناً صغيراً في وسط المدينة. واهتم النادي حينها باللعبة العربيّة الأولى، "كرة القدم"، كما بعض الألعاب الفرديّة كالملاكمة، رفع الأثقال، وألعاب القوى. وكان فريق كرة القدم من أقوى فرق اللواء الجنوبي، تصدّر جميع بطولاته، ولعب مع العديد من الفرق الشهيرة في فلسطين والأردن آنذاك، أمثال "إسلامي يافا"، "شباب عرب حيفا"، "الدجاني" في القدس، وفرق "الرملة" و "اللد" و "نابلس" و "بئر السبع"، حتّى أُطلق عليه اسم "عميد أندية فلسطين".
شهدت الفترة ذاتها تطوراً ملحوظاً للكرة الفلسطينية، وأقيمت المباريات الرسمية والودّية على ملاعب القدس ويافا وحيفا وغزّة وغيرها من المدن الفلسطينية، بالإضافة إلى استضافة الفرق العربية من الدول المجاورة، سوريا ولبنان ومصر والأردن. وبعد أحداث النكبة، ونتيجة تهجير الشعب الفلسطيني من أرضه، تشتّت نجوم الكرّة الفلسطينية في مخيمات اللاجئين في العديد من الدول العربية المجاورة والشتات.

فرق النازحين

بعد النكبة، والنزوح، والتشرّد، فتح "نادي غزّة الرياضي" أبوابه أمام أبناء فلسطين المهجّرين إلى القطاع. قدّم لهم المساعدة والإيواء، وراحت قيادات النادي وكوادره تستقدم اللاعبين من الألوية والمدن الفلسطينية، من بين الذين أجبرتهم النكبة على النزوح واللجوء إلى قطاع غزّة. وبدأت تشكيلات الفرق للألعاب الرياضية كافة، وأصبحت قاعات وأروقة "نادي غزة الرياضي" تعج بالمفكرين والمثقفين والشعراء والروائيين الذين كانوا يتبارون بحماسٍ، وسط أجواءٍ حيوية.
وهكذا، ما لبثت الكرة الفلسطينيّة بعد نكبة 48 أن استعادت عافيتها من جديد. ظهرت فرق فلسطينيّة جديدة في فلسطين والشتات، أساسها اللاعبون النازحون من المدن الفلسطينية الرئيسيّة. وسجلت المشاركة الفلسطينية الأولى على المستوى العربيّ للمنتخب الفلسطيني الآتي من غزّة ولاعبي الشتات في الدورة العربية الأولى بالإسكندرية في العام 1953.
على رأس بعثة "نادي غزة الرياضي" المشاركة في دورة الإسكندرية، حضر قائد الحركة الوطنية ومفتي فلسطين الشهيد الشيخ أمين الحسيني. وتزامن في ذلك الوقت وجود الشهيد ياسر عرفات معها، ليخرج مقاتلو فلسطين وقادتها لتحقيق إنجاز أول بعد النكبة.

إصرار المدّ بعد الجزر

بعد العدوان الثلاثي في العام 1956، توقّف نشاط كرة القدم الفلسطينيّة إلى حدّ ما، بسبب الظروف السياسيّة. وبعد الجلاء، عاد النشاط مرّة أخرى إلى ذروته، وبدأت الفرق الفلسطينيّة تُثبّت رياضة كرة القدم الفلسطينيّة على الخارطة العربيّة والدوليّة، من خلال المشاركة بالدورات العربية والآسيوية والأفريقية. واخترق المنتخب الوطني الفلسطيني لكرة القدم الحواجز والعوائق للمشاركة في بطولة العالم في استوكهولم في السويد في العام 1966.
التجربة ذاتها أصابت كرة القدم الفلسطينيّة، بعد نكسة العام 1967. إذ توقّف النشاط بسبب العدوان، لكن سرعان ما عاد "نادي غزة الرياضي" إلى تشكيل فريق شباب غزة، وتواصلوا مع أشقائهم في الضفّة الغربيّة، وكان لقاء التواصل لتوحيد الجغرافية الفلسطينية بين منتخب القدس وشباب غزة على رمال ملعب اليرموك في غزّة، لتعود الحياة من جديد في شريان الحركة الرياضية.
في سنوات الستينيّات، راح أبناء الحركة الرياضيّة في القطاع يجوبون محافظات الضفّة الغربيّة لعقد اللقاءات مع كلّ فرق الضفّة، ما عزّز الوحدة الوطنيّة. وشهد قطاع غزّة في تلك الفترة تقدّماً كروياً في ظل انتظام المسابقات الرسمية للدوري والكأس، حيث شاركت الفرق الفلسطينية في الضفّة الغربية بمسابقات الدوري الأردنيّ.
وقد جاء العام 1974 ليحمل بشائر خير للحركة الرياضية الفلسطينية، لما قررت قيادات العمل الوطني والرياضي في "غزّة الرياضي" إعادة فتح أبواب النادي بعدما كان قد تشكّل في فريق "شباب غزة" بعد النكسة. وقد حذت أندية المناطق الجنوبيّة والوسطى والشماليّة في القطاع حذو النادي، ليشتعل النشاط في قطاع غزة بعد فترة من الركود.
في المقابل، لاقى أبناء الضفّة هذه الهبّة الرياضية في القطاع بإقامة أيامٍ رياضية للألعاب كافة، فعادت الجماهير تغزو الملاعب والقاعات والصالات، وتمّت تعبئة الشباب بما يعود بالنفع على الفرد، المجتمع، والحركة الرياضية.
في فترة السبعينيّات والثمانينيّات التي سبقت قدوم السلطة الفلسطينيّة، شهدت كرة القدم في قطاع غزّة ازدهاراً ملحوظاً، إذ تأسّس العديد من الفرق الرياضيّة في القطاع، وكان لكلّ مدينة ومُخيّم فريق يُمثّله. ومن تلك الفرق، نذكر "خدمات جباليا"، "خدمات الشاطئ"، "خدمات البريج"، "خدمات النصيرات"، "خدمات المغازي"، "خدمات رفح"، "خدمات خان يونس"، "خدمات دير البلح".
كان القائمون على هذه الأندية والفرق يُنظّمون مُباريات الكأس والدوري في قطاع غزّة بينها. وكانت المباريات تشهد إقبالاً مُنقطع النظير من الجماهير الراغبة بمشاهدة المُباريات، وتشجيع فرقها. أما الفائز في البطولات فكان يُمثّل القطاع في المُباريات الوديّة والبطولات التي تُقام في الضفة الغربيّة والأردن، فيما يضمّ المنتخب الوطني الفلسطيني لكرّة القدم أفضل اللاعبين من الفرق كافة.

أوسلو: عهد جديد، وانقسام

مع عودة السلطة إلى فلسطين في العام 1994، دخلت كرة القدم الفلسطينيّة عهداً جديداً مع إعادة تشكيل وانتخاب الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم، وإعادة عضويته في الاتحاد الدولي لكرة القدم "الفيفا"، والاتحاد الآسيوي. وفي تلك الفترة، انتظمت المسابقات الرسمية المحلية، وعادت الكرة الفلسطينية للمشاركة في البطولات العربية، من خلال بطولات الأندية، والبطولات العربية، وفي المسابقات الدولية والقارية.
عبد السلام هنيّة هو عضو المجلس الأعلى للشباب والرياضة في فلسطين، وهو نجل رئيس وزراء حكومة غزّة السابقة ونائب رئيس المكتب السياسي لـ "حركة حماس" إسماعيل هنيّة. يعتبره الرياضيّون في غزّة "الأب الروحي" للرياضة، والراعي الأوّل لها. يقول إن الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم تشّكل برئاسة اللواء أحمد العفيفي، مع قدوم السلطة. ومع اندلاع الانتفاضة الفلسطينيّة الثانية في العام 2000، تواصل النشاط الرياضي في قطاع غزّة على استحياء، بسبب تقطع الأوصال بين شطري الوطن. لكن غزّة حافظت على الروح الرياضيّة في ملاعبها المتواضعة، بعكس الضفّة الغربيّة التي أثّرت الانتفاضة فيها بشكلٍ أكبر على الرياضة. وأُقيمت بطولات عدّة مُتقطّعة لكرة القدم في القطاع في تلك الفترة.
في سنوات الانتفاضة، وقبل حلول الانقسام الفلسطيني الداخلي في العام 2007، كانت بطولات كرة القدم تتمّ محليّاً في القطاع بين الأندية الثمانية. تارة يتنافسون على كأس العام، وتارة أخرى يتسابقون للحصول على لقب الدوري الممتاز بدرجاته الثلاث. وفي تلك الفترة، كان المنتخب الفلسطيني لكرة القدم مُقيماً في الضفّة الغربية، وقد تعذّر انتقال اللاعبين المنضمّين للمنتخب من القطاع للضفّة بسبب منعهم من السفر من قبل الاحتلال. فقد حاول الاحتلال الإسرائيلي طمس الرياضة الفلسطينية بكل ما أوتي من قوّة.
لا يُنكر هنيّة في حديثه مع "السفير" أن الانقسام الفلسطيني الداخلي عصف بمكوّنات النسيج الاجتماعي الفلسطيني، بيد أنه يؤكد أن تأثيره على الرياضة كان الأقل، عازياً ذلك إلى صدور قرارٍ سياسيّ من القيادتين في غزّة ورام الله حول دعم النشاط الرياضي وتحييده عن الخلافات السياسية بشتّى السبل. وقد تم حينها تشكيل اتحاد، ولجنة أولمبية، ومنتخب موحّد بين شطري الوطن.
في الوقت الحالي، تُقام في غزّة خمس دوريات سنويّة لكرة القدم، تُشارك فيها كافة الأندية الموجودة في القطاع والمُنضمّة للاتحاد العام لكرة القدم، وهذه الدوريات هي: دوري الدرجة الممتازة، دورة الدرجة الأولى، الثانية، الثالثة، وكأس القطاع لكرة القدم. وقد كشف هنيّة لـ "السفير" أنه في شهر أغسطس/آب المقبل سيتم ترتيب لقاء يجمع بين الفائز ببطل كأس غزّة للعام 2015، وبطل كأس الضفّة الغربيّة للعام نفسه، وذك لأوّل مرّة منذ اندلاع الانتفاضة الثانية العام 2000.


كلفة الاحتراف

برغم الدوريات والنشاطات الكرويّة في قطاع غزّة، إلا أن قطاع الرياضة عموماً يُعاني من قلّة الإمكانات والدعم على المستوى الرسمي، رغم تحقيق أندية كرة القدم إنجازات متقدمة في هذا الصدد، بالإضافة إلى تدنّي أجور اللاعبين في الأندية. ففي بعض الأندية، لا يتجاوز أجر اللاعب شهرياً مئتي دولار أميركي.
ويشرح نائب رئيس اتّحاد الكرة الفلسطيني إبراهيم أبو سليم بأنّ القانون المطبّق في قطاع غزّة في ما يتعلّق بكرة القدم هو قانون الهواة الذي لا يُلزم النوادي بدفع مكافآت شهرية مرتفعة، على عكس أندية الضفّة الغربيّة التي تطبّق قانون الاحتراف فيلزمها بدفع رواتب محدّدة.
وقد كرّر في تصريحات صحافيّة أن "قانون الاحتراف يشترط على النادي أن يكون لديه ستّة عشر لاعباً بعقود وبرواتب حدّها الأدنى ألف دولار شهرياً لكل لاعب، بالإضافة إلى الجهاز الفنّي والإداري والمشرفين على الفريق. أما أمر إدخال قانون الاحتراف إلى النوادي من عدمه فتتحكّم به الأندية نفسها، بمعنى أنّنا كاتّحاد نتحدّث مع الأندية، ونعرض عليها إمكان العمل في قانون الاحتراف، مع وجود دعم للنادي بمبلغ محدّد. فأندية الضفّة أبدت رغبتها قبل ثلاث سنوات بتطبيق القانون وسارت عليه، وساندها المجتمع المحلّي من خلال دعم الشركات الاقتصادية لها للتكفّل بالمصاريف الخاصّة بالاحتراف. يوجد اليوم 12 نادياً في الضفّة الغربيّة تطبّق القانون".
ويُتابع: "جلسنا مع أندية قطاع غزّة، وطلبنا منها دراسة إمكان تطبيقه حتّى لو جزئيّاً، مثل توقيع عقود لعشرة لاعبين برواتب شهريّة هي 300 دولار كحدّ أدنى. لكن مع الأسف لم تبد الأندية الموافقة على مجرّد البدء بدراسة هذا القانون، وعمل تجربة، ومعرفة مدى نجاحها أو فشلها. ومن الـ12 نادياً من الدرجة الممتازة في قطاع غزة، لم يتجاوب سوى ناديين، لعدم قدرتها على تطبيق قانون الاحتراف بسبب الإمكانات التي يتوجب توافرها".

تعصّب يذهب بروح الرياضة

يبدو أمراً طبيعيّاً الحضور المُكثّف لعناصر الشرطة وفضّ الشغب في الملاعب الغزيّة، خلال المُباريات المحليّة. ففي غالب الأحيان، تتحوّل الملاعب الرياضية في قطاع غزّة من مساحة للمتعة والحماسة إلى ساحة أخرى من ساحات الحرب، تدور بين مشجعي الأندية، نتيجة تعصّب الجماهير لفرقها. وما يزيد حالة التعصّب هذه أن كلّ نادٍ في غزّة ينتمي إلى مدينة مُعيّنة، فمثلاً: "نادي الشجاعيّة" فريقه من أبناء حيّ الشجاعيّة في غزّة، وجماهيره كذلك. إذا كانت المُباراة على سبيل المثال مع نادي "خدمات خان يونس"، وشابها شغب بين الجمهور، أو اعتراض على هدف أو الحكم، تتحوّل المُباراة إلى حرب شوارع وعصابات بين أبناء حي الشجاعيّة وأبناء مدينة خان يونس.
ويشرح الأخصائي الاجتماعي محمد يوسف في حديث مع "السفير" خصوصية التعصّب الرياضي في غزّة بأن "أسباب التعصب عادةً متعدّدة وكثيرة، لكنها ناجمة عن قلّة الوعي الثقافي والرياضي لدى الجمهور الفلسطيني، خاصة أن بعض الإداريين ومسؤولي الأندية تخرج منهم بعض الكلمات العنصريّة أثناء المباريات من دون قصد، ما تُسبب إثارة الفتنة وإشعال نار الحقد بين المشجعين".
ويوضح يوسف أنّ البيئة الخارجية في قطاع غزّة والحرمان الكبير الذي يعيش فيه الشعب الفلسطيني، يجعلان من التنافس وسيلة سلبية لتفريغ العنف بين الشباب الفلسطيني، مشيراً إلى أن عدم توفر العوامل الأمن والسلامة في الملاعب الغزاوية تساهم في فلتان الأمور وعدم ضبطها بشكل مسؤول.