| 

"كل شيء خارج شاتيلا كان بالنسبة ليّ قمة الفراغ وإمعانًا فيه. لقد عانيت كثيرًا من تبعات الانفصال عن المكان، لأن ما عشته هناك كان قويًّا بكلّ ما للكلمة من معنى، وغادرت بعدما فُكَّ الحصار على المخيم"، يقول كريستوس جيانو، وهو الجرّاح الكندي من أصل يوناني الذي عايش حقبة "حرب المخيمات"، ووضع كتابه "المحاصر: حكاية طبيب من الحياة إلى الموت".

في العام 1985، تولى الجراح "كريستوس جيانو" مهمة تأسيس مستشفى ميداني في مخيم اللاجئين الفلسطينيين بشاتيلا، جنوب بيروت، بعد المحاولة الأولى لتدميره من قبل "حركة أمل" آنذاك، والتي تلاها حصار المخيم.
واستمرّ الطوق المحكم على المخيم في شاتيلا لأكثر من عامين ضمن مساحة 200 متر طولًا و200 متر عرضًا، يعيش فيها 3500 شخص. وترافق ذلك مع القصف الدوريّ بالمدفعيّة الثقيلة والقنص المستمرّ والطوق العسكري المفروض على المخيم. وبالرغم من تفوق قدراتها القتالية، عجزت "أمل" عن اجتياح المخيم. وأخيرًا تمّ فك الحصار مع بدء الانتفاضة في الأراضي المحتلة في العام 1987. وبالتالي، شعر "جيانو" بأن وقت المغادرة قد حان.

تجارب ومشاهدات في الحرب

"في العام 1982، كنت مديرًا لمستشفى الهلال الأحمر في النبطية. بنتيجة الاجتياح، انتقلنا إلى صيدا، حيث تمّ احتجازنا كأسرى حرب من قبل الإسرائيليين. أعني بذلك فريق العمل الذي ضمّ إليّ طبيبين نروجيين وأطباء، ممرضين، وتقنيين لبنانيين، فلسطينيين، سوريين، عراقيين، بنغلادشيين، وهنودا. تمّ الإفراج عني مع الطبيبين النروجيين بفضل جوازات سفرنا، فيما بقي الآخرون في الأسر. سلّمتني السلطات الإسرائيلية إلى السفارة الكندية في تل أبيب. فغادرت.. لم يكن لدي خيار آخر"، يقول جيانو بحسرة واضحة.
بدأت الجولة الأولى مما يسمّى بـ "حرب المخيمات" في صيف 1985. في هذه الأثناء، كان قد تم اجتياح مخيم صبرا، وأسر مئات الرجال، ولم يُعثَر عليهم بعدها. وقد تمّ أيضًا تدمير المخيم، بعد الدخول إليه بالجرافات. خلال هذه الجولة الأولى من القتال، لم تكن هناك أيّة خدمات طبية في المخيم: لم يتواجد فيه سوى طبيبين لا يمتلكان أية خبرات جراحية أو معدات، بينما الأدوية المتوفرة اقتصرت على ما تمّ جمعه من بعض بيوت المخيم. فراح الرعب يسيطر على المكان: غالبية الأشخاص الذين أصيبوا خلال هذه الجولة الأولى من القتال لم يحظوا برعاية طبية، ووسائل الإغاثة الوحيدة التي تم تأمينها للمصابين في الصيف تقتصر على وسائل تبريد بدائية كالمراوح، لتوافيهم المنيّة ببطء واحدًا تلو الآخر.
في ظل هذه الظروف، وصل جيانو إلى شاتيلا. وكان الهدف من زيارته تأسيس مستشفى ميداني هناك، بالتعاون مع عدد من الزملاء في "الهلال الأحمر الفلسطيني". فتمّ استئجار أربعة منازل متجاورة في وسط المخيم، شكّلت مقرًّا لهذا المستشفى الميداني الذي ضمّ فريق عمل يزيد عدده على 90 شخصًا من أطباء وموظفين وعمال تنظيفات.
"استمرّ القتال في المخيم على مدى سنتين ونصف، بما في ذلك الحرب التي استغرقت ستة أشهر ابتداء من نوفمبر / تشرين الثاني 1986 إلى إبريل / نيسان 1987. خلال هذه الحرب، وفي الأسابيع الثلاثة الأولى، استهدفت المخيم أكثر من 250.000 قذيفة، ومدافع الهاون، فضلًا عن نيران الدبابات والمدفعية الثقيلة. وقد نجم عن ذلك تدمير نسبة 95 في المئة من منازل المخيم. لم نترك أيّ شبّاك أو باب خشبيّ أو أثاثٍ منزليّ إلا وأشعلناه إن لغسيل الملابس في المستشفى، أو بغرض الطهو"، يروي جيانو مستحضرًا شريط ذاكرته.
ويضيف: "في أشهر الحصار الستة، أحصينا 110 حالات وفاة و750 جريحًا، فيما بلغ عدد سكان المخيم آنذاك 3500 شخص. لقد أجرينا 200 عملية جراحية كبيرة، وأكثر من 400 عملية جراحية أخرى، مستخدمين البنج الموضعي في غرفة الطوارئ. وخلال السنتين والنصف التي أمضيتها هناك، توفي 500 شخص، وأصيب 2200 شخص. الكثير منهم تعرّضوا لأكثر من إصابة، وقد أجرينا خلال الـ27 شهرًا 450 عملية جراحية خطرة، ما رفع معنويات المقاتلين بشكل كبير".
للدلالة على نوعية العمل والحياة هناك آنذاك، يجزم "جيانو" أنه "كان من الممكن لشخص أن يتواجد على إحدى الجبهات، ويصاب بطلق ناري في جوفه – إلى حدّ أن أمعاءه قد تخرج – فيتم اصطحابه إلى المستشفى، وبعد حوالي الشهر والنصف يعود إلى الجبهة".
بعد زوال الحصار عن المخيم، راح الواقع يفرض نفسه على جيانو. كان قد عالج أصدقاء مقربين له عاش معهم أيامًا بطولها، ولم يعد يجد نفسه قادرًا على أن يؤدي عمله بالكفاءة نفسها. اتّخذ قرارًا بالرحيل، عاش ذاك الصراع الداخلي بين الجرّاح والصديق، ووجد أنه من الضروري أن يتَّخذ مسافته من معاشه هذا. كان من السهل عليه الرحيل كونه يحمل جوازَ سفر كنديا.


السكّة الساحرة إلى قضية فلسطين..

ولد كريستوس جيانو (أو "يانو" حسبما يعرفه الجميع في لبنان، وهو اللفظ اليوناني لاسم عائلته) في كندا، بعدما غادر ولداه اليونانيان وطنهما في العام 1948 خلال حربها الأهلية.
بدأ الشاب اليوناني نشاطه السياسيّ في المدارس الكندية، من خلال هيئة "نموذج الجمعية العامة" التي تنشر الوعي لمهام الأمم المتحدة وتعزّزه، وهي مؤسسة لا تتوخى الربح، وغير مرتبطة مباشرة بمكاتب "الأمم المتحدة" في نيويورك. وفي إطار نشاطات هذه الهيئة، نظمت حوالي 50 إلى 60 مدرسة في تورنتو اجتماعاتها الدورية، كلّ أسبوعين، بحيث تمثّل كلّ مدرسة بلدًا ما، وتتواصل مع مندوبها في الأمم المتحدة ليطلعها على آخر المستجدات، كي تطرحها في الاجتماع. من هنا، بدأت رحلة "جيانو" مع قضايا مثل: حرب فيتنام، إزالة الاستعمار، والقضية الفلسطينية التي مثّلتها مدرسته أكثر من مرة قبل وخلال وبعد الحرب الأهلية اللبنانية. وبالتالي، توسّعت مدارك جيانو حول حالة اللاجئين الفلسطينيين.
جرى ذلك كلّه خلال ستينيات القرن الماضي، لما اشتدت صراعات وخطابات عديدة في عالمنا واستحوذت على اهتمام جيانو. فراح يطرح تساؤلات كبيرة حول الرقابة المفروضة على الإعلام الطلابي، ما حدا به وبزملائه إلى احتلال مكتب المدير، حيث كان حينها طالبًا في جامعة مونريال. وعلى الأثر، طُلبَت منه الإدارة مغادرة الجامعة في العام 1968، وقد كان في التاسعة عشرة من العمر. قرّر جيانو حينها مغادرة كندا متجهاً إلى غرب أفريقيا، حيث عمل موظفًا لدى حكومة مالي.
ولكن جيانو كان قد حسم قراره أيضاً بدراسة الطب الجراحيّ، وممارسته في العالم الثالث. قاده طموحه هذا إلى الجزائر حيث استكمل دراسته، ثم غادرها بسبب ملاحقة أهل زوجته الأولى له، ونجاحهم في طرده من البلد. تابع تحصيله العلمي في فرنسا، حيث وافته حبيبته إلى هناك بعد عامين وتزوجا. ولكي يختبئا من أهلها، قصدا مصر، موهمين الجميع أنهما ما زالا في فرنسا.
أنهى جيانو دراسته في مصر في العام 1980، وراح يبحث عمّا ينسجم مع تطلّعاته الماضية التي حدت به إلى دراسة الطب الجراحي. وكانت الخيارات المتاحة، انسجامًا: نيكاراغوا بعد مرور سنة على الثورة السودانية، زيمبابوي بعد سنة واحدة على الاستقلال، جنوبي أفريقيا مع "حزب المؤتمر الوطني الأفريقي"، أو اللاجئين الفلسطينيين في لبنان. وبما أن لبنان هو الأقرب جغرافيًا، فضلًا عن كون جيانو قد تعلّم اللغة العربية، فقد قرر الذهاب إلى هناك، ليبدأ رحلة نضاله في ما يتعلّق بالقضية الفلسطينية ولاجئيها.
بعد المحرقة النازية التي شهدتها اوروبا خلال حربها الكبرى الثانية، اندرجت نظرة جيانو إلى القضية الفلسطينية في سياق الضحية التي تتحول إلى جلاد، فتنتج ضحية أخرى. ما أسماه: "ضحية الضحية". هنا، كمنت رمزية القضية الفلسطينية بالنسبة إليه، ارتباطًا بقضايا أخرى مماثلة استحوذت على اهتمامه في مرحلة سابقة.
ومع أنه غادر العمل المباشر في سبيل فلسطين، تراه متابعا حريصا على أخبارها، إن على مستوى ممارسات الاحتلال أو على المستوى الفلسطيني الداخلين وهما لا ينفصلان. فيقول جيانو بشيءٍ من الحزن الممزوج بالغضب والاستنكار: "خلال الآونة الأخيرة، عانت السلطة الفلسطينية من فسادٍ كبير، إلى حدّ أنّه إذا حصلت انتفاضة ثالثة فلا بد إنها ستستهدف السلطة والاحتلال على حدّ سواء".