| 

تستحوذ كرة القدم على اهتمام شريحة واسعة من المواطنين في الضفّة الغربية وقطاع غزّة، ولا أدلّ على ذلك ربما من الاستياء الشعبي الذي عبّر عنه كثيرون تجاه سحب رئيس الإتحاد الفلسطيني لكرة القدم جبريل الرجوب للشكوى الفلسطينية ضد إسرائيل، في اجتماع الإتحاد الدولي لكرة القدم المعروف اختصاراً باسم "كونجرس الفيفا".
بيد أن الرجوب، الذي ينحدر من مدينة "دورا" التي تقع في محافظة الخليل جنوب الضفّة، دافع عن الموقف الفلسطيني خلال "الكونجرس"، معتبراً أن انجازاً تحقق عبر إقرار تشكيل لجنة للبحث في الانتهاكات الإسرائيلية بحق الرياضة الفلسطينية.
وبعيداً عن حيثيات موضوع "كونجرس الفيفا"، فإن لفلسطين علاقة وطيدة بكرة القدم، تعود إلى بدايات القرن الماضي، يدلّ عليها تشكيل الفريق الكروي الأول في العام 1908، في مدرسة "الروضة" في القدس.

القصص الأولى
بحسب بيانات "الإتحاد الفلسطيني"، تعود نشأة الاتحاد إلى العام 1928، في المدينة المقدسة. وتنوه تلك البيانات بمشاركة فلسطين في تصفيات بطولة كأس العالم لسنة 1934 التي أقيمت في إيطاليا. حينها، تنافس المنتخب الفلسطيني على بطاقة التأهل مع شقيقه المصري، الذي فاز بحصيلة اللقاءين اللذين أجريا في القدس والقاهرة. يومها، كانت مصر أول بلد عربي يتأهل لهذا المحفل العالمي في دورته الثانية.
وتوضح بيانات الاتحاد أن الكرة الفلسطينية ازدهرت خلال حقبة الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي. فنشأ العديد من الفرق، مثل نوادي "الدجاني"، و "الأرثوذكسي" في القدس، و "إسلامي يافا"، و "إسلامي حيفا"، و "النادي القومي" و "عكا الرياضي" في عكا، و "غزة الرياضي"، و "النادي العربي" و "النادي الأرثوذكسي" في غزة.. ما اقترن بإقامة مباريات رسمية وودية على ملاعب القدس، ويافا، وحيفا، وغزة، وغيرها من المدن الفلسطينية، بالإضافة إلى استضافة الفرق العربية من الدول المجاورة، وتحديداً سوريا، ولبنان، ومصر، والأردن.
على أثر النكبة في العام 1948، وسقوط معظم أرض فلسطين التاريخية بيد الصهاينة، تشتت نجوم الكرة الفلسطينية في مخيمات اللجوء في العديد من الدول العربية المجاورة والشتات. لكن ما لبثت الكرة الفلسطينية أن استعادت عافيتها من جديد، وظهرت فرق جديدة في فلسطين والشتات، أسس لها اللاعبون النازحون من المدن الفلسطينية الرئيسة.
وتبعاً لسجلات الإتحاد، كانت المشاركة الفلسطينية الأولى في اللعب على المستوى العربي في العام 1953، مع المنتخب الفلسطيني الوافد من غزة ولاعبي الشتات في الدورة العربية الأولى في الإسكندرية. ثم تلتها المشاركات في الدورات العربية اللاحقة. وكان الإنجاز الأكبر للكرة الفلسطينية وصولها إلى المربع الذهبي في الدورة العربية الرابعة في القاهرة، في العام 1964.
وقد شهد قطاع غزّة خلال الستينيات تقدّماً كروياً في ظلّ انتظام المسابقات الرسمية للدوريّ والكأس، بينما شاركت الفرق الفلسطينية في الضفة بمسابقات الدوري الأردني.
مع وقوع النكسة في العام 1967، وما رافقها من سقوط كامل أرض فلسطين بيد دولة الاحتلال الإسرائيلي، توقّف النشاط الكروي في الضفّة والقطاع حتى العام 1973. في ذاك العام، بدأت الفرق تعود إلى الملاعب، بينما تكونت خارج فلسطين المنتخبات والفرق التي حافظت على المشاركة في البطولات العربية باسم "فلسطين"، برعاية المجلس الأعلى للشباب والرياضة، وهو إحدى مؤسسات "منظمة التحرير الفلسطينية".

السياق المستمر راهناً
نشأت داخل الأراضي المحتلة "رابطة الأندية الرياضية في الضفة والقطاع"، التي تمكنت من تسيير دفة الحركة الرياضية. وتواصلت هذه الحال حتى نشأة السلطة الوطنية الفلسطينية في العام 1994، فاتحةً عهداً جديداً بدأ بإعادة تشكيل الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم وانتخاب أعضائه، وإعادة عضويته في الاتحادين الآسيوي والدولي (الفيفا).
وقد شهد العام 1998 بداية البطولات الرسمية المحلية بشكل منتظم، التي تصاحبت مع مشاركة فلسطين، وتحديداً المنتخب الأول، في العديد من البطولات، خاصة العربية، حيث حصل على المركز الثالث في الدورة التاسعة من بطولة كأس العرب التي أقيمت في الأردن في العام 1999.
كما نال المنتخب في العام ذاته لقب "أفضل منتخب في القارة الصفراء" من قبل الإتحاد الآسيوي، قبل أن يعود في العام 2001 ليشارك مجددا في تصفيات كأس العالم بعد غياب دام لأكثر من ستة عقود.
وفي العام التالي، أي العام 2002، شارك المنتخب في الدورة الثامنة من كأس العرب، وحصل على المركز الثالث أيضاً.
ورغم الظروف التي رافقت الإنتفاضة الثانية في العام 2000 وأدت إلى توقف الدوري حتى العام 2008، إلا أن العديد من النجوم الفلسطينيين برزوا وتمكنوا من الاحتراف خارج فلسطين، وتحديداً في الأردن، مثل فادي لافي، وفهد العتال، وخلدون فهد، وغيرهم، وصولاً إلى أشرف نعمان، المحترف حاليا مع "الفيصلي" السعودي.
وقد حمل العام 2008 تغييراً في الكرة الفلسطينية تمثّل بإجراء انتخابات اتحاد كرة القدم على مستوى الضفّة والقطاع، وفاز الرجوب برئاسة الاتحاد. ما أتاح انتظاماً في المسابقات والدوريات الرسمية الموسمية في كافة الدرجات والفئات العمرية للجنسين، وتحقيق "الملعب البيتي" لفلسطين للمرة الأولى أسوة بالدول الأخرى، وإطلاق دوري المحترفين بدرجتيه العليا والأولى بواقع 12 فريقاً في كلّ درجة.
كما نال المنتخب أحسن ترتيب له على المستوى الدوليّ بوصوله إلى المركز 85 عالمياً، عدا عن فوزه العام الماضي ببطولة كأس التحدّي، وتأهله تالياً للعب (للمرة الأولى) في نهائيات كأس آسيا، التي استضافتها أستراليا مطلع العام الحاليّ.

واقع الكرة اليوم
يرى العديد من المراقبين أن الكرة الفلسطينية شهدت تقدّماً ملموساً خلال السنوات القليلة الماضية، والدليل على ذلك المشاركة بكأس آسيا، كما النتائج الإيجابية التي حققها المنتخب في التصفيات المشتركة لكأس العالم وكأس آسيا. فقد لعب مباراتين، خسر الأولى بصعوبة أمام مضيفه السعودي بنتيجة 2-3، بينما فاز في الثانية على ماليزيا خارج قواعده 6-0. ويشرح المختص بشؤون الكرة المحلية الفلسطينية محمد العمري أن "وجود منتخبات لمختلف الفئات العمرية، بالاضافة إلى منتخب للشباب، وآخر أولمبي، كلها عوامل إيجابية، وإذا ما أضفنا إلى ذلك استضافة فلسطين للتصفيات الآسيوية لمجموعتي منتخبي الشباب والناشئين، فإنه يحق لنا أن ننظر بتفاؤل للمستقبل".
وقد حصل فريق "شباب الظاهرية" - الذي يعود تاريخ إنشائه إلى العام 1974 ويحمل اسم بلدة "الظاهرية" التي تقع في جنوب الضفة - على لقب آخر نسخة من الدوري، متفوقاَ بذلك على فرق مشهود لها بالعراقة مثل نادي "شباب الخليل" الذي تأسس العام 1943، ونادي "الأمعري" الذي يحمل اسم المخيم الواقع في رام الله وسط الضفة، وكان قد تأسس العام 1953، وغيرهما.
يشكل نواة الفرق في الضفّة لاعبون من الريف والمخيمات. لكن بعض الأندية تستعين بلاعبين موهوبين من محافظات مختلفة، فضلاً عن القطاع والخط الأخضر.
ووفق العمري، فإن دوري المحترفين يختلف عن غيره "كون لاعبيه يحصلون على مقابلٍ ماديّ لا يقلّ عن 1000 دولار شهرياً"، لكنه يؤكد أن الأوضاع المادية لا تتيح لكافة الأندية دفع مثل هكذا مبلغ للاعبيها: "عدم قدرة الأندية على تغطية نفقات لاعبيها يؤدي إلى عدم احتراف بعضهم بشكل كامل، بمعنى أنهم لا يتفرغون بالكامل للكرة، ويزاولون أعمالاً أخرى، ما يؤثر على مستواهم".
ويفنّد العمري الميزانية، شارحاً أن "الاتحاد الفلسطيني يقدم دعماً للأندية يصل مجموعه إلى نحو 100 ألف دولار سنوياً، إلا أن هذا المبلغ لا يعتبر كافياً، خاصة في حال التعاقد مع لاعبين من غزة بعضهم قد يتقاضى راتباً يصل إلى 2500 دولار شهرياً، أو الخط الأخضر حيث يتقاضى البعض مقابلاً مادياً يصل إلى 5000 دولار شهرياً".
ويتفاوت الوضع المادي للأندية التي تعتمد في معظمها على لاعبين صغار السن يتم تأهيلهم من قبل مدربين تابعين لها في ما يشبه مدارس كروية مصغرة. ويتبع التفاوت عدّة عوامل، من ضمنها مدى قدرتها على استقطاب داعمين، وتحديداً من رجال الأعمال.
ويوضّح رئيس القسم الرياضي في صحيفة "الحياة الجديدة" (مقرها البيرة - وسط الضفة) بسام أبو عرّة أن "كلّ نادٍ يحتاج شهرياً إلى ما معدله نحو 22 ألف دولار لتغطية نفقاته من أجور لاعبين ومدربين". ويقول: "كثير من الأندية التي لا تتحصّل على المال، تجد نفسها مع نهاية الدوري قد هبطت إلى القسم الأدنى". يضيف: "الأندية لدينا تعيش أزمة مالية خانقة، رغم أن الاتحاد يقدم لها بعض المال، عبر ما يتحصل عليه من رعاية شركة "جوال" للدوري".
بعد تأكيد التحسّن الذي شهدته بنية الملاعب في فلسطين، يرى مسؤول دائرة الإعلام في الإتحاد غسان جرادات أنه يجب عدم المبالغة في تناوله: "فنحن لسنا بلدا أوروبيا! فلسطين دولة فتية، والرياضة لدينا بدأت بالانتظام منذ نحو سبع سنوات".
يجد في المتابعة الجماهيرية للدوريّ أمراً إيجابياً: "إذ هناك أندية ذات جماهيرية طاغية مثل الظاهرية وشباب الخليل، ومن دواعي سرورنا أنه عندما يجمع "دربي جنوب الضفة" بين الفريقين نجد نحو 20 ألف متفرج على المدرجات".
ويلفت إلى أن أبرز الصعوبات التي تواجه الرياضة الفلسطينية، وتحديداً كرة القدم، تتمثل في اجراءات الاحتلال، مضيفاً: "الاحتلال يعيق حركة اللاعبين والفرق، خاصة بين الضفة والقطاع وبالعكس. كما أنه لا يتيح ادخال كافة المعدات التي تحتاجها الأندية، عدا عن التعقيدات التي يضعها أمام وصول الفرق والمنتخبات إلى فلسطين، وتلك التي يفرضها أمام خروج لاعبينا".