| 

رغم الحصار المفروض عليها منذ أكثر من ثمانية أعوام، تجد غزة سبلاً لتواصل حياتها، حتى باتت توفّر احتياجات شعبها الدوائية بما لديها من إمكانيات. فها هي "الشركة العربية الألمانية لصناعة الأدوية ومستحضرات التجميل" تشق طريقها في عالم الصناعات الدوائية من وسط الحصار، ليصبح لها في غزة مصنعان ينتجان الأدوية، بالإضافة إلى مصنعٍ ثالث يعمل حالياً على استفياء كل الاجراءات اللازمة لإصدار التراخيص والبدء بالإنتاج. كما أن هناك محاولات فردية لإعداد وصفات وخلطات طبية في الصيدليات المنتشرة في القطاع.
تعدّ صناعة الأدوية من الصناعات التحويلية التي تسعى فلسطين من خلالها لمنافسة المنتجات الأجنبية، وخاصة الإسرائيلية، لتحقق أكبر قدرٍ ممكن من الاكتفاء الذاتيّ.

البداية في 1997

الشركة الأولى التي بادرت إلى صناعة الأدوية في غزّة هي "شركة الشرق الاوسط للأدوية ومستحضرات التجميل - ميجافارم"، ويشرح مديرها العام د. مروان الأسطل أن "البداية كانت في العام 1994 مع نخبة من المهندسين المختصين بإنشاء المصانع، فتم بناء المصنع وفق "المواصفات العالمية لممارسة التصنيع الجيد"، (GMP) وهي أول شركة فلسطينية تحصل على هذه الشهادة. وتم البدء في الانتاج عام 1997 وذلك بعد أخذ الموافقة والتراخيص اللازمة واستكمال دخول المعدات والآلات".
وعن الأصناف، يشرح: "انتجنا في البداية ستة أصناف كانت موجهة لشريحة الأطفال تمثلت في أدوية المضادات الحيوية والسعال والحساسية، كون هذه الفئة العمرية تتمتع بمناعة أقل من غيرها".
وتشرح المديرة الفنية للشركة العربية الألمانية د. لينا رضوان أن الشركة حازت على ترخيصها في العام 2013، وبدأت بإنتاج الأدوية في العام 2014. وقد طرحت حتى الآن في السوق سبعة أصناف قابلة للزيادة والتطوير مستقبلاً. وعن فكرة إنشاء الشركة في ظل الظروف التي يعاني منها القطاع، لفتت رضوان "السفير" إلى أن الفكرة جاءت أساساً من نقصٍ في بعض المنتجات الدوائية، وغلاء أسعار بعضها الآخر.
وعن جودة الأدوية، تقول رضوان إن "الأصناف التي تم إنتاجها ذات فاعلية أعلى، وأكثر أمانا، وأقل خطورة على مستوى التأثيرات الجانبية بالمقارنة مع أدوية أخرى تعالج أمراضاً معينة، كالأدوية النفسية القانونية، ومضادات الحساسية التي لا تسبب الفتور والنوم، ومضادات حيوية واسعة الانتشار، ومسكنات لا تؤثر في المعدة، وأدوية آمنة لمرضى القلب تمنحهم قدرة وطاقة أفضل دون ضرر على صحتهم".

إجراءات الوزارة

تتخذ وزارة الصحة إجراءات تسبق البدء باعتماد الدواء في الأسواق. ويشرح الاسطل أنه "بعد تصنيع الدواء وتجريبه، نُرسله إلى وزارة الصحة لتختبر فعاليته في مختبرات محايدة. فإذا توافرت فيه الشروط الملائمة، يتم إرسال شهادة للمصنع بالموافقة على بدء إنتاجه وترويجه في الأسواق بشكل موقت".
ويتابع الاسطل: "بعد ذلك، تقوم الوزارة بمتابعة فعالية الدواء، وأخذ عينات عشوائية من المرضى الذين تلقوه، وفحص التأثيرات الناجمة عنه. وبعد ثلاثة إنتاجيات من الدواء، تعتمده الوزارة، وتمنح الشركة مدة زمنية محددة لإنتاجه تصل إلى خمس سنوات". بعد إنتهاء المدة، يتوجب على الشركة إعادة تسجيل الدواء من جديد، وتقوم الوزارة بإعادة اختباره وفق الآلية السابقة.
فعالية الدواء تقاس مع المرضى لمدة ستة شهور، ويجب ألا تقلّ نسبة الفاعلية عن 50 في المئة ليتم السماح بإنتاج الدواء، بحسب الأسطل. من الجدير ذكره هنا هو أن شركة الشرق الأوسط تنتج راهناً 86 صنفاً من الأدوية تتنوع أهدافها العلاجية بين أمراض الأطفال وكبار السن والأمراض المزمنة كالسكري والضغط، بالإضافة إلى أدوية أمراض العضلات والمفاصل والمعدة والرأس والجلد والحساسية، كما يعمل المصنع حالياً على إنشاء خط للحقن والتحاميل وقطرات العين.

معيقات إسرائيلية

لم تكن الصناعات الدوائية بمنأى عن العراقيل والتشديدات التي فرضها الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزّة في العام 2006، ويؤكد الأسطل أن عمليات تصدير منتجات الشركة لأراضي الضفة والقدس توقفت تماماً بعد عملية اختطاف الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط.
ويشرح الأسطل أن الاحتلال، في الوقت ذاته، منع دخول أصناف من المواد الخام لازمة لإنتاج بعض الأدوية، بحجة إمكانية استخدامها في صناعة الصواريخ والمتفجرات، مثل مادة النترات والجالسرين. كما عمل على عرقلة دخول عدد من الشحنات لدواعي الفحص المختبري، ما أدى إلى توقّف المصنع عن العمل بشكلٍ كامل مدة عامٍ وسبعة شهور.
أدى ذلك إلى عجز في تزويد السوق المحلي باحتياجاتها الدوائية، وتدهور الحالات الصحية للمرضى، إذ تغطي الشركة نسبة 25 في المئة من الأدوية الموزعة في القطاع. ولم يعد المصنع إلى الإنتاج إلا بعدما نفذت "الحملة الوطنية لفك الحصار"، بالتعاون مع وزارة الصحة الفلسطينية، حملة إعلامية ضد الاحتلال الإسرائيلي، تطالبه بإعادة إدخال المواد الخام، وفق ما قال الأسطل.
المصنع يعمل حالياً بربع طاقته فقط، لأن انتاجه لا يصل إلا إلى السوق المحلي، بسبب الحصار ومنع الاحتلال تصدير منتجاته إلى الدول العربية، مع أن الشركة استطاعت أن تسجل نفسها في وزارة الصحة الجزائرية، وتم التوافق معها على استيراد عدد من الأدوية من غزة.
وفي الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة، قصفت الدبابات الإسرائيلية المصنع، ما أحدث أضرارا هائلة في المبنى والآلات ومستلزمات الإنتاج، وقدرت قيمة الخسائر بحوالي 50 ألف دولار. وبطبيعة الحال، توقف المصنع عن العمل لمدة ثلاثة شهور. واستطاعت الشركة، بالتعاون مع "الهلال الأحمر الدولي"، أن ترفع قضية ضد الاحتلال الإسرائيلي في محكمة جنيف الدولية، كون المصنع مُسجلاً على خريطة "غوغل" كمنشأة حيوية.
كما استهدف الاحتلال خلال حربه على غزة مخازن "الشركة العربية الألمانية للأدوية"، وكبدها خسائر تقدر بنحو 45 ألف دولار، وفق ما قالت رضوان.


حصة المنتج المحلي في السوق

يتم ترويج المنتجات الدوائية المحلية في الصيدليات، وهي تفوز باقبال كبير للثقة بجودتها، لكن أيضاً بفضل أسعارها التي تراعي أوضاع الناس الاقتصادية، بالمقارنة مع أسعار الأدوية الأجنبية والإسرائيلية. ويأخذ الصيدلي عبد الماجد الخضري إلى نوع من الأدوية المحلية كمثل: يبلغ سعر النسخة المحلية منه حوالي 11 دولاراً، ينافسها دواء أجبني بسعر 30 دولاراً، مؤكداً أن لهما الفاعلية العلاجية ذاتها.
وعن دعم وزارة الصحة للمنتجات الدوائية المحلية، يشرح مدير عام الصيدلة في الوزارة د. منير البرش أن "سياسة وزارة الصحة تقضي بدعم المنتج الدوائي الوطني المستوفي لكل الإجراءات والتراخيص اللازمة بحسب الشروط المعتمدة، وذلك من خلال المناقصات الحكومية، وتخصيص نسبة تفوق 60 في المئة من أدوية الرعاية الأولية في مستشفيات الوزارة ومراكزها الطبية للمنتجات الدوائية المحلية"، شارحاً أنه "لا يتوفر بديل محلي لبقية الأدوية، ما يضطر الوزارة إلى اللجوء إلى المنتجات الأجنبية".
وأوضح البرش لـ "السفير" أن "هناك خمسة مصانع دوائية في الضفة الفلسطينية وإثنين في قطاع غزة يغطي إنتاجها ما يقارب 60 في المئة من احتياجات السوق الدوائي الغزّي".
وعن عدم السماح للشركات الدوائية الغزية بتصدير منتجاتها إلى الضفة الفلسطينية والسماح لمنتجات الشركات الدوائية "الضفوية" بالدخول إلى غزة، شرح البرش أن "سياسة الاحتلال الإسرائيلي في غزة تقوم على تضييق الخناق وتحويلها إلى سجن كبير يُسمح بدخول بعض المنتجات إليه فقط، ما يؤثر سلباً في ترويج المنتجات الغزية، ويفقدها جزءا من السوق المحلي، كذلك يؤثر في دخول بعض المواد الخام".

صناعات فردية في الصيدلية

يقوم القيمون على بعض الصيدليات بتحضير أدوية أو ما يُعرف بالخلطات الطبية، بشكل فرديّ ووفقاً لحاجة المريض، كما يقول الصيدلي عبد الماجد الخضري.
ويضيف الخضري (مالك "صيدلية الوحدة") أنه لا يعكف على إعداد تلك الخلطات إلا في حالات نادرة تكون فيها فاعلية الخلطة أقوى من فاعلية الدواء المتوفر في الأسواق المحلية. وهو لا يقوم بعرضها في الصيدلية، وإنما يعدّها خصيصاً للمريض/ة المحتاج/ة لها، مبيناً أنها لا تتجاوز 005.% من مبيعاته في الصيدلية.
تشاركه الرأي الصيدلانية عفاف الشرفا، صاحبة "صيدلية ابن سينا"، وتوضح لـ "السفير" أن تلك الخلطات تعدّ في حالة عدم توفّر دواء في مقابل توفّر التراكيب اللازمة للعلاج. ما يستلزم أحياناً خلط بعض الأدوية أو تركيب دواء من مواد كيميائية عدة. وتوضح أنها تقوم بإعداد الخلطة وفق "الروشتة الطبية" حيث يكون الطبيب قد بيّن نسبة كلّ مادة على حدة.
وعن طبيعة الأمراض التي تستلزم خلطات طبية، تحدد الشرفا بعض الأمراض كالسعال والجرب، وبعض حالات الأكزيما وغيرها من الأمراض الجلدية التي لا يوجد منتج دوائي خاص بها، أو لم تؤد الأدوية المتوفرة لها إلى النتيجة المطلوبة. فيقوم الطبيب بكتابة وصفة طبية خاصة يحضّرها الصيدلي بنفسه.
وعن مراقبة الوزارة للخلطات الفردية، أكّد البرش أنها لا تتم إلا في عدد محدود من الصيدليات، وتخضع للمراقبة بشكل دائم ولحملات تفتيش متواصلة. وقال إن "تلك الأدوية تعد بشكل شخصي للمريض ولا يتم عرضها في الصيدليات.. وفي حالة عرضها كمنتج دوائي، يتم سحبها من الصيدلية، وتتم محاسبة الصيدلي وفقاً للقانون".