| 

"نطلب منك الحفاظ التّامّ على جواز سفرك من الضّياع، ونقترح، عند سفرك إلى خارج البلاد، وضعه في جيب ثيابك الداخليّ الآمن، لا في الحقيبة أو السّيّارة. من المحبّذ أيضًا تسجيل رقم الجواز ومكان إصداره في دفتر خاصّ. اتّباع هذه الإرشادات سيجنّبك الإزعاج والمتاعب والمخاطرة بأمن الدّولة".

من الإرشادات المطبوعة على الغلاف الخلفي لجواز السّفر الإسرائيلي

**
حالة الاستثناء: مساحة مبهمة
في الفصل الأوّل من كتابه "حالة الاستثناء" (2002)، يحاول المفكّر الإيطالي جورجيو أغامبن استكشاف حالة أو دولة الاستثناء (وفي ترجمات أخرى، حالة الطّوارئ)، والمساحة المبهمة التي تخلقها. فيتحدّث عن إبهامها الذي يتلخّص في فرضها قانون الطّوارئ، وفي الوقت ذاته، في عدم انتمائها إلى القانون. حالة الاستثناء، بتعريفها، هي خارجة عن القانون، لكنّها في الوقت ذاته تحتاج قانوناً للمصادقة على وجودها. أيّ أنها فوق القانون، لكنّها تحت سيطرته. الإعلان عنها يحتاج إلى القانون، وفضّها كذلك. لكنّها أيضًا، فور إعلانها، تصبح أقوى من القانون وتستطيع تعديله.
في حالة الكنيست، على سبيل المثال، ينصّ أحد بنود قانون الطوارئ على أنّ الإعلان عن حالة الطّوارئ تمكّنه من سنّ بنود وقوانين "لتغيير أيّ قانون أو إلغاء مفعوله مؤقّتًا أو تضمينه شروطًا، فضلًا عن فرض ضرائب جديدة أو زيادة ضرائب قائمة". أيّ، يستطيع الكنيست تجديد قانون الطّوارئ سنويًّا (ولا يتردّد في فعل ذلك)، تكون قوانينه الأخرى كلّها تحت سلطته، مع بعض الاستثناءات المتعلّقة بالحرّيّات الأساسيّة. لكن، حتّى هذه الحرّيّات الأساسيّة، تنوء تحت وطأة استثناءٍ آخر. ما يعيد سيادة الطّوارئ على الحرّيّات في سبيل الحفاظ على كيان الدّولة من خطرٍ ما، يعرّفه هو.
ويكمل أغامبن استكشافه هذه المنطقة فيقول: "ومع العلم بأنّ حالة الاستثناء قد تحوّلت إلى القاعدة/القانون… يصحّ العكس كذلك، أي أنّ الحركة العكسيّة تنجح في حالة الاستثناء، بحيث يتعطّل القانون بل ويمحى فعليًّا [في الاستثناء]. النّقطة الأساسيّة، على أيّ حال، هي في خلقها لعتبة اللّا-يَقين، حيث يمتزج الواقع والقانون أحدهما داخل الآخر". الفجوة في حالة الاستثناء تنبع من الدّائريّة القانونيّة التي تخلقها: "إن كان الإجراء المستخلص من الطّارئ قد سبق له أن أصبح قاعدة قانونيّة وليس مجرّد واقع، لمَ يستلزم المصادقة عليه قانونيًّا؟… إن كان قد سبق وأصبح قانونًا، لمَ لا تصادق عليه السّلطات القانونيّة؟ وإن لم يكن قانونًا، وإنّما واقعًا، لمَ لا تبدأ نتائج المصادقة عليه منذ حصوله بدل لحظة تأويله قانونًا؟". كما أحجية الدّجاجة والبيضة، من الصّعب تفكيك الالتباس الذي يطغى على قانونيّة أو واقعيّة حالة الاستثناء: هل تستمدّ الحالة استثناءها من القانون (قانون الطّوارئ)، أم من الواقع (واقع الطّوارئ)، وأيّ منهما يستبق الآخر؟

"بهذا تُطلَب حماية حامليه"
جواز السّفر المذكور واسمه يجسّدان حالة الاستثاء هذه، بغلافيه الأماميّ والخلفيّ. جواز السّفر هذا واسمه يتبعان لكيانٍ استعماريّ ما زال يمدّد حالة استثنائه، أو طوارئه، والعمل وفق أنظمتها، منذ التّاسع عشر من شهر أيّار عام 1948. هو يعمل على منح حامليه إمكانيّة التّنقّل ضمن حالة استثناءٍ مستمرّة، تتجدَّد سنويًّا، منذ 67 عامًا. لم يرَ يومًا نورَ حالةٍ أخرى، وبالتّالي هو يقيم في المساحة المبهمة الموجودة ما بين القانون والواقع. كلّ رحلة تؤخذ خارج حدود دولته (الحدود المبهمة بدورها)، تبقى في حيّز التّخمين.
وبينما لا حرّيّات مضمونة داخل حدود صلاحيّات الجواز (فكلّها تحت سيطرة أنظمة وقوانين الطّوارئ)، يطلب وزير الدّاخليّة من القارئ/ة، على صفحة الغلاف الأمامي، حماية حامله. بالعبريّة والإنكليزيّة يكتب، أو يكتبون باسمه: "بهذا يطلب وزير داخليّة دولة إسرائيل من المعنيّين أن يسمحوا لحامل هذا الجواز بالعبور بحرّيّة وعدم عرقلته، كما منحه أيّة مساعدة أو حماية قد يحتاجها". يطلب من القارئ/ة حفظ حرّيّات الحامل غير المحفوظة أصلًا في دولة الجواز. فتخلق المفارقة، أو الإبهام. إذ في حالة استثناء، يخلق طلب الدّولة الإسرائيليّة بحفظ حرّيّات مواطنيها من غيرها، كالتّنقّل الحرّ (في الوقت الّذي تحتفظ فيه لنفسها بحرّيّة استثنائه وسلبه)، منطقة مشاع. وهي منطقةٌ تخلق التباسًا، بحسب أغامبن، "ما بين القانون العام والواقع السياسيّ، ما بين النظام الحقوقيّ والحياة". بمنحه حقوق حامله خارج حدود الكيان الذي صرفه، يجمع جواز السفر هذا ما بين القانون العام (بحماية الحرّيّات) ويستثنيها من واقعه السّياسيّ (واقع طوارئه الّتي تعلو فوق الحرّيّات)، ولا يوفّق بينهما. يستند إلى قانونٍ ما (قانون الطّوارئ) استثنته الحياة (حياة الطّوارئ) داخل دولة الاستثناء (الكيان الصّيهوني، في هذه الحالة).

التّخبأة، سيادة لحظيّة
في حمل جواز السّفر، أيّ جواز سفر، لعنةٌ وبركة. فيه الاحتجاز وامتياز التّنقّل. صفحته الأولى تحتجز روح الإنسان في مسمّيات وتواقيع، والبقيّة من صفحاته تختصر تجارب حدوديّة حظيت بها ببضعة أختامٍ ملوّنة. في حمل جواز السفر "الإسرائيلي" بشكلٍ خاصّ، متعة التّعليل والتّبرّؤ. أن تبتكر طرقًا لتخبئة جواز سفرك وشمعدانه، اسم دولته، وأحرفه العبريّة، في كلّ مطار أو معبر حدوديّ، ليس للحفاظ عليه، وإنّما للاختباء منه، أن تختصر تاريخ استعمارِك للموظّف في المطار، لئلّا يعدّك، وسيعدّك على الأغلب، كأحد المستعمرين الإسرائليّين.. في ذلك، متعة الانفصال عن والعودة إلى فلسطين. مفارقة الإعلان (بالإكراه) عن واستثناء سيادة المستعمر.
بطلب الدّولة تخبئة جواز السّفر وتفاصيله عن أعين الغير، مفارقةٌ لحامليه الفلسطينيّين، كبقيّة المفارقات الّتي أنعمت عليهم بها دولة الاستعمار. فعل تخبئة الجواز إبهامٌ للمحفّز وراء الفعل: أتنبع تخبئته من القانون (المكتوب على الغلاف) أم من واقع الاستثناء (كفلسطيني يرفض الانتماء إلى جوازه)؟ في تخبئة الجواز في الثّياب، أو تحت غطاءٍ بلاستيكيّ تقتنيه لتلك الغاية، في توريته في كفّ يدك، أو بتمريرك جملة بالعربيّة لمن يصطفّ بجانبك في المطار.. إطاعةٌ لا إراديّة للقانون المكتوب على صفحته الأخيرة، ولكن أيضًا تثبيتٌ وإثباتٌ طوعيّين لحالة الاستثناء الّتي فرضت عليك. وهنا منطقة المشاع، الالتباس بين القانون والحياة، بين القانونيّ والسّياسيّ. في تورية اسم جواز السّفر وشكله واستخدامه للعودة إلى الأرض، لعنةٌ و"بركة". "امتياز" لك كفلسطينيّ، وشوكة في حلق المستعمِر.. بركة المشي على الأرض، ولعنة الشّوكة الاستثنائيّة في جيب ثوبك الآمن.