| 

مشهدٌ مطبوعٌ في الذاكرة: أطفالٌ يبتسمون للزوار، يحيطونهم بعيونهم الصغيرة، وضحكاتهم البريئة، ومشاعرهم المتدفقة. يلعبون في المكان الواسِع تحت أشعةِ الشمسِ الحارة، يبحثون عن الماء، في عزّ الصيف الحارق. ألعابهم يختارونها من محيطهم، ويكتبون على دفاترهم أنهم من أم الحيران. ينتقلون إلى مدارسهم كلّ صباحٍ، باستثناء يومي الجمعة والسبت. يتنقلون بواسطة باصين، ويعودون في منتصف النهار إلى بيوتهم.
الأطفال في النقب يعرفون القصّة كاملةً. ففي كلّ يومٍ، يشاركون الأهل معاناتهم اليومية مع توقيت الهدم القريب، بكلماتٍ يسمعونها من الأهل عن الإصرار على الصمود. يتحدّث الأطفالُ بلهجةٍ مُشابهة لتلك التي يعتمدها أهاليهم، يحكون رغم صغرهم عن أهمية البقاء والتمسّك بالأرض. وينصتون للكلمات التي تتطرّق إلى قرارات المحكمة. ينتظرون خبر إلغاء أو إبقاء أوامر الهدم. هؤلاء الأطفال سبق لهم أن شاركوا في اعتصامٍ ضد الهدم في عتير - أم الحيران، ورفعوا شعاراتٍ أمام المحكمة رافضين هدم بيوتهم، رافضين اقتلاعهم من أرضهم.

الوضع القانوني لـ "أم الحيران"
تقع قرية عتير - أم الحيران غير المعترف بها في منطقة وادي عتير، شمال شرق بلدة حورة (على شارع 316). ويقطنها قرابة 1000 نسمة، جميعهم من أبناء عشيرة أبو القيعان، وذلك ضمن مجمعين منفصلين – عتير وأم الحيران.
وحكاية عتير - أم الحيران بدأت مع تهجير الفلسطينيين في العام 1948، ولا تختلف الحال بهم اليوم كثيراً عن مجريات النكبة. وقد ذاق أهالي قرية عتّير- أم الحيران مرارة التهجير على أيدي قوّات الجيش الإسرائيلي أكثر من مرة،. في العام 1956، تمت مساومة بين الإسرائيليين وأهالي القرية، حصلوا بموجبها على الأراضي التي يسكنونها اليوم بدلاً من الأراضي التي اقتلعتهم منها سنة 1948.
وفي العام 2001، قدّمت اللجنة المحلية، بمشاركة مؤسسات المجتمع المدني والمجلس الإقليمي للقرى غير المعترف بها، خطّة للاعتراف بقرية عتّير- أم الحيران. وفي أعقابها، أوصت لجنة البناء والتخطيط في بئر السبع المحكمة العليا بالاعتراف بالقرية. وفي العام 2004، صدرت أوامر بهدم القرية، من دون تأمين أيّ بديل للسكان. وفي العام 2006، صدر مخطّط تطوير شمالي النقب، ولم تذكر فيه أم الحيران كقرية عربية، بل وردت في المخطط كمدينة يهوديّة. في العام 2011، استمر نضال أهل القرية سياسياً وقانونياً، ولكن صدر قرارٌ بإلغاء الاعتراف بالمدينة اليهودية، وتهجير أبناء قرية الحيران الفلسطينيين. يُشار أنّ عدد سكان النقب يناهز التسعمئة ألف نسمة.
ومنذ ذلك الحين، استقر أبناء العشيرة في المنطقة، وقاموا بتقسيم الأراضي في ما بينهم، وتأمين أعمال البناء المطلوبة للسكن. لكن، على الرغم من ذلك، لم تقم الدولة بالاعتراف بالقرية وعليه لم يتم وصلها بشبكات الماء، والكهرباء والصرف الصحي أو توفير أي خدمات أساسية أخرى لسكانها.
في 5 ايار 2015، نشرت المحكمة العليا قرارها الصادر بالملف المتداول منذ مدة طويلة بشأن مستقبل القرية العربية غير المعترف بها، أم الحيران. وبحسب قرار المحكمة، ستهدم القرية. وفي مكانها ذاته، ستقام قرية يهودية جديدة تحت اسم "حيران". سكّان القرية، الذين يمثلهم "مركز عدالة"، تقدموا باستئنافٍ للمحكمة العليا في أعقاب قرار المحكمة المركزية في بئر السبع. "المركزية" صادقت على قرار محكمة الصلح، التي تبنّت موقف الدولة الداعي لإخلاء القرية. المحكمة العليا ردّت استئناف السكّان.
في الجلسة الأخيرة التي عقدتها محكمة الصلح في كريات غات (القريبة من بئر السبع – النقب)، بتاريخ 25 أيار 2015، تمّ النظر في طلب مركز "عدالة" تأجيل أوامر الهدم لقرية أم الحيران غير المعترف بها. في قاعة المحكمة، ارتفعت دعوات اللجنة المحليّة للقرية ولجنة التوجيه العليا لعرب النقب بوقف الهدم، بمشاركة حشود من المتضامنين الذين وقفوا أمام المحكمة، بينهم أطفال القرية. طلب القاضي تأجيل أوامر الهدم حتى إنهاء كافّة الإجراءات التي لا تزال عالقة أمام المحكمة العليا، وأمهل الأطراف أسبوعين للردّ على اقتراحه.
يؤكّد "مركز عدالة الحقوقي" أنه "سيقدّم طلبات للمحكمة العليا لإعادة النظر بقرارها الصادر بداية شهر أيّار بتهجير القرية، لذا لا يمكن الشروع بالهدم قبل استنفاذ هذا الاجراء". وشرح العاملون في المركز أنّ "أهالي القرية لا يملكون ولا يقبلون أي بديلٍ للسكن، وهدم القرية يعني أن يبقى أكثر من ألف مواطن من سكّانها من دون مأوى، تحت قبّة السماء".
واعتبرت المحامية سهادة بشارة، باسم "مركز عدالة" أنّ "إدعاءات الحكومة الإسرائيليّة بتوفير بدائل سكنيّة للأهالي في مدينة حورة، كاذبة". وأضافت بشارة: "سنقدّم للمحكمة وثائق من بلديّة حورة ومن خبراء مهنيين في التخطيط تؤكّد أن حورة تعاني من ضائقة سكنيّة خانقة لا تمكّنها من استيعاب مهجّري أم الحيران بعد هدم بيوتهم".
وباسم الأهالي، أكّد مركز "عدالة" أن الناس "متمسّكون بالبقاء في بيوتهم وقريتهم، والبديل الوحيد المقبول بالنسبة إليهم هو إعادتهم إلى أرضهم الأصليّة التي هُجّروا منها في العام 1948".
يذكر أن مركز "عدالة" يترافع بواسطة المحاميّة سهاد بشارة دفاعاً عن أهالي عتير - أم الحيران منذ 13 عاماً ضد أوامر الهدم والإخلاء للقرية التي سيتم تهجيرها من أجل بناء مستوطنة يهوديّة على أنقاضها ومرعى للمواشي.

كيف يبني هؤلاء فوق أنقاض بيوتنا؟
اختصر الناشط وممثل "اللجنة الشعبية" رائد أبو القيعان الحال في النقب لـ "السفير" على النحو التالي: "بلحظاتٍ، يقتلعون الفلسطينيين من أرضهم وبيوتهم ويستبدلونهم بسكانٍ يهود. يجري ذلك في قرية أم الحيران التي لا تزال تقاوم، وستقاوم حتى الرمق الأخير".
يكمل أبو القيعان: "رغم التاريخ الطويل مع دولة إسرائيل، فإنّ أهالي أم الحيران لا يستوعبون ولا يصدقون أنّ تقوم هذه الحكومة بخطوة مداهمة من هذا النوع ضد أهالي القرية. هو نظامٌ أسوأ من الأبرتهايد الذي يحدث في الدول الفقيرة التي تستغل أبناءها. هُنا يعتقدون أننا سعداء في واحة الديموقراطية، كما يصفونها! أنا ابنُ 36 عاماً، ولدتُ حيثُ أسكن اليوم، في أم الحيران. لم نغزُ أرض أحدٍ، وتجمّعنا حيثُ قرّر الجيش في حينه، قبل عشرات السنوات. فكيف يمكن بناء قرية جديدة حديثة على أنقاض قريتنا؟! إنها النيّة المبيتة بطرد البدو من أجل جلب يهود من المتدينين المتزمتين مكانهم، في قرارٍ عنصريّ لا يجب أن يمرّ مرور الكرام. وعلى المجتمع الدولي أن يكون له دور في منع إسرائيل وفضحها إذا ما أصرت على اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم".
أبو القيعان يعتقد بأنّ انتفاضة بدوية ماضية في طريقها إلى النقب. ستكون صعبة على الحكومة، التي تحشر البدو في بقعةٍ ضيّقة وتدّعي أنها اعترفت بهم، لكنّ الحقيقة تقول بوضوح أنّ الوضع سيءٌ جدًا.
ونوّه بأنّ خسارة النضال في أم الحيران يعني خسارة الجميع في الجليل والمثلث والمدن المختلطة، وأنّ النضال اليوم هو "نضال على الهوية العربية، وفي مواجهة الاقتلاع وإلغاء الهوية الفلسطينية". وناشد الجميع مساندتهم في قضيتهم، والوقوف معهم في المسارين القضائي والشعبي، معتبراً أنه يتوجب على المؤسسات الفلسطينية في الداخل أن تؤدي الدور المطلوب منها، وخصّ بالذكر: "القائمة المشتركة ولجنة المتابعة ولجنة التوجيه والمجلس الإقليمي للقرى غير المعترف بها، ومسؤولون ونشطاء من ابناء شعبنا".
وعكست جولة النشطاء والاعلاميين امتداداً لدور أهل القرية في النضال أمام الحكومة الإسرائيليّة، في إشارة لأهميّة تسليط الضوء على القرية في الإعلام الاجتماعي كدعم وتحشيد للحق بالعيش في مسكنٍ آمن، يحمل هوية المكان وارتباط الإنسان به.

لدعم عتير- أم الحيران
في الثالث والعشرين من مايو/أيار الماضي، انتشر الأطفالُ وسط المجموعة الناشطة في مجالي الإعلام والحقوق، والتي نظمتها كلٌ منِ: "حملة" – المركز العربي لتطوير الإعلام الاجتماعي، و "مركز عدالة القانوني لحقوق الأقليّة العربيّة في إسرائيل".
يشرح عضو إدارة "حملة" منعم معروف، أنّ الجولة التي نفذتها الحملة جاءت بهدف تعميق التضامن في قضيّة عتير- أم الحيران، وسائر المناطق المهدّدة بالهدم". وشملت الجولة زيارة إلى عتير استحضرت قصة المنطقة: أهلها الذين نُقلوا من وادي "الزبالة" إلى منطقة "وادي عتير"، ويعيشون فيها منذ أكثر من 60 عامًا حتى اليوم.
يروي معروف لـ "السفير": "على المستوى الشخصيّ والجمعيّ، كانت الفكرة مختلفة تماماً عما لمسناه في عتير - أم الحيران. انكشف أمام الناظرين أصلُ الحكاية، في منطقةٍ مليئة بقصصٍ عن حقوق الإنسان والكرامة وحق العيش الكريم". كفلسطينيين، "لم نعتد على الزيارات المتكررة لهذه المنطقة النائية، في أقصى الجنوب. إذ بالإضافة إلى الحرّ وطبيعة المنطقة الصحراوية الخالية تقريباً مِن الخدمات، كُنّا هناك كناشطين، رغبنا بنقل القصص والتفاصيل الصغيرة وروايات الأطفال، عبر مواقع التواصل الاجتماعي. إلا أن التقنيات الحديثة لم تسعفنا في مكانٍ صحراويٍّ ليس فيه ماء، فكيف يكون فيه خطوطٌ ومواقع لشبكات التواصل الاجتماعي. هذا الواقع المأساوي، لم نعشه عن قرب مِن قبل".
في حديثه، نوه معروف بأنّ الفارق بين الحياة في النقب والحياة في الداخل المحتلّ ملموسة، لكنّ ليس هناك تمييز في التعامل بين المواطنين في النقب والداخل، في ما يتعلّق بملكية الأرض: "فنحنُ مثلاً، حيثُ أسكُن في منطقة الشمال، لنا أرضٌ بملكيتنا، لكنّ استمارة الترخيص لم تصلنا بعد. وبين الفينة والأخرى، تصلنا دفعات بسبب مخالفات على البيت. كلفتنا آلاف الشواكل، ويبدو أنهم لا ينوون إعطائها رخصة. فما الفرق بين ملكية أهلِ النقب وملكيتنا هُنا؟ في كلا الحالتين، نشعرُ بالغبنِ وعدم الأمان".
ووصف معروف مشاعره تجاه الأطفال في عتير - أم الحيران: "لن نستطيع فهم الواقع طالما نحنُ بعيدون عنه، لكننا نستطيع استيعاب مقدار الحُب الكبير لهذا المكان البعيد، الذي يراه أهلُ النقب جنّة، ولا يريدون أن يتزحزحوا منه. يظهر الأطفال بقمة فرحهم، بعفوية مطلقة، لا تهمهم عدم قدرتنا على التقاط الإنترنت في هذا المكان الصحراوي. بالنسبة إليهم، المياه التي تروي عطشهم رغم قلّتها، كما الكهرباء، هما مشروعان يمكن تأجيلهما.. بالنسبة إليهم، اللعِب والبقاء في حضن العائلة في المكان ذاته حيثُ وُلدوا، هو مصدر سعادتهم".
نشر الناشطون المواد التي جمعوها من الجولات المتتالية والأبحاث على شبكات التواصل الاجتماعي، بشكل مكثّف من خلال وسمين موحّدين بعنواني: #لن_تسقط_أم_الحيران، و#save_umalhiran.
وقد سجّل الصحافي مصطفى قبلاوي (الناصرة) مقطع فيديو سأل فيه أطفال أم الحيران عن سبب رفضهم ترك المكان، فرّد عليه محمود (ابنُ العاشرة): "لأنني عشتُ فيها منذ سنواتٍ طويلة، لا أريد أن أرحل من أرضي".
وجاء في التقرير، أسباب البقاء مثلما نقلتها ألسنة الأطفال: هنا ولدنا، لأنها حلوة وجميلة، وإلى أين.. كما سُئل الصحافي: "أنت لما كنت طفلاً، داخل بيتكم، لم تتركه، أليس كذلك؟!".
وسجّل مدونون آخرون حكاية الحاجة أم ابراهيم (77 عاماً، تعيش في أم الحيران منذ 60 عاماً). وهي روتها كالتالي: "كان عمري 17 عاماً عندما أتيت إلى هنا، وسأبقى في البيت حتى لو هُدم وأنا فيه. لن أتركه ولن أتخلى عنه، صارَ جزءاً من حياتي. فرغم صعوبة العيش، والظروف الصعبة والحرمان من الخدمات التي يتمتع بها أيّ مواطن يهوديّ، أنا سأبقى في وطني، مع أهلي وأبنائي وأحفادي".