| 

صحيح أن التأريخ الفلسطينيّ انزاح، في السنوات الأخيرة، عن التجوهر في الرواية السياسية، نحو رواية الإنسان والمجتمع. إلا أن عام البتر، النكبة، ظلّ يلقي بظلاله على مشاريع المؤرخين الفلسطينيين حتى اللحظة، وربما على حساب فترتي الانتداب العثماني والبريطاني. وكأن الفجيعة هي السبب الحقيقي أو الوحيد لكتابة التاريخ.

"التي صارت مدينة"
فقدان الحاضر والخوف من خسارة المستقبل يُلبس الماضي قيمةً أعلى. ولكن، من أين يبدأ هذا الماضي؟ على أيّة نقاطٍ زمنيّة يتكئ؟ اتكأ، في عمل المؤرخ الفلسطيني د. جوني منصور، على أكثر صوره نقاءً، على صورة المدينة الحقيقية التي صنعتها حيوات الناس الطبيعية، ما قبل الـ "تروما".
في 500 صفحة كثيفة الصور والسرد والمعلومات، يقدم المؤرخ مؤلفه الجديد "حيفا - الكلمة التي صارت مدينة". ومهما كانت قدرتنا على تصوّر حياة المدينة المزدهرة التي صنعها الفلسطينيون، يخلق هذا المؤلَّف صدمةً خفيفة أو رعشة، مع كلّ صفحة أو صورة يقع عليها نظرنا. وكأن الحضارة التي ندافع عن وجودها أمام المحتلّ، تُترجم فجأةً إلى تفاصيل صغيرة في أكثر من 1600 صورة جمعها د. منصور من ألبومات العائلات الحيفاوية. صور لأسواق المدينة القديمة التي بناها الظاهر عمر، والتي سوّيت بالأرض ولم يتبق منها حجر واحد، على عكس أسواق المدن الفلسطينية القديمة الباقية. صور الحيفاويين في بيوتهم الأنيقة التي إما هدمت أو ينعم في أمانها الآن آخرون. صور الشوارع التي نمشي فيها يومياً، ولكن قبل أن تتحور معالمها، ويتأسرل عمرانها، ويمشي على جنباتها دخلاء من كلّ بقاع الأرض، إلا أصحاب المكان الأصليين الذين صنعوا حياته الاجتماعية والترفيهية المنفتحة وثقافته الغنية بالفن والصحافة واقتصاده المزدهر.

"من أهم المدن"
إنها قصة المدينة، التي نعترف الآن أمام أنفسنا أن سقوطها هو نواة النكبة. إذ على الرغم من تهجير أكثر من 560 قرية فلسطينية، وهي جميعها تحظى الآن بنصيبٍ جيّد من اهتمام الأفراد والمؤسسات لجهة توثيق تاريخها الشفوي والإنساني، إلا أن المدينة الفلسطينية، كمدينة حيفا، تقدّم نموذجاً بارزاً في مقاومة أشكال الاستعمار بالبناء، بناء المجتمع والثقافة والسياسة والإنسان.
نقرأ في كتاب منصور، الذي لا شك سيشكل مرجعاً ووثيقةً بالغة الأهمية في براهين الوجود وفي مواجهة التلاعب بالمعلومة والصورة وفي أرشفة ولملمة الذاكرة المبعثرة، حياة حيفا التي بدأت كقرية صيّادين صغيرة لا يتجاوز عدد سكانها الخمسمئة نسمة، تعتاش من الزراعة البعلية والقرصنة خلال الفترة العثمانية. فقد بدأ بعض الحكام آنذاك يهتمّون بتوفير الأمن في المنطقة، ثم بادرت الحكومة العثمانية إلى ضمّ حيفا إلى ولاية صيدا، حتى بناها ورفع من مكانتها ظاهر العمر الزيداني بين الأعوام 1758 و1761. هو الذي هدم حيفا العتيقة ونقل المدينة إلى الشرق وأطلق عليها اسم "حيفا الجديدة"؛ بنى لها ميناءً جديداً وسوراً يحميها من الغزاة، ثم شهت حركة عمرانٍ واقتصادٍ نشطة. وهكذا، تحوّلت حيفا إلى واحدة من أهمّ المدن، ليس على مستوى فلسطين فحسب، بل على مستوى الجغرافيا العربية المشرقية. ففيها، تعدّدت الحضارات، وإليها وفد العرب من سوريا والحجاز والعراق والفلسطينيون من الأرياف للعمل والعيش. هناك، تأسّست أجود الصحف الفلسطينية السياسية والأدبية وحتى الهزلية، ودور السينما والمسارح التي استضافت نجوم الغناء العربي، كعبد الوهاب وأم كلثوم، ومراكز المواصلات إلى بيروت والشام، والميناء المفتوح على العالم. المثير في "حيفا - الكلمة التي صارت مدينة" أننا نستطيع رؤية وجوه هؤلاء الصنّاع عن كثب. وربما اختلاس بعض النظرات إلى لحظات من حيواتهم جمدتها عدسات الكاميرات.

الظهر الداعم للمؤرخ
لا يستطيع المؤرخ الفكاك من تزاوج التاريخ والسياسة. فالأخيرة أمّ الأول، وابنته في آن معاً. ولعلّ هذه العلاقة المتلاصقة، تجعل رواية المنتصر سياسياً أكثر هيمنةً على التأريخ الذي يكتبه البشر ويقرأه البشر. قد نظنّ أن هذه المعادلة ناجزة ومتصلبة، أو أنها تبعث القنوط في نفس المؤرخ. إلا أنها عند د. جوني منصور تشكّل تحدٍّ يواجهه بفعل الكتابة والبحث والتنقيب والأرشفة.
"صحيح أننا نستعين بالأرشيف الإسرائيلي، ولكننا لا نخضع له، نحن نؤرخ بموقف"، يقول منصور. فيتبدى حضور الموقف الأخلاقي والوطني كمحفز أساس أمام هيمنة الرواية الصهيونية المسوّقة باحتراف، وربما أمام المؤسسة الفلسطينية الرسمية الجامعة الغائبة عن تحمل مسؤولية التأريخ الفلسطيني الحديث برمته، وعن توفير ظهر داعم لمؤرخينا. فهم يحملون على كاهلهم مسائل الإنتاج والنشر والتوزيع في معظم الأحيان، في الوقت الذي لا يتكلف فيه المؤرخ الإسرائيلي عناء التفكير بشيء سوى الصفحات التي سيكتبها مع أو بعد فنجان قهوته الصباحي.