| 

وحده الله إلى جانب جبريل الرجوب يعلمان حقيقة لِمن ذهب صوت فلسطين في انتخابات الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا). ثمة انقسام حادّ حول الموضوع، بحيث يثق المقرّبون من اللواء الفلسطيني المتقاعد بكلامه عندما يقول إنه صوّت للأمير الأردنيّ علي بن الحسين، بينما يروّج مناوئوه أنه أنزل في الصندوق اسم السويسري جوزف بلاتر.
لكن أحداً لا يفهم سبب تراجع الرئيس السابق للأمن الوقائي عن طلب اتحاد بلاده تعليق عضوية إسرائيل في جمهورية الـ "فيفا"، ولا أحد يقتنع بالحجج التي ساقها، ولا أحد يتقبّل القرار. لقد خيّب آمال عشرات احتشدوا خارج محيط قاعة الـ "كونغرس"، والملايين المرابضين على شاشات التلفزة متحمّسين للقضيتين بوصفهما عربيتين. ويكفي من الخيبة مشهد المصافحة المصحوبة بابتسامة عريضة بينه وبين رئيس الاتحاد الإسرائيلي عوفر عيني، المتجهّم الوجه.. تلك المصافحة التي ركّزت عليها وسائل الإعلام العالمية المناهضة للمقاطعة.

سياق المعركة
تحوّل تصريح الرجوب بسحب الاقتراع إلى مادّة جدالٍ واسع، وفرصة لنزاع جديد بين "حركة فتح" ومعارضيها. والدليل على ذلك أن أول المعلقين على الخطوة كانت "حركة حماس"، واصفةً إياها بأنها "مثال عن طريقة تعاطي السلطة مع القضية الفلسطينية". أما "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" فقد حمّلت السلطة مسؤولية سحب الطلب.
وإلى الفصائل والأحزاب، انضمّت على نحو مفاجئ زوجة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، سهى الطويل. إذ اتهمت الرجوب بأنه باع القضية، وطالبت بمعاقبته. وهنا يقول "أبو رامي"، إنه اتصل بها مستفسراً: "ما دخلك بهذا الموضوع؟ وماذا تعرفين عنه؟ وما هي مآخذك؟". فأجابته بأنها أرادت بذلك امتصاص النقمة الشعبية في الأردن.
لقد بدا الإصرار الفلسطيني عنيداً وصلباً على التمسّك برفع الـ "كارت" الأحمر في وجه إسرائيل. وقد تمّ التحضير باكراً لهذه الخطوة، وسبقتها مؤتمرات وحملة ترويج قوية. وقد بنى الفلسطينيون قضيتهم على "العنصرية التي تمارسها إسرائيل ضد العرب"، وإنشائها "خمسة أندية اسرائيلية في المستوطنات التي بُنيت في الأراضي المحتلّة منذ 1967، لتشارك في البطولات الإسرائيلية المحلية، مخالفةً بذلك القانون الدولي". من جهته، يعترض الطرف الإسرائيلي على ما أسماه تسييس كرة القدم، ويؤكد محاربته العنصرية و "مساعدة الفلسطينيين قدر الإمكان". يُذكر أن الاتحاد الإسرائيلي انضمّ إلى الاتحاد الآسيوي في العام 1954، واستبعد بعد عشرين عاماً بضغطٍ من الدول العربية والإسلامية، ثم تمّ قبوله في الاتحاد الأوروبي في العام 1994.
وكان الاتحاد الفلسطيني (عضو في الـ "فيفا" منذ العام 1998) يخوض هذه المعركة بينما تشنّ السلطة الفلسطينية حملةً هجومية ديبلوماسية وقضائية ضد اسرائيل في هيئات الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية، مع أن الأمم المتحدة منحت فلسطين وضعية "دولة مراقبة" فقط، في العام 2012.
خلال أزمة "الكارت الأحمر"، زار رئيس الـ "فيفا" آنذاك بلاتر الرئيس محمود عباس ورئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، ولم تنتج الزيارة حلّاً لتفادي التصويت، لأن إسرائيل تمارس قمعاً لا يوصف على حركة الرياضيين الفلسطينيين، ولا هي مستعدة للتراجع عنه، ولا الجانب الفلسطيني يقوى على تجاهله أو تخفيف أهمية هذا القمع. كما رفض الطرفان فكرة بلاتر بإقامة مباراة سلامٍ رمزيّة بين فلسطين وإسرائيل في زيوريخ، مع أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو بدا متلهفاً عليها حتى تأكد الرفض الفلسطيني.

بلاتر لا يحتمل التصويت
رفع "الاتحاد الفلسطيني" السقف عالياً في طلبه تعليق عضوية إسرائيل في الـ "فيفا"، مع علم الفلسطينيين المسبق بارتباط الطلب بقضايا سياسية، وبأنه سيلقى رفضاً متوقعاً من الجمعية العمومية. إذ يحتاج في مصلحته إلى تصويت أغلبية ثلثي أعضاء الاتحاد الدولي، البالغ عددهم 209 اتحادات، لتمرير مشروع القرار.
بنى الوفد الفلسطيني مشروعه الذي يتضمّن تعليق عضوية إسرائيل على سبب أساس، هو: إعاقة تحرّك الرياضيين الفلسطينيين والمعدّات. إلا أن الظروف التي رافقت كونغرس الفيفا، وتحديداً محاصرة بلاتر بالقبض على معظم أفراد فريق عمله واتهامهم بالفساد، وضعت العجوز السويسري وسطوته على كفّ عفريت. ولم يكن ليحتمل حصول تصويتٍ من هذا النوع. فإلى جانب الغضب الأميركي منه ("مكتب التحقيق الفيدرالي" كان وراء الاعتقالات)، أراد بلاتر أن يتفادى غضب اللوبي الصهيوني، بأيّ شكلٍ من الأشكال. من هنا، أجريت بعض المشاورات، برعاية رئيس "المجلس الأولمبي الآسيوي" الشيخ الكويتي أحمد الفهد، وتم الاتفاق على المخرج.
وعلى الرغم من إبدائه الحياد في بادئ الأمر، احتاج بلاتر إلغاء الطلب الفلسطيني بأيّ ثمن وتفادي التصويت، في ظل هذه الظروف. فقال إنه لا يمكن تعليق عضوية إسرائيل لأنها لم تخرق قوانين الـ "فيفا"، مبرزاً بوضوح أنه شخصياً يرى أن الـ "فيفا" يجب أن يبقى بعيداً عن السياسة. وأعرب عن قلقه "من سابقةٍ خطيرة"، يمكن أن تمدّ أوكرانيا بأفكارٍ ضد روسيا، مثلاً.

الرجّوب، قبل وبعد!
قبل أسبوعٍ من انعقاد الـ "كونغرس"، كشف الرجّوب عن تعرّضه لضغوط وتهديداتٍ محورها مشروع القرار الذي تقدّم به الاتحاد الفلسطينيّ، وكان قد وعد بالإعلان عنها بعد اجتماع الـ "فيفا". كما أكّد حينها أن لا مجال لأي تسوية، ولا أحد يستطيع أن يمنعه أو يضغط عليه. إذ قال بالحرف الواحد: "لا يمكن أن نتسامح مع الاتحاد الذي يقبل على نفسه أن يكون أداةً وطبيب تجميلٍ لهذا الوجه العنصريّ القبيح للاحتلال. ومن لديه تذمّر منا، عليه أن يتوجّه به إلى الاتحاد الإسرائيلي".
وعلى الرغم من كلّ ما تقدم، أقنع الرجوب نفسه ببديلٍ يحفظ ماء وجهه، وهو تشكيل لجنة لحلّ مشكلة تنقّل اللاعبين. إذ قال بعد سحب مشروع القرار من التصويت: "نحن عدّلنا المشروع فقط، من المطالبة بالتعليق إلى تعليق التعليق إلى حين التحقيق من قبل لجنة الـ "فيفا".
وفي معرض شرحه لحيثيات القضية، خرج الرجوب ليقول إنه يتحمّل المسؤولية، واضعاً نفسه أمام أيّ مسائلة فلسطينية بشرط أن تكون رياضيّة وغير سياسيّة. وذهب إلى أبعد من ذلك بالقول إنه لا دخل للرئيس محمود عباس في قراره هذا، وأنه اتخذه بملء إرادته. وبخلاف الرأي السائد عالمياً في الدوائر الفلسطينية والمؤيدة لحق فلسطين بالحريّة، رأى الرجوب أن ما "حقّقه" في اجتماع الـ "فيفا" هو "إنجاز تاريخيّ للرياضة الفلسطينية"، واعترف في الوقت نفسه بعدم وجود إجماعٍ فلسطينيّ على قراره.
وعلّل قراره بالقول: "غالبية الاتحادات القاريّة قالت لنا قبل التصويت إنها ستصوّت ضدنا إذا قدمنا المشروع كما هو، ومن بينهم رئيس الاتحاد الأوروبي ميشال بلاتيني. إن ما حصل هو إنجاز وأتمنى الحفاظ عليه، والمعركة لم تنته، ما زالت مفتوحة".

بين فكّين: موقفٌ لا يُحسد عليه
كلّ ما تقدّم جعل من اللواء جبريل الرجوب بامتياز أحد نجوم الـ "كونغرس" الخامس والستين للاتحاد الدولي لكرة القدم الـ "فيفا". ذهب الرجل إلى زيوريخ وعارفٌ مسبقاً بما ينتظره من إحراجٍ على أكثر من صعيد. إذ لا يستطيع أن يحجب صوته عن شخصٍ زاره في الضفّة ورام الله أكثر من مرة، ويدعمه مادياً ومعنوياً، ويبني للرياضة الفلسطينية منشآت وملاعب تساعدها على النهوض ولو ببطء، والمقصود هنا هو: بلاتر. فقد تعهّد الـ "فيفا" مؤخراً بإعادة بناء المرافق الرياضية التي دمّرها القصف الإسرائيلي خلال الحرب على غزّة في صيف 2014، ومن بينها مقرّ الاتحاد الفلسطينيّ لكرة القدم الذي تضرّر بالقصف الجويّ.
كما لا يمكن للرجوب أن يصوّت ضد شخصٍ يملك بيده مفتاح تنقلاته، أيّ الأمير الأردنيّ القادر بكلّ سهولة على إقفال المنفذ الوحيد للتحرّكات الرياضة الفلسطينية برمّتها، لا بل السلطة بأكملها (معبر الكرامة، الفاصل ما بين الأردن والضفّة الغربية). هو فعلاً موقفٌ لا يُحسَد عليه، وليس من السهل العبور منه حتى بدهاءٍ وحنكة يشهد الجميع بهما للرجوب.
المعتقَل "العتيق" في سجون الاحتلال، استخدم كلّ ما يملك من مهارات الإقناع للهروب من مجموع الضغوط التي تعرّض لها. فقد وجد نفسه مضطراً لتبرير بيان صدر باسمه يقول إن تصويته لبلاتر لا قيمة له، وهو اعترافٌ بعدم التصويت للأمير علي. وهنا، بلغ الحرج رئيس السلطة محمود عباس، فاتصل مستفسراً ومعاتباً: "لم تكن مضطراً لكشف تصويتك". فهبّ أبو رامي، وأكد لأبي مازن أن القيادي المفصول من "فتح" محمد دحلان زوّر البيان للإساءة إليه مبرراً: "البيان صدر بتاريخ 30-5 ويحمل توقيعي المؤرخ في 3-9-2012، هذا البيان وزّع خصيصاً للنيل من الرياضة الفلسطينية".
ثم وجد نفسه مضطراً للردّ على صورة له ظهرت في الإعلام يحمل سيفاً، وكأنه يحتفل إلى جانب بلاتر. فقال إن الأمير السعودي طلال بن بدر، رئيس المجلس الأولمبي العربي، أهداه هذا السيف، وصودف وجود بلاتر إلى جانبه في لحظة التقاط الصورة هذه.
وانتشرت أنباء على "فايسبوك" ومواقع ألكترونية تفيد بأن الأردن سيمنع مرور الرجوب من أراضيه. لا بل قيل إنه سيتم سحب جواز السفر الأردني منه.
من "أكاديمية جوزف بلاتر" في الضفّة، اضطر الرجوب إلى عقد مؤتمر صحافي في اليوم التالي لعودته إلى الوطن المحتلّ، فيوضح فيه مواقعه من القضيتين. جزم بأن صوته ذهب للأمير علي، وكان مقنعاً إلى حدّ الادعاء بأن الأميرة هيا بنت الحسين، شقيقة الأمير علي ومديرة حملته، رأت بنفسها الورقة التي أسقطها في الصندوق. هذه روايةٌ لا يمكن أن يهضمها المطلعون على خبايا الـ "كونغرس"، لأن الورقة موحّدة ويتسلّمها المصوّتون داخل غرفة التصويت، بعد التوقيع على تسلمها. وهي تتضمن اسمين، فلا يكون عليهم سوى وضع علامة "صح" إلى جانب الاسم المختار. وبالتالي، من المستحيل أن يطلع عليها أحد سوى صاحب/ة الصوت.
السلطة أيضاً تعرّضت لحرج كبير. أبو مازن، ومعه رئيس المخابرات اللواء ماجد فرج، سارعا إلى زيارة الأمير علي في منزله من أجل تطويق الخلاف الذي أثير على خلفية انتخابات الـ "فيفا". وبدا الرئيس حريصاً على تأكيد أن الدولتين ستبقيان شعباً واحداً، ولن ينغّص عليهما أي شيء إطلاقاً مهما كان. وستبقى العلاقة كما كانت، وتستمر إلى الأبد حتى تحرير البلد برعاية صاحب الجلالة والأردن. وهنا، بادله الأمير علي التحية: "خوالي، أنت في بلدك وبين أهلك.. أنتم سند لنا واحنا سند لكم".
إذاً، لا بدّ أن هذه الأحداث قد شوّهت صورة اللواء الرجوب الذي قضى جلّ حياته مسجوناً أو منفياً. وفي المقابل، هناك جدال حول تاريخه الأمني. لكنه سيراهن على الوقت لاستعادة حضوره، وسيبقى حلم الرئاسة يدغدغ مشاعره، فهو شخص تمكّن بمختلف الأساليب من اكتساب رضا أصحاب القرار والمؤثرين.. رياضياً وسياسياً.