| 

أعلم جيداً أن النكبة لا تشملني فأنا لم أعش حرباً ولا انتفاضة، ولم أعانِ من محاكم التفتيش ولا الطرق الالتفافية. لم أضطر أن أواجه عنصرية الاحتلال وتخوين العرب، بل حتى أنني لم أعش ضيق حياة المخيمات. أنا وغيري من ملايين الفلسطينيين في الشتات، نحمل جنسية الدولة التي نعيش فيها. نحن لا نحمل وثيقة لجوء، بل نحمل جواز سفر، ورقماً وطنياً. نحن تعايشنا ضمن الدولة المضيفة، وأصبحنا جزءاً من نسيجها الاجتماعي. نحن نبدو للعالم بأحسن حال، وقد نكون كذلك. ولكن، كما هي الحال دائماً، فإن ما يدور داخل عقولنا يختلف عمّا يراه الجميع.

لمّا لاح السؤال..
"ماما أنا من وين..". هكذا أذكر بدايات صراع الهوية فيّ. في ذاك الوقت، لم أكن قد عرفت الصراع بعد، فقد كانت الأمور بسيطة: كنت فلسطيني، ولم أحتج أن أعرف أكثر من ذلك. الصراع بدأ لمّا سأل شرطي المرور أبي: "من وين الأخ؟"، وكانت إجابة أبي مختلفة عن "فلسطيني". صعب على أبي أن يشرح لي ما جرى، فقد كنت أصغر من أن أعيش ذاك التناقض. يوماً بعد يوم، وحادثة تلو الأخرى، بدأت تتشكّل الأسئلة: كيف أنا فلسطيني، وأنا لا أستطيع أن أذهب إلى هناك؟ كيف أكون فلسطيني، وإذا سألني وكيل المدرسة "ما جنسيتك؟" أقدّم له إجابة أخرى؟ في صغري، لم أحمل وطأة الأسئلة والهويتين، لم أتأثر كثيراً إذ كنتُ حينها في سنّ ألقن فيه بما أحتاج أن أعرفه.
عندما أنهيت عامي الثامن، كنا قد انتقلنا للعيش بالسعودية. فظروف العمل في الأردن لم تكن تؤمن الكافي لأسرتنا. في السعودية، بدأت أنضج، وراحت تساؤلاتي تزداد. فأنا الآن أكبر على مسامع اللهجة السعودية، أراها تصقل على لساني، إن شئت أم أبيت. أمي في المنزل تحرّم علينا استعمال مفرداتٍ غير فلسطينية، ولكني كطفلٍ أكبر بلهجةٍ أخرى أستعملها في المدرسة والشارع. أصبحت الأن أحمل هويةً للبيت وهويةً للمدرسة.
في البيت، كبرت ونحن نقول للقشطة "جيمر"، ولحبيبات الذرة المتنفخة "بفك"، وغيرهما العديد من الأسماء التي لا يستخدمها غيرنا هنا، فهي لم تكن فلسطينية ولا أردنية ولا حتى سعودية. تلك كانت أسماء شركات في الكويت. نعم، الكويت. فأمي وأبي كانا قد ترعرعا في الكويت، وعاشا نصف عمريهما هناك، إلى أن أجبرتهما ظروف ما بعد حرب الخليج على مغادرة الكويت. تكاد لا تخلو جلسة ما بعد الغداء من واحدة من قصص الكويت ومغامراتهما فيه. في كلّ صيف، نقصد الأردن، ونقضي أجمل الأوقات مع أقاربنا وأصدقائنا، لنا ذكريات عديدة بنيت في الأردن، عشرات الرحلات والجولات السياحية، عشرات الأعراس والأعياد.. فقد كانت نهاية الإجازة الصيفية أشبه بحالة عزاء، فهي تعني عودتنا إلى روتين الدراسة المملّ في السعودية. هكذا كانت تصقل هويتنا بين دولٍ عدّة، فلسطين ليست بينها. ولكن أمي ثبّتت فينا أننا فلسطينيون، وإن لم نعش في فلسطين ولم نرها وقد لا نراها أبداً.

لمّا لم أحاول أن أعرف..
حفّظتنا الدرس، أمي. في السعودية، عندما كنت أُسأل من أين أنا، لم أكن أتردد بالإجابة: فلسطين. درسٌ أحفظه منذ الصغر، بل إنني كنت أقول "فلسطين" وأنا أتوتر في داخلي، وفي أحيانٍ كثيرة يقشعر جسمي. شعور غريب أن كلمة "فلسطين" كانت تشعل فيّ "النظام العصبي السمبثاوي" الذي يضع الجسم في حالة التأهب والخوف، ولكنها في الوقت ذاته، كانت كلمةً على اللسان لقنتها ولم أعِها. وكيف لي أن أعيها، بينما هويتي الواقعية قد تكون أيّ شيء إلا فلسطينية. ولم أكن الوحيد كذلك، بل الكثير من أصدقائي وإخوتي وأقاربي مثلي. كنا نتشدق بكلمة فلسطين، ونحن لا نعي ما هي فلسطين. لم أكن عطشاً لأعرف المزيد، فقد كانت فلسطين موضوعاً مغلقاً، موضوعاً أقشعر بالحديث عنه مع أني لا أعرف عنه شيئاً يذكر. تكون فلسطين حديث البيت في كلّ الأحداث المتوالية، من انتفاضة الأقصى بتفاصيلها إلى حرب غزة في نهاية العام 2008 إلى ملف الانقسام وغيرها من الأحداث. أرى أمي متسمّرة أمام قناة "الجزيرة"، تتابع أخبار فلسطين المختلفة، وغالباً ما يكون الجوّ كئيباً، جواً محزناً، ولم يدفعني يوماً لأعرف فلسطين أكثر. تمضي السنون وأنا أتجنب خوض ذاك الصراع، أتجاهله، أنا فلسطيني لا أعرف ما هي فلسطين، ولم أحاول أن أعرفها أكثر. أنا فلسطيني ولا أعرف لماذا أقول إني فلسطيني، كنت أعيش في خانة التجاهل وعدم مواجهة الواقع.

لمّا فرض نفسه..
صراع الهوية سيتفجّر، بعد قليل. إذ بعدما أنهيت صفوف المدرسة، ذهبت إلى أرض الكنانة لأكمل تعليمي الجامعيّ. في مصر، كان الفلسطيني مغضوباً عليه. فهو، بالنسبة إلى إعلامهم، سبب مشاكلهم الأمنية والاقتصادية. رأيت أخي وأصدقائي من حولي يعرّفون أنفسهم من دون ذكر فلسطين تجنباً لأي مشاكل. كنت أرفض ذلك، فهو ينافي ما كبرت عليه. في أحد تلك الأيام، وأنا في سيارة أجرة بيضاء تملأها أصوات ألحانٍ شعبية لا تطرب لها أذني، والشمس حارقة والسيارة بلا تكييف، أخرج السائق الذي يضع على رأسه خميرة قماش مبللة علّها تقيه ضربة شمس، علبة سجائره "كيلوباترا". بضربةٍ سريعة على العلبة، تقفز منها سيجارتان، يقدّم إلي واحدةً فأرفض، يشعل سيجارته ويشهق نفساً عميقاً، فيحبس الدخان داخله. يسألني وهو ينفث الدخان خارجه: "من فين حضرتك؟". تردّدت بالإجابة، ولا أعرف لماذا تردّدت. فأنا لست خائفاً من شيء، ولكني تردّدت. تلك كانت المرة الأولى في حياتي التي أصارع فيها هويتي.
من أين أنا. وصلت إلى المنزل مهموماً. جلست على الشرفة، وأنا غارقٌ في تفكيرٍ عميق. أسأل نفسي: من أين أنا فعلاً، ما مدى انتمائي لفلسطين، هل أستحق أن أعتبر نفسي فلسطينياً.. منذ ذاك اليوم، أصبحت أرفض أن أتشدق بفلسطين ما لم أستحقها. منذ ذاك اليوم، أصبحت أعيش في صراع هوية لا أعرف لماذا لم يستيقظ فيّ من ذي قبل. منذ تلك الحادثة، قررت أن أعرف فلسطين. أجل، يجب أن أعرف أكثر عن كلّ شيء، عن كلّ أحد، يجب أن أعرف قرى فلسطين، من الجليل الأعلى ورأس الناقورة إلى آخر قرى بير السبع وأم الرشراش. يجب أن أعرف شوارع الضفّة وأحياء غزّة، يجب أن أعرف تفاصيل القدس وأعماق الداخل، يجب أن أعرف تفاصيل النكبة والنكسة وبدايات المقاومة وسبعينيات المقاومة واندثار المقاومة، بل يجب أيضاً أن أعرف تاريخ ما قبل النكبة فأعود إلى نابليون وبدايات هجرة اليهود. أصبحت مهووساً بفلسطين، أقضي يومي وشهري وعامي أقرأ هنا وهناك عن أيّ شيء قد يرتبط بفلسطين، أقرأ معلومات وأخباراً قد تكون غير مهمة لا لفلسطين ولا لأحد. ظننت أن هوسي بفلسطين سيعالج الصراع في داخلي، وظننت أنني إذا عرفت فلسطين بتفاصيلها سينتهي الصراع داخلي، ستحسم فلسطين ذاك الصراع. وقد كنت على خطأ. فالصراع داخلي ازداد أكثر من أي وقت مضى. لا أزال أُعرّف نفسي بأني فلسطيني، ولكنني في داخلي أتصارع. عندما أُسأل من أين أنا؟ أنا أعلم في داخلي أنه لا توجد إجابة صحيحة، فأنا لست فلسطينياً ولا أردنياً ولا سعودياً ولا كويتياً ولا مصرياً، وربما أنا القليل من كلّ واحدة من هذه التسميات في شخصيتي، ولكن ليس في هويتي. فهويتي لا تزال تتصارع لتجد نفسها. وقد قالت حكيمةٌ من قبل إن "الوطن هو المكان الذي تتوقف فيه كلّ محاولاتك على التأقلم". أعتقد أن هويتي هي هكذا، تحاول التأقلم، تحاول أن تثبت وتنهي الصراع، ولكن بلا فائدة.

كيف ينتهي؟
"ينتهي الصراع برؤية الأرض". أتجه من وسط يافا شرقاً في شارع "بين زفي"، حتى تقاطع "حولون" المزدحم، ومن ثم أكمل شرقاً في شارع "هاشفعا"، أيّ الشارع السابع بعد تقاطع حولون بكيلومترين. إلى يسارك، ستجد قرية يازور أو ما يعرف اليوم بـ "آزور". هكذا هي الطريق ضمن تخطيط الشوارع الحديث، الطريق إلى القرية التي هجّر منها جدي قبل 67 عاماً، الطريق الذي بت أحفظه وأحلم بأن أسلكه، فهنالك بدأت الحكاية. على أرض تلك القرية، بدأت القصة. بدأت بحربٍ تلتها حروب وظروف تسببت بالهجرة، لا بل بهجرات. هجرة من يازور إلى اللد، ثم إلى قرية بيتين، ومن هنالك إلى نابلس، ومن نابلس إلى الكويت، ثم الأردن، وتلتها السعودية، وأخيراً مصر. لن تنتهي الهجرة إلا بالعودة إلى تلك القرية.
"ينتهي الصراع برؤية الأرض": وضعت هذه الجملة أمام عينيّ، يجب أن أرى تلك الأرض التي تسبّبت في عقلي بحرب هوجاء. يجب أن أرى تلك الأرض التي وضعتني في حالة عدم استقرار. يجب أن أراها، وإن كان آخر يومٍ في عمري. فعلى تلك الأرض، بدأ الصراع. وعلى تلك الأرض، سينتهي.