| 

يجتذب العمل داخل الخطّ الأخضر، وتحديداً ورش البناء الإسرائيلية، أعداداً كبيرة من العمال الفلسطينيين، الذين يجدون فيه فرصة للحصول على عائدٍ ماديّ كبير، بالقياس مع ما يتحصل عليه نظراؤهم ممن يعملون في أسواق الضفّة الغربية وقطاع غزة.
يتراوح متوسط الأجر اليومي للعمال في سوق الضفّة ما بين 12 و25 دولاراً، مقابل أجر يتراوح ما بين 10 و16 دولاراً يتقاضاه نظراؤهم في القطاع. في المقابل، يبلغ متوسط الأجر اليومي للعمال داخل الخط الأخضر والمستوطنات نحو 48 دولاراً، وفق بيانات مؤسسات محلية.

دراسات: هكذا اشتغل الفلسطيني عند الإسرائيلي
على الرغم مما يبرزه العمل داخل الخط الأخضر والمستوطنات من تناقضٍ عام نظراً لكونه يأتي في ظل حالة صراع بين شعبٍ خاضع للاحتلال ودولة محتلة قامت على أنقاض الكثير من مدنه وقراه، فهو تناقضٌ من طبيعة الوقوع تحت احتلال. وهو يعود إلى عقودٍ مضت، وتحديداً عقب سقوط الضفة والقطاع في قبضة دولة الاحتلال في العام 1967.
وتشير معطيات "معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني - ماس" (مقره رام الله)، إلى حرص اسرائيل منذ بداية الاحتلال على ربط الاقتصاد الفلسطيني باقتصادها، ما حدّ من قدرة الاقتصاد الفلسطيني على توفير فرص عمل، ودفع بأعداد كبيرة من العمال إلى التوجه للعمل في مشاريع اسرائيلية.. حتى أن قوة العمل الفلسطينية داخل الخط الأخضر شكلت ثلث القوى العاملة الفلسطينية.
وبحسب دراسة "العمال الفلسطينيون لدى الدولة العبرية" التي أجراها الباحث أمجد رامز السائح، فإن "الحاكم العسكري الإسرائيلي سمح في العام 1968، بتشغيل عمّال الأراضي المحتلّة في اسرائيل. وكانت تلك بداية أحد أكبر التبدّلات الأساسية والخطيرة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي في المناطق المحتلة".
وأوردت الدراسة ما يفيد بأن "سوق العمل الإسرائيلية شرّعت أبوابها بحسب احتياجات اقتصادها للعمال الفلسطينيين، في ظلّ مجموعة من الإجراءات التي أعاقت نمو الاقتصاد الفلسطيني وأضعفته، وأضعفت قدرته على استيعاب القوى العاملة الفلسطينية، التي تعرضت لاضطهاد طبقي وقومي، عبر تشغيلها حسب استعداد السوق الاسرائيلية في البناء والزراعة على وجه الخصوص".
منذ العام 1968 وحتى الآن، تقول الدراسة إن الاقتصاد الفلسطيني لا يزال ملحقاً بالاقتصاد الإسرائيلي، "وأصبح تطوره أسيراً للعلاقة غير المتزنة والقسرية مع هذا الاقتصاد الأكبر حجماً، والأكثر ديناميكية وتعقيداً". وعلى مرّ حكومات الاحتلال، تواصل العمل على تحويل السوق الفلسطينية إلى "سوق استهلاكية للمنتجات والخدمات الإسرائيلية حتى الفاسدة منها". وقد أدى ذلك، بالإضافة إلى عوامل عسكرية وواقعية كثيرة، إلى "إضعاف القدرة الإنتاجية للاقتصاد الفلسطيني، وعرقلة نموه الطبيعي".
وتؤكد هذه المسألة أوساط عبرية، من ضمنها "مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان للأراضي المحتلة - بتسيلم"، الذي تشير معطياته إلى أنه "منذ بداية الاحتلال، وحتى بدء العملية السياسة (اتفاقية أوسلو) سنة 1993، تولت إسرائيل إدارة السياسة الاقتصادية في الأراضي المحتلة بصورة حصرية. ففي تلك السنوات، انتهجت إسرائيل سياسة عدم التطوير الموجهة، فامتنعت عن الاستثمار في تطوير اقتصاد فلسطيني مستقل، وشجعت الفلسطينيين على الانخراط في سوق العمل الإسرائيلية، وبهذا الشكل، تحولت المدخولات من العمل داخل إسرائيل إلى عامل مركزي في الإنتاج القومي الفلسطيني".
وبينت أوراق "بتسليم" أنه "عندما أوشكت هذه الحقبة على الانتهاء، عمل في إسرائيل حوالي 115 ألف عامل فلسطيني، وقد هبطت نسبة البطالة في الأراضي المحتلة إلى ما دون نسبة 5%، وهؤلاء العمال الذين شكلوا آنذاك ثلث الأيدي العاملة في الأراضي المحتلة، أعالوا مئات الآلاف من المتعلقين بهم (ذويهم)".
وأشارت إلى أنه "حتى بعد تأسيس السلطة الفلسطينية، ونقل جزء من الصلاحيات في مجال السياسة الاقتصادية لها، لم يتطور اقتصاد فلسطيني مستقل ومتين". وردّت بعضاً من أسباب ذلك إلى "الأخطاء في الإدارة الداخلية للسلطة، غير أن جزءاً كبيراً من الأسباب الأخرى يقع على عاتق إسرائيل، إذ انها احتفظت لنفسها بصلاحيات مركزية، تمكنها من مواصلة بسط سيطرتها على الاقتصاد الفلسطيني".

إيقاع تدفّق العمّال منذ السبعينيات
تشير إحصاءات "ماس" إلى أن عدد العمال داخل الخط الأخضر قد بلغ في العام 1970 نحو 21 ألف عامل، ليصل مع حلول العام 1975 إلى 66 ألف عامل، ثم 75 ألف عامل العام 1980. ويشرح الباحث عصام بكر أن التزايد المسجّل في أرقام العمالة في حقبة السبعينيات يعود إلى تسلّم حزب "الليكود" مقاليد الحكم في إسرائيل: "إذ ان هذا الحزب يؤمن منذ نشأته بوحدانية سوق الضفة والقطاع مع السوق الإسرائيلية، وعدم وضع حواجز أو قيود، بمعنى أن الجانب الاقتصادي يتحكم تحكماً كبيراً على نظرته لطبيعة العلاقة مع الشعب الفلسطيني".
ويفصّل المراحل الأولى من العمالة في حديثه لـ "السفير" كالتالي: "خلال الفترة الانتقالية بين العام 1948 و1967، كان هناك حكم عسكري. بالتالي، فإن خروج العمال ووصولهم إلى داخل الخط الأخضر كان أمراً في غاية الصعوبة ومتعذراً. لكن، مع احتلال الضفّة والقطاع، وبالتالي سقوط كامل أرض فلسطين التاريخية في يد اسرائيل في العام 1967، برزت حاجة دولة الاحتلال إلى الأيدي العاملة. فوجدتها في قوة العمل الفلسطينية، كما وجدت في تشغيل الفلسطينيين إمكانية لتحقيق أكثر من غاية، كإضعاف ارتباط الفلسطيني بالمقاومة من أجل الأرض، وضرب إمكانية قيام اقتصاد فلسطيني قويّ لاحقاً".
مع حلول حقبة الثمانينيات، تفاوت معدّل النمو في عدد العمال داخل الخط الأخضر، إذ سجّل العدد حوالي 108.8 آلاف عامل في العام 1987، ثم 109.4 آلاف عامل في العام 1988، و104.9 آلاف عامل العام 1989.
أما التسعينيات فقد شهدت دخول العدد الأكبر من العمال، وتحديداً في العام 1992 بواقع 115.4 ألف عامل. إلا أن العام التالي شهد توقيع "اتفاق أوسلو"، فانخفض العدد إلى نحو 82 ألف عامل، ثم 65 ألف عامل في العام 1995، و75 ألف عامل في العام 1996، ونحو 72 ألف عامل في العام 1997.
ويعزو العديد من المراقبين التراجع الملحوظ في عدد الأيدي العاملة الفلسطينية داخل الخط الأخضر بعيد توقيع "أوسلو" وقيام السلطة، إلى تضييق نسبي في الدخول بحيث تلقى المسؤولية الاقتصادية كاملة على عاتق السلطة الناشئة، وفعلياً، كان للسلطة دور في استقطاب أعداد كبيرة من موظفي الضفّة والقطاع. فيقول أمين سر "الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين" حسين فقهاء: "عند قيام السلطة، تحرّك لدى الناس بعدٌ عاطفي، إذ كانت حينها المرة الأولى التي تتشكل فيها سلطة وطنية على أرض فلسطين. من هنا، انخرط آلاف بل عشرات الآلاف من الفلسطينيين، بمن فيهم أناس كثر عملوا داخل الخط الأخضر، في مؤسسات السلطة، وأجهزتها الأمنية تحديداً. فلم يكن غريباً تراجع عدد العمال الفلسطينيين في إسرائيل بدءاً من العام 1993".
ولكن، أتت محدودية الرواتب، خاصة لأفراد الأمن في بدايات السلطة (كانت تصل إلى نحو 250 دولارا أو 300 دولار شهرياً في أحسن الأحوال)، "دفع بالبعض إلى ترك العمل في السلطة، والعودة للعمل داخل الخط الأخضر. ما أدى إلى ارتفاع كبير في عدد العمال مجدداً، يضاف إليه انضمام أعداد كبيرة من الشبان إلى سوق العمل"، بحسب فقهاء.
ووفق بيانات "ماس"، فإن الدخل الناتج من قوة العمل الفلسطينية داخل الخط الأخضر شكّل ربع الناتج القومي الإجمالي. وبالتالي، استطاعت سوق العمل الإسرائيلية استيعاب نسبتي 40 في المئة من عمّال قطاع غزّة، و30 في المئة من عمّال الضفّة خلال الفترة ما بين 1975-1992.

الإيقاع السياسيّ لهذه "العلاقة"
أثّرت الظروف السياسية والأمنية تأثيراً جليّا على معدلات العمالة داخل الخط الأخضر. فمثلاً، في أعقاب حرب العام 1973، وما تبعها من أزمة اقتصادية في اسرائيل، تناقص عدد العمال من نحو 68 ألفاً في العام 1974، إلى 63 ألفاً في العام 1977، قبل أن يعود للارتفاع، ثم التذبذب ما بين 1984-1992.
وذكر مركز "بتسيلم" في تقرير له أنه عشية اندلاع الانتفاضة الثانية العام 2000، كان يعمل في إسرائيل حوالي 110 آلاف فلسطيني من سكان الأراضي المحتلة، أي حوالي ربع القوى العاملة الفلسطينية. وكانت نسبة البطالة في الأراضي المحتلة تقارب الـ10 في المئة: ولكن، "مع اندلاع الانتفاضة، لم يسمح لهؤلاء العمال بالوصول إلى مصادر رزقهم في إسرائيل. وفوراً، ارتفعت نسبة البطالة في الأراضي المحتلّة بعدة أضعاف. ومنذ ذلك الوقت وحتى اليوم، لا تزال نسبة البطالة مرتفعة جداً".
وقد شهدت سنوات ذورة الانتفاضة، وتحديداً ما بين 2000 و2003، تراجعاً حادّاً في عدد العمال الفلسطينيين داخل الخط الأخضر، نظراً للقيود الأمنية التي فرضتها اسرائيل على حرية حركة وتنقل المواطنين الفلسطينيين. وعادت وتيرة العمل داخل الخط الأخضر والمستوطنات إلى الارتفاع بشكل ملحوظ في السنوات اللاحقة، وإن بقيت الصعوبات ماثلة أمام حصول العمال على تصاريح عمل اسرائيلية.
ووفق بيانات "بتسيلم"، "في الربع الأول من سنة 2007، عمل في إسرائيل والمستوطنات اليهودية الموجودة في الضفة حوالي 68 ألف فلسطيني، أي أقل من عشر القوى العاملة الفلسطينية". بينما شهد العام 2011 "عمل قرابة 30 ألف فلسطينيّ من حَمَلة التصاريح. وإضافة إليهم، عمل في إسرائيل في تلك السنة آلاف الفلسطينيين بلا تصاريح. وبحسب التقديرات المختلفة، تراوح عددهم الدقيق بين عدة آلاف وحتى 30 ألف شخص". وتابع تقرير "بتسليم": "تدرك كل الجهات هذا الواقع، لكن بدلاً من إيجاد حلّ بنيويّ لهذه المشكلة، يبدو أنّ السلطات الإسرائيلية تسعى للتعامل مع حالات عشوائية من الدخول غير القانونيّ".
وثقت "بتسيلم"، على مرّ السنوات، خطوات تخويف أو عقاب اُتبّعت ضد عمال دخلوا إسرائيل بلا تصاريح، مع تجاهل تام لحقيقة وجود تيار مستمرّ من العمّال يدخل إلى إسرائيل يوميًا، نتيجة غياب الإمكانيات الأخرى لكسب الرزق. إلى الاعتقالات العشوائية، كانت قوات الأمن الإسرائيلية تبادر أحيانًا إلى حملات منظمة بهدف "القبض على مقيمين غير قانونيين"، فتقرنها بالعنف بحق العامل الذي ألقي القبض عليه، وأحيانًا إطلاق النار عليه. وبحسب معطيات "مصلحة السجون"، فإنّ عدد المعتقلين الفلسطينيين في إسرائيل بتهمة الإقامة غير القانونية فيها، بلغ يوم 31/3/2013، 1420 معتقلاً.

من أين يأتون، وأين يعملون؟
تبعاً لإحصاءات محلية، فإن النسبة الأعلى من العمالة الفلسطينية تأتي من المناطق الريفية، خصوصاً في الضفّة. إذ اضطر الكثير من العمال هناك إلى هجر أراضيهم الزراعية للعمل داخل الخط الأخضر، بسبب الإجراءات الإسرائيلية القاضية بإعاقة العمل في القطاع الزراعي، وتحديد كميات مياه الريّ المستخدمة، ومنع حفر الآبار لريّ الأراضي الزراعية.
وتاريخياً، يأتي العمال الفلسطينيون العاملون في المشاريع الإسرائيلية من قطاعي الزراعة والإنشاءات. إلا أن عدد العاملين في القطاع الزراعي بدأ بالتناقص تدريجياً، ما يُعزى في أحد جوانبه إلى استقدام عمالة أجنبية للعمل في الزراعة. ولكن، في مقابل ذلك، تزايد عدد العمال الفلسطينيين في قطاعي الصناعة والإنشاءات، ثم عاد ليهدأ.
عموما، فإن المؤكد هو استمرار سوق العمل الإسرائيلية بالاستحواذ على نصيب كبير من العمالة الفلسطينية. ولا أدلّ على ذلك أكثر من معطيات مسح القوى العاملة للربع الرابع من العام الماضي، الصادر عن "الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني": إذ تشير أرقامه إلى أن عدد العاملين من الضفّة داخل الخط الأخضر والمستوطنات بلغ 105 آلاف عامل، بينما كان العدد نحو 104 آلاف عامل خلال الربع الثالث من العام ذاته.
وأوضح المسح أن العاملين داخل الخط الأخضر والمستوطنات، توزعوا بحسب حيازتهم لتصاريح (اذن اسرائيلي بالعمل) في الربع الرابع 2014 بواقع 62.800 عامل يحملون تصاريح عمل، مقابل 27.800 عامل بلا تصاريح عمل، عدا 14.600 عامل يحملون وثيقة اسرائيلية أو جواز سفر أجنبي.
وبيّن المسح أن قطاع البناء والتشييد قد سجّل أعلى نسبة تشغيل داخل الخط الأخضر والمستوطنات، بواقع نسبته 63.5 في المئة من إجمالي العاملين الفلسطينيين فيهما.
ولفت المسح إلى أن متوسط الأجر اليومي للعاملين داخل الخط الأخضر والمستوطنات، بلغ نحو 48 دولاراً خلال الربع الرابع من 2014، مقارنة مع نحو 47 دولاراً خلال الربع الثالث من العام نفسه.

مقاطعة؟ كيف؟!
يرى حسين فقهاء أن الإقبال الكبير لعمل الفلسطينيين داخل الخط الأخضر هو نتيجة تبدو طبيعية، في ظل الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة، وارتفاع نسب البطالة، وقيام دولة الاحتلال بربط الاقتصاد الفلسطيني باقتصادها، وعدم السيطرة الفلسطينية على المعابر والموارد الطبيعية. ويتساءل: "ما هو البديل لدينا؟ الناس مضطرون للعمل في المستوطنات. ورغم أن السلطة طرحت قبل عدة سنوات مسألة مقاطعة العمل في المستوطنات، لكن شيئاً لم يتغير في الواقع الاقتصادي. من هنا، فإن الناس تحت ضغط الحاجة مضطرون إلى العمل في المستوطنات لتوفير لقمة العيش".
وكان من اللافت في الآونة الأخيرة، بعد قيام جهات شعبية فلسطينية بالإعلان عن مقاطعة منتجات شركات اسرائيلية ومنع تداول منتجاتها في سوق الضفة، إعلان الحكومة الإسرائيلية عن تسهيلات للعمال. وتأتي التسهيلات على متسوى منح تصاريح عمل: مثلاً، بات من المتاح منح تصريح للأشخاص المتزوجين ممن تزيد أعمارهم عن 22 عاماً، بينما كانت التعليمات السابقة تحدّد ذلك بسنّ 24 عاماً فما فوق في حال أبوة العامل لأطفال.
ومن وجهة نظر فقهاء، فإن فتح السوق الإسرائيلية للعمل أمام المواطنين الفلسطينيين يمثل خطوة مدروسة من قبل دولة الاحتلال، لعدة اعتبارات من ضمنها أن قوة العمل الفلسطينية تمتاز بارتفاع إنتاجيتها، عدا قلة كلفتها: "فالعامل الفلسطيني لا يحمل المشغل نفقات كبيرة، كما كانت ستكون الحال لو تم جلب عمالة من الخارج".
ويشرح فقهاء الدائرة التي أقفلتها إسرائيل على العمال الفلسطينيين الذين تركوا أراضيهم للعمل داخل الخط الأخضر: "الدخل العالي الذي منح ـ ولا يزال - للعمال داخل الخط الأخضر، يفوق بمراحل أي دخل يمكن أن يتأتى مثلاً من الزراعة المحاربة أساساً. دفع ذلك بأعداد كبيرة من الفلسطينيين إلى ترك أراضيهم، وعدم العناية بها. ما سهّل على سلطات الاحتلال مصادرة مساحات واسعة من الأراضي، خاصة أن اسرائيل ليست بحاجة إلى أعذار لتبرير تصرفاتها وممارساتها المختلفة. وضعت يدها على أراضٍ لم ترزع لعشر سنوات، واستغلتها لأغراض عسكرية أو استيطانية".

موتٌ وتمييز في صورةٍ لا تبدو وردية!
يتعرّض العمال لقائمة طويلة من الانتهاكات داخل الخط الأخضر، ما يدلل عليه بالمعابر (الحواجز) المقامة في غير منطقة من الضفة. عند الحواجز، يخضع العمال لإجراءات تفتيش مهينة وغير إنسانية. يشرح فقهاء: "عند الحواجز، توجد عدة مسارات محاطة بأسلاك شائكة، يتم فيها زجّ آلاف العمال. بالتالي، يحصل اكتظاظ شديد. ونظراً لاضطرار العمال، وتحديداً حملة التصاريح إلى الوصول إلى أماكن عملهم مبكراً، فإن كثراً منهم إن لم يكن غالبيتهم لا يجدون مفراً من التوجه إلى هذه المعابر خلال وقت مبكر جداً من الفجر، مثل الساعة الثانية والثالثة فجراً. إنهم يتحمّلون الكثير من المعاناة في سبيل الوصول إلى أماكن عملهم".
ويشرح مسؤول دائرة التشغيل في الخارج في وزارة العمل عبد الكريم مرداوي، أن عمال الضفة يدخلون الخط الأخضر عبر تسعة معابر، يتعرضون فيها إلى انتهاكات عديدة: "العديد من المعابر تتحكم بها وتسيّر أمورها شركات أمنية، من هنا فإن العديد منها تمتنع عن تشغيل كل النوافذ (المسارات) فيها، لأسباب اقتصادية. ما يؤدي إلى اكتظاظ كبير. لكن ذلك لا يذكر بالمقارنة مع الاستغلال الذي يتعرض له الكثير من العمال غير المنظمين، أي الذين يعملون من دون تصريح".
كذلك، لا تتميز شروط العمل في الداخل بالسلامة، إذ توفي نحو 22 عاملاً داخل الخط الأخضر خلال أدائهم لوظائفهم خلال العام الماضي، بينما تعرض 500 آخرون إلى إصابات عمل خطيرة، نتج من بعضها حالات اعاقة: "عند إصابة العامل، فإن رب عمله الإسرائيلي يقوم عادة بنقله إلى أقرب معبر، ورميه في الجانب الفلسطيني كي لا يضطر لتحمل نفقات علاجه وغيرها".
كما يشير فقهاء إلى تمييز آخر يعاني منه العمال الفلسطينيون، ويأتي على صعيد الأجور. بالمقارنة مع العمال الإسرائيليين، يتضح أن نسبة أجورهم تزيد عن نظرائهم الفلسطينيين بنسب تتراوح ما بين 20 و30 في المئة، وأحيانا تصل إلى 50 في المئة، على الرغم من أن العمال الفلسطينيين في الغالب أكثر إنتاجية.
ويرى فقهاء أن السلطة تتحمل جانباً من المسؤولية في استمرار الواقع الحالي، أيّ تنامي عدد العاملين داخل الخط الأخضر ضمن هذه الظروف: "فالسلطة ليست لديها خطة اقتصادية أو اجتماعية أو تنموية مستدامة، رغم جهودها في هذا المجال. هناك 40-50 ألف شخص، معظمهم من متخرّجي الجامعات، يدخلون سوق العمل سنوياً. الصورة لا تبدو وردية". فمؤسسات السلطة والقطاع الخاص بالكاد تستوعب سنوياً 5000 شخص جديد، "بالتالي، يصبح لدينا عشرات الآلاف في كل عام مرشحين للانضمام إلى قائمة البطالة، التي تضم حاليا نحو 300 ألف شخص".

الفرصة الذهبية، في أرضٍ محتلّة
السلطة تنظر إلى العمل داخل الخط الأخضر إيجابيا. هي تجد فيه فرصةً لتخفيض معدلات البطالة التي تصل إلى نحو 26 في المئة، بخلاف العمل في المستوطنات التي أقيمت على الأرض الفلسطينية. ويحرص مسؤول دائرة التشغيل في الخارج في وزارة العمل عبد الكريم مرداوي على تمييز العمل داخل الخط الاخضر عنه في المستوطنات: "السلطة والوزارة لا علاقة لهما بمسألة "الشغل" في المستوطنات".
عن العمل داخل الخط، يحدد أن "هناك نحو 52 ألف عامل داخل الخط الأخضر من الضفة يعملون بتصاريح، وهؤلاء يخضعون لعملية تنظيم، ليصل عددهم مع نظرائهم غير المنظمين إلى نحو 100 ألف عامل". وتقوم وزارة العمل عبر مديرياتها المنتشرة في محافظات الضفة، وفق مرداوي، بتسليم تصاريح العمل الصادرة عن الطرف الإسرائيلي للعمال "المنظمين"، ومتابعة حقوقهم على أكثر من صعيد.
ويشرح مرداوي من موقعه الوظيفي الرسمي: "نحن نتابع الحقوق الاجتماعية للعمال، ومسألة مدخراتهم، اذ يتم اقتطاع مبلغ من رواتب العمال شهرياً كمدخرات، تصل في بعض الأحيان نسبتها إلى 12 في المئة. من هنا، وفي حالة نهاية الخدمة، نقوم مع جمعية "عنوان العامل"، وهي جمعية تعنى بحقوق العمال داخل الخط الأخضر، بمخاطبة الجانب الإسرائيلي لدفع هذه المدخرات للعامل المعني".
ويردف: "كما نتابع مسألة الاجازات المرضية، والإجازات السنوية، ومسائل التأمين، من هنا فإننا نتابع ملفات 378 ألف متقاعد تدفع لهم اسرائيل رواتب شهرياً".
ويشير إلى أن اسرائيل لا تحترم التزاماتها تجاه العمال المنظمين على أكثر من صعيد: "منذ آب الماضي، لم يحول الجانب الإسرائيلي بدل الإجازات المرضية لعمالنا، وتصل إلى نحو نصف مليون دولار. والحجة التي يتذرعون بها تفيد بأن الطبيب المعني بالأمر غير موجود أو استقال.. من هنا، فإننا نفكر برفع قضية في هذا الصدد لدى المحكمة العليا الإسرائيلية".
ويشرح مرداوي أن "مصادرة مساحات واسعة من الأراضي، وإقامة جدار الفصل العنصري الذي منع وصول كثير من المزارعين إلى أراضيهم، شكل مدعاة لالتحاق كثيرين بالعمل داخل الخط الأخضر". يذكر هنا أن إسرائيل بدأت عملية تشييد الجدار في العام 2002، وقد التهم مساحات واسعة من أراضي الضفة تقدر بنحو 58 في المئة من مساحتها. ورغم صدور قرار من محكمة العدل الدولية في العام 2004 يعتبر الجدار غير شرعي، إلا أن اسرائيل واصلت تشييده، ليعزل مساحات كبيرة من الأراضي، خاصة الزراعية عن أصحابها. لم يعد بإمكانهم الوصول إليها إلا بتصريح.
عندما يُسأل العمال عن أسبابهم، تراهم يروون قصصاً لا بديل فيها من العمل. وتأتي قصة المواطن منذر كراجة من قرية "صفا" الواقعة في غرب رام الله نموذجاً عن ذلك. فهذا المواطن البالغ من العمر 42 عاماً، عمل في ورشات بناء داخل الخط الأخضر لعشر سنوات: "مع حلول العام 2007، امتنعت سلطات الاحتلال لأسباب أمنية عن منحي تصريحاً. فاضطررت للعمل في محل لصناعة الحلويات في رام الله. وفي واقع الحال، فإن الأجر الذي كنت أتقاضاه خلال عام واحد من عملي داخل الخط الأخضر، احتاج إلى نحو 10 سنوات من العمل هنا لتحصيله".
كذلك، فإن المواطن نائل دلني (45 عاماً - من قرية "قيرة" في سلفيت وسط الضفة) دخل الخط الأخضر ليعمل في دار للعجزة داخل الخط الأخضر، بعدما "كنت أعمل كبائع متجول في قيرة والقرى المجاورة، حيث كنت أبيع الخضار والفواكه باستخدام سيارة. لكن، مع تراكم الديون علي نتيجة اضطراري للبيع بالدين، لم أجد بدّاً من التوجه إلى الخط الأخضر، والعمل في دار العجزة، لسداد جانب كبير من قيمة ديوني التي وصلت نحو 25 ألف دولار لمصلحة موردي المنتجات الزراعية لي".
وقد نجح هذا المواطن بالفعل في سداد معظم دينه، علماً أنه يدخل من دون تصريح ويقضي أشهراً عديدة هناك قبل أن يزور عائلته في القرية. لكن، مع نجاحه في سد معظم ديونه، وتشديد سلطات الاحتلال إجراءاتها على المعابر، لم يجد بداً من التوقف عن العمل داخل الخط الأخضر.