| 

تتعرض إحدى أقدم وأعرق المجلات الطبية في العالم، "ذا لانسيت"، لهجوم ينفذه نحو أربعمئة طبيب، بسبب نشرها رسالة مرتبطة بالكارثة الإنسانية التي تسببت بها الحرب الإسرائيلية على غزّة في صيف 2014. ويتّهم الموقعون المجلة بأنها تروج للكراهية وللعنف. ويهدّد الأطباء بمقاطعة المجلة إذ لم تعزز دار النشر "Reed Elsevier" المعايير الأخلاقية للتحرير. كذلك، يطالب المعارضون بضرورة سحب رسالة "Open Letter to the People in Gaza" (رسالة مفتوحة إلى الناس في غزّة)، والاعتذار عن نشرها.
في المقابل، بادر خمسة باحثين بقيادة البروفسور غراهام وات (Graham Watt ) من جامعة "غلاسكو" في المملكة المتحدة، يساندهم ثلاثة وخمسون باحثاً من شتّى أنحاء العالم، إلى دعم رئيس تحرير مجلة "ذا لانست" ريتشارد هورتن، والردّ على المعترضين من خلال إنشاء موقع "handsoffthelancet.com" (إرفعوا أيديكم عن "ذا لانسيت"). ويؤكد المدافعون أن هورتن هو رياديٌّ استثنائيّ في مجال الصحّة العالمية، وأن السياسة ترتبط بعمق بالمسائل الصحية. ويجدون أن مقاربة "الرسالة المفتوحة إلى الناس في غزة" كنموذج متطرف هدفه بثّ الكراهية (كما ادعى المعترضون) هي مقاربة غير دقيقة، إذ فتحت المجلة الباب أمام المراسلات التي تؤيد أو تنتقد الرسالة إثر نشرها.
وتشكّل مطالبة المجلة بسحب الرسالة المفتوحة واحدة من المحاولات المتسلسلة لخنق التغطية الإعلامية للمسألة الفلسطينية الإسرائيلية. حتى الأسبوع الماضي، وقّع الردّ على هجوم الأربعمئة طبيب حوالي 1044 شخصاً هم من الباحثين، والعلميين، والأطباء، من مختلف أنحاء العالم، ومن بينهم باحثون عرب لبنانيون، وفلسطينيون.

تفاصيل المواجهة

يتابع منتقدو "الرسالة المفتوحة" اعتراضهم عليها ومطالبتهم مجلة "ذا لانسيت" بسحبها، حتى الساعة. والقصة لها بداية. في الواحد والثلاثين من آذار 2015، وجّه 396 أستاذاً وطبيباً، بقيادة البروفسور سير مارك بيبيس (Sir Mark Pepys)، شكوى إلى دار النشر البريطانية "ريد إلسيفير" (Reed Elsevier) تمسّ ما وصفته الشكوى بتجاوز المجلة الطبية البريطانية الأسبوعية "ذا لانسيت" سياسة التحرير. ضمّت لائحة الموقعين خمسةً من حملة جائزة نوبل. 193 من الموقعين هم من الولايات المتحدة الأميركية، 95 من إسرائيل، 33 من المملكة المتحدة، 26 من فرنسا، 19 من كندا، 12 من استراليا، 3 من بلجيكا، 3 من البرازيل، اثنان من إيطاليا، اثنان من الدانمارك، واحد من مكسيكيو، وواحد من بانما، وواحد من جنوب أفريقيا، واحد من السويد، وواحد من سويسرا. وتناولت الشكوى بشكلٍ خاص شخص رئيس تحرير المجلة ريتشارد هورتن، معتبرةً أنه أساء استخدام المجلة في سياقٍ سياسيّ، خصوصاً في ما يتعلق بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
السبب الرئيسي للشكوى هو نشر المجلة لـ "رسالة مفتوحة إلى الناس في غزة" كتبتها الباحثة باولا ماندوكا من جامعة "جنوى" في إيطاليا مع 23 كاتباً آخر (من إيطاليا، والمملكة المتحدة، والنروج) في الثاني والعشرين من تموز 2014 على الإنترنت، ثم في الثاني من آب ضمن النسخة الورقية. وكانت الرسالة قد شجبت العدوان الإسرائيلي على قطاع غزّة، حيث يعاني السكان من الجوع والعطش وانقطاع الكهرباء والنقص في الأدوية. وجمعت الرسالة، آنذاك، أكثر من عشرين ألف توقيع/مساند على الشبكة العنكبوتية.
فتحت "ذا لانسيت" الباب لردود الفعل على تلك الرسالة. ونشرت بين التاسع والسادس عشر من آب الماضي عشرين رسالة ردّ في النسخة المطبوعة، بشكلٍ متساوٍ بين الردود التي تدعم تلك الرسالة وتلك التي تنتقدها. وقد اعتبر الناقدون أنه لا يجب على الأطباء أن ينحازوا لطرفٍ ما، وأن شجب آثار الحرب على المدنيين يحرّض على الكراهية ويدخل السياسة إلى حيث لا مكان لها. واعتبر البعض أن الرسالة معادية لليهود، بينما عبّر سبعة يهود متخصصين في الصحّة من جنوب أفريقيا عن دعمهم لقرار المجلة بفتح نقاش بشأن الآثار الأخلاقية والحقوقية للصراع في غزّة. وأكدوا على أهمية أن يعبّر المتخصصون في الصحة عن رأيهم بالقضايا التي ترتبط بقيمهم المهنية الأساسية.
في الثلاثين من آب الماضي، نشر كاتبو الرسالة المفتوحة ردّاً على المراسلات الجارية، ونفوا وجود أيّ تضاربٍ في المصالح أو منافع مادية فازوا بها نتيجة دعمهم للمجتمع الفلسطيني.
في المقابل، وفي أيلول 2014، رفع أكاديميان من "كلية لندن الجامعية"، أحدهما البروفسور بيبيس، شكواهما إلى أمينة المظالم في مجلة "ذا لانست"، معتبرين أن رئيس تحرير المجلة ريتشارد هورتن يستخدم المجلة للتعبير عن آرائه السياسية المتطرفة. نشر التقرير الذي أعدته الأمينة في السابع عشر من شهر تشرين الأول الماضي، وتؤكد فيه بالأدلة عدم اقتناعها بضرورة سحب الرسالة المفتوحة، معتبرةً أنه يمكن تفهم مضمون الرسالة ولغتها العاطفية في ظلّ الظروف التي عايشتها غزة تحت العدوان والصور المفجعة التي وردت فيه.
في وقت لاحق، دعم الدكتور ريتشارد سميث، وهو رئيس تحرير سابق لـ "المجلة الطبية البريطانية" (British Medical Journal)، تقرير أمينة المظالم، واعتبر أن وجود بعض الملاحظات على الرسالة لا يقتضي سحبها. ووجد سميث أن هورتن أعاد تأسيس المجلة لتكون رائدة عالمياً على مستوى الصحّة، تظهر الحقيقة في وجه القوة، وتعطي صوتاً للذين لا تسمع أصواتهم (مثل أطفال غزة). والتزمت دار النشر "Reed Elsevier"، وفق سميث، بتفادي المسّ باستقلالية رئيس التحرير التي تشكل إحدى القيم الجوهرية في سياسة نشر المجلة. كما أعربت المحررة في "المجلة الطبية البريطانية" فيونا غودلي عن قناعتها بأن الصحّة هي قضية سياسية عميقة، ورأت أنه لا يجب سحب الرسالة المفتوحة.

السبب الصامت للهجوم

يعتبر أحد الباحثين في لبنان أن الهجوم على هورتن لم يأتِ نتيجة نشر الرسالة فحسب، بل بسبب فسحه المجال لدعم ونشر البحوث العلمية المرتبطة بصحّة الفلسطينيين، وآثار الاحتلال والسياسات العنصرية على الصحّة، من خلال "التحالف الصحي بين ذا لانسيت والفلسطينيين" ("the Lancet Palestinian Health Alliance")، إذ تربط المجلة شراكة مع جامعة "بيرزيت" تحديداً. وتوثق تلك البحوث بطريقة علمية الواقع الفلسطيني، وأثر الاعتداءات على البنى التحتية والنواحي الصحية والاجتماعية. وقد تمت مناقشة تلك البحوث في مؤتمرات عدة عقدت في رام الله (2010 - 2011)، بيروت (2012، 2015)، القاهرة (2013)، وعمان (2014)، وشارك هورتن في عدد منها كتلك التي عقدتها "كلية العلوم الصحية في الجامعة الأميركية في بيروت" في العام 2012. كما دعم صدور كتاب "الصحة العامة في العالم العربي". يذكر أن هورتن زار المجمّع الطبي لصحة الإنسان "رمبام"، وهو حرم طبي إسرائيلي في مدينة حيفا، وكشف عن دعمه للتعاون الأكاديمي والطبي، غير أنه لم يعتذر عن نشر الرسالة المفتوحة إلى الناس في غزّة ولم يسحبها.
ويشير باحثٌ آخر في لبنان إلى أن الهجوم على هورتن، ومن ضمنه تلقي هورتن مئات رسائل الكراهية من خلال آلية مجندة لاستفزازه، يشكّل رسالة تهديدٍ لكل من يجرؤ على فضح ممارسات إسرائيل، كما لحرية التعبير الأكاديمي. واعتبر الباحث أن دور الباحثين العلميين لا يقتصر على انجاز البحوث ونشرها فحسب، بل يشمل واجب النضال لإظهار الحقيقة وملاحقة القضايا. وأدرج الباحث إثارة الضجّة حول "ذا لانسيت" في سياق محاولة إلهاء الأفراد عمّا يدور في غزّة، وآثار العدوان الأخير عليها.