| 

لعلّ سؤالاً شديد الحذر والحساسية يلفُّ مسألة إعادة توزيعنا وغنائنا لإرثنا الموسيقي، ولعلّ الإجابة عليه تبدو جاهزة وغير قابلة للصرف: "نحن نحافظ على النواة والهوية الأصلية للأغنية ولكن نتصرّف بها داخل حدود معينة". ولكن، لا أحد بإمكانه تعريف هذه الحدود. وما دامت عديمة الوضوح، ما المانع في تحديث هذه الأغاني "التراثية" من دون هوس الحفاظ على صيغتها الموسيقية، والأهم النصيّة، ومن دون خوف من خدش أصالتها؟ كأن تجري معاودة غناء النص بقالب موسيقي مختلف تمامًا، أو أن يركّب نص جديد على لحن تراثي، يبقي على القيمة الجمالية في الأغنية ويأخذ بيد عيوبه ونقائصه إلى فضاء آخر. فيكون الامتحان الأهم للأغنية هو وقوفها أمام معايير الجمال، التي ليس بإمكان أحد وضع تعريف دقيق له، أيضًا. ولكنّا، رغم ذلك، نتكئ في تلقيه على مستويات من الذائقة الشخصية والعامة، المختلفة ولكن المرئية بعض الشيء.
في هذا السياق، يأتي مشروع "مينا". هو مشروع موسيقي فلسطيني برتغالي، يعيد إرساء أغانٍ تراثية من بقاع مختلفة من العالم، في ميناء مشهدنا الموسيقي الراهن، ومن دون نية مبيّتة لتمرّد أو انقلاب على الأغنية التراثية. ولكنه يأتي انطلاقًا من تحرّر واضح من أيّ رقابة تمرّر المسموح وتصدّ الممنوع، إلا من رقابة الحرص على أن إنتاج مادة تثير نبض الذهن والنفس، ممتعة، تكفر بالاجترار والنسخ، وتؤمن بالتجديد وتلبية التراث لآداب الشعوب المتبدِّلة، وتليّنه، ونحته، وليس تصلّبه أمامها.
وها هي "مينا" تتعامل مع هذا التراث، مستمدةً منه نواته الأكثر صلابة وصدقًا؛ الفطرة. فمنها، ومن بدائيتها الحسية، كتبت هذه الشعوب وغنّت عن الحب والحرب، الطبيعة الأم، الأمل والألم؛ فيما تتبدّى مشاهد بيئتهم الأولى بكل تفاصيلها، حيث صور البحّارة بانتظار عودتهم إلى زوجاتهم، حيث وعود العشاق للقاء عند عين ماء، وحيث وعود الثوّار بالحرية.
البرتغاليون روي فيريرا، هلدركوستا، ريكاردو كويل، والمغنية صوفيا برتغال، والفلسطينية تريز سليمان، هم موسيقيون يطمعون في السفر بهذه الأغاني إلى مساحات تجريبية مغايرة تقودهم إليها تجاربهم المتفرّدة في الموسيقى، وتُعينها التركيبة الموسيقية المستخدمة في "مينا". وتجيء عدم أُلفة الأغنية العربية، مثل "بتّي سهرانة" أو "بيبه"، بالنسبة إلى الأذن البرتغالية ومنطقها الموروث المسموع، لتشكّل قيمةً مضافة لعملية إنتاج عمل فني مختلف المحتوى والأدوات.
تطمع "مينا" في أن يمتدّ مشروعها البحثي، طارقًا أماكن في العالم ربما لم يصل إرثها الموسيقي إلينا. وكبداية الطريق، قدّمت مينا جولة عروضها الأولى في صيف 2014 في البرتغال، معلنة عن انطلاق رحلتها إلى بحثٍ عميقٍ في ذاكرة المكان والإنسان. وكما التقى أفرادها بحميمية تجاوزت المسافات، هكذا تلتقي المدن والأماكن في مشروعهم. ففي محطتهم الأولى، التقت فلسطين بالبرتغال وتونس وسوريا وإسبانيا ومصر والعراق والمغرب. ومن بقاع أخرى على هذه البسيطة، تنتظر "مينا" أغنية بعيدة ترسو في مينائها، لتعيد إبحارها..