| 

جاءت نتائج انتخابات مجلس الطلبة في جامعة بيرزيت لهذا العام الدراسي (2015/2016) مثيرةً ومفاجئة بكل المقاييس. إذ لم تستطع كل القوى السياسية المنضوية تحت لواء "منظمة التحرير الفلسطينية"، سواء متفرقةً كانت أو مجتمعة، التفوقَ على "كتلة الوفاء الإسلامية" التابعة لـ"حركة حماس". ولا تقتصر المفاجأة على ذلك فحسب، وإنما تشمل عجز قوى "المنظمة" عن تقليص الفجوة حتى، وكان ذلك أضعف الإيمان. فنتائج الانتخابات تتيح لـ"الكتلة الإسلامية" تشكيل المجلس الطالبي، من دون الحاجة إلى أيّ من الكتل الأُخرى التي كان يمكن لها أن تؤدي دور بيضة القبّان. في المقابل، فإن كتلة "تحالُف بيرزيت الطلابي"، التي ضمّت "الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين" و "الاتحاد الديموقراطي الفلسطيني" و "حزب الشعب"، حصلت على مقعد واحد. إذا أضيفت إليها الكتل الطلابية التابعة لكل من "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" و "حركة فتح"، فإن جميعها لا تستطيع تشكيل المجلس، لا متفرقة ولا مجتمعة.

تاريخياً: على إيقاع البلد السياسي

لقد شكّلت انتخابات مجلس الطلبة في "جامعة بيرزيت" على مدار عشرات الأعوام، وتحديدًا قبل توقيع اتفاق أوسلو وتأسيس السلطة الفلسطينية، مؤشرًا حيويًا يدلّ على الاتجاهات السياسية والفكرية للشعب الفلسطيني، وخصوصًا في الداخل الفلسطيني. كان ذلك في الوقت الذي مارست فيه دولة الاحتلال مختلف الإجراءات لتحول دون إجراء هذه الانتخابات، سواء عبر اعتقال ممثلي الكتل الطلابية والمرشحين للانتخابات، أو عبر وضع الحواجز على الطرق المؤدية إلى الجامعة، أو حتى بإغلاق الجامعة قبيل الانتخابات. بالفعل، لقد كانت هذه الجامعة الفلسطينية العريقة تعبّر عن نبض الشارع الفلسطيني ومزاجه السياسي، وكانت قيادة القوى السياسية الفلسطينية تراقب باهتمامٍ بالغ العملية الانتخابية في الجامعة، وتأخذ نتائجها دائمًا بعين الاعتبار. ثم إنها كانت تخصّص ميزانيات كبيرة للدعاية الانتخابية للكتل الطالبية التابعة لها، عدا عن الدعم السياسي الكبير لهذه الكتل لما لهذه الجامعة من أهمية وثقل.
كانت المنافسة تحتدّ على إيقاع الوضع السياسيّ الذي يسود البلاد. فعلى سبيل المثال، خاض كلّ من "حركة فتح" و"حزب الشعب" انتخابات مجلس الطلبة في العام 1993 بكتلةٍ واحدة حملت اسم "القدس والدولة"، في دعمٍ واضح للاتفاقية الانتقالية أوسلو. في المقابل، فإن "حركة حماس" والجبهتين "الشعبية" و "الديمقراطية" خاضتا تلك الانتخابات ضمن كتلةٍ حملت اسم "القدس أولاً"، في إشارة إلى تفريط القيادة الفلسطينية بالقدس كعاصمةٍ للدولة الفلسطينية. وفازت آنذاك كتلة "القدس أولاً" بفوارق بسيطة جدًا عن كتلة "القدس والدولة"، فكتب المحللون والمراقبون أن هذه الانتخابات بمثابة استفتاء فلسطينيّ عام على اتفاقية أوسلو، وأن النتائج أظهرت "رفض الشعب الفلسطيني لهذا الاتفاق"، وتمسّكه بخيار المقاومة كخيار بديل عن المفاوضات والاتفاقيات التي لا تنصف الفلسطينيين. ومن أبرز ما أوضحته الانتخابات حينها كانت سعة صدر الكتل الطلابية المتنافسة، بالإضافة إلى الغطاء والدعم اللذين وفّرتهما الجامعة لحماية العملية الديموقراطية. لا ينفي ذلك أن المزايدات السياسية بلغت حدّ التجريح والإساءة، ولكن، مع ذلك، مرّت التجربة على نحو مثير.
مع تأسيس السلطة الفلسطينية وإجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية الأولى في سنة 1996، تراجعت إلى حدّ كبير الأهمية الممنوحة لانتخابات مجالس الطلبة في الجامعات الفلسطينية، وباتت تعتبر مسألة محلية حدودها الجامعات. وبعد العام 2007، أيّ بعد الانقسام الفلسطيني ـ الفلسطيني، عاد الاهتمام بانتخابات الجامعات الفلسطينية إلى الصدارة، خاصة أن المؤسسة الرسمية قد تعطّلت وانكفأت الى برلمانين وحكومتين والخ.

أسئلةٌ للشعب.. وأسئلةٌ لأحزابه

تثير نتائج الانتخابات الأخيرة في "جامعة بيرزيت" الكثير من التساؤلات السياسية والاجتماعية والثقافية الفلسطينية. وليس من النباهة حصْر هذه التساؤلات داخل حرم "بيرزيت" فقط، بل من الملائم طرحها كأسئلةٍ تنتظر إجابات من القوى السياسية الفلسطينية وقوى المجتمع المدني، بمختلف هيئاته ومؤسساته، داخل الوطن وخارجه. لا يُقارَب هذا الحدث كمرور الكرام، ولا تبعاته ستنتهي بمجرد أن يندب الخاسرون حظهم أو يحتفل المنتصرون بنصرهم.
السؤال الأبرز الذي علّقته، وهو موجّه إلى الكلّ الفلسطينيّ: أيّ مجتمعٍ نريد؟ وأيّ نظامٍ سياسيّ نريد؟ وما هي أدواتنا للخلاص من الاحتلال؟ (وهنا لا بد من التذكير بأن مختلف القوى التي تنافست في "انتخابات بيرزيت" أجمعت على المقاومة كوسيلة فضلى للخلاص من الاحتلال، حتى ولو كان ذلك لأغراض الدعاية الانتخابية)، وأيّ نظامٍ ثقافي نتمنى، آخذين بعين الاعتبار التحولات والتغيرات التي تدور حولنا؟ هذه أسئلة عامة إلى الكلّ الفلسطينيّ. أمّا الأسئلة الأكثر تحديدًا التي يجب أن تتوفّر لها إجابات فهي برسم "فتح"، و "حماس"، والتيار الإسلامي بشكل عام، واليسار الفلسطيني.
السؤال الأول موجه إلى "حركة فتح"، ويتناول مشروعها التحرّري الوطنيّ والديموقراطيّ. هل ما زالت تشكّل العمود الفقري للحركة الوطنية الفلسطينية برمّتها؟ وإذا كانت الإجابة أنها بعُدت عن كونها كذلك، فما هو السبيل إلى إعادتها إلى هذا الموقع، مع إدراكها وإدراك قادتها أن مسار التسوية كما خُطّط له قد فشل. ومن الواجب إعادة النظر في هذا المسار، خصوصًا بعد تصريحات قادة إسرائيل، وتحديدًا اليمين الإسرائيلي، قبيل الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة في 17 آذار/مارس 2015. فقد أعادت إنتاج الخريطة السياسية الإسرائيلية التي تستند بمختلف برامجها إلى تأبيد الاحتلال وتشريعه، ليس ذلك فحسب، بل يمكن القول إن الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة شرّعت بصورةٍ قانونية وأشد وضوحاً تمثيل المستوطنين، ليس في البرلمان فحسب وإنما في الحكومة أيضاً عن طريق وزارات سيادية، وكذلك في الجيش من خلال المناصب القيادية الرفيعة. تأتي أسئلة "حركة فتح" هذه في خضمّ التحضير لمؤتمرها العام.
السؤال الثاني موجهة إلى "حركة حماس" والتيارات الإسلامية المستفيدة من هامش الحرية في الضفة الغربية. هل أنتم على استعداد للالتزام المبدئي بحماية المشروع الديموقراطي والوطني الفلسطيني، وعدم استخدام الأدوات الديموقراطية كوسيلة وليست كغاية بحدّ ذاتها؟ وإذا كان الجواب نعم، فكيف يتفق ذلك مع إعاقة انتخابات الجامعات والمؤسسات والنقابات في قطاع غزة ومنعها وتقييدها؟ وكيف يتفق ذلك مع حالة حقوق الإنسان والحريات في القطاع؟ بطبيعة الحال، فإن إدارة القطاع تمت ضمن حالة الأمر الواقع الذي فرضه الانقسام. وهي حال لا بد أن تنتهي، ويُصار إلى توجيه الأسئلة إلى الكلّ الفلسطيني كجزءٍ من نظامٍ سياسيّ واحد.
السؤال الثالث موجّه إلى اليسار الفلسطينيّ: ألم يئن الأوان بعد للتوحّد تحت عنوان الشراكة والمصلحة الواحدة؟ ألم تستفيدوا من تجربة وحدة "القائمة المشتركة" في الداخل الفلسطيني، التي هندستها الأحزاب اليسارية، "الجبهة" و "التجمّع"؟ ربما من المفيد أن تتذكروا أن الهدف الأكبر الذي وضعه الراحل أبو علي مصطفى نُصب عينيه عندما عاد إلى البلاد سنة 1999، كان وحدة اليسار الفلسطيني. وبالوحدة هنا، يُعنى اليسار تحديداً، لبناء خريطة سياسية أكثر تفاعلاً في الداخل الفلسطيني، وعدم اقتصارها على القطبين "الحمساوي" و "الفتحاوي". ثم إن الخطوة الوحدوية في اليسار، التي أتمناها ويتمناها كثيرون، لا بد أن تأتي في إطارٍ أوسع يعني وحدة الكلّ الفلسطينيّ، وضمن برنامجٍ مشترك للخلاص من الاحتلال.
أما سؤالي الأخير فموجّه إلى قوى المجتمع المدني ومؤسساته: أين أنتم من المساهمة في خلق حوارٍ فلسطينيّ ـ فلسطينيّ، ليس حول الانقسام فحسب، بل حوار قادر أن يتعامل مع الأسئلة الكبرى المتعلقة بالكلّ الفلسطينيّ، بشتاته وداخله وداخل داخله. ألم يحنّ الوقت لورشة عملٍ كبرى هدفها حماية المشروع الديموقراطي والحريّات وحقوق الإنسان، كمقدّمة للبحث في أجندة وطنية شاملة ومتفق عليها؟

قدر المستطاع

لا هذا المقال ولا غيره يقوى على الإجابة عن هذه الأسئلة، ولا أدَّعي أنني أملك لها الإجابة، ولكن يحقّ لي التساؤل، والمسّ بالأصنام السياسية والاجتماعية.
قبل سنة 1993، كانت انتخابات مجلس الطلبة في مختلف الجامعات الفلسطينية، وفي "جامعة بيرزيت" بشكل خاص، مؤشرًا جوهريًا يدلّ على حالة الشارع الفلسطيني في الداخل. وكانت القوى السياسية تركّز جهودها بصورةٍ لافتة للحصول على قطعة من هذه "الكعكة" التي كانت تظهر أحجام القوى، في ظل غياب انتخاباتٍ عامة. وكان لهذه الانتخابات صداها الكبير في الخارج كما في الداخل. أمّا اليوم، وخشية من أن تتحمل "بيرزيت" ما لا تستطيع احتماله، فلا بد من الإشارة إلى أن المنافسة السياسية الحقيقية يجب أن تكون في انتخابات المؤسسات التشريعية الفلسطينية، وعلى رأسها الانتخابات الرئاسية وانتخابات المجلس الوطني والمجلس التشريعي. ولن يكون ذلك إلاّ بإنهاء حالة الانقسام المَرَضيّة. بعدها، يجري دفع عجلة الحياة الديموقراطية الفلسطينية قدمًا إلى الأمام، وقدر المستطاع تحت الاحتلال.