| 

في كتابه "ممارسة الحياة اليوميّة" (1980)، يتحدّث المفكّر الفرنسي ميشال دي سيرتو عن القطار كفاصل، فكرةً وممارسةً. ركوبه يفصلنا، نحن الرّكّاب، عمّا حولنا من أصوات وطبيعة ووقت. يفصلنا عن الانتقال التّدريجي من مكانٍ إلى آخر. لا نسمع صوت الطّبيعة داخله، إنّما صوت العجلات واحتكاكها مع السّكّة الحديديّة. في القطار، "تجربة تأمّليّة للعالم: الخروج من الأشياء الثّابتة، المهجورة والمطلقة، أشياء تغادرنا من غير أن تكون لها علاقة بعمليّة المغادرة… إنّها الدّهشة الكامنة في المغادرة. لكنّ هذه الأشياء لا تتحرّك... حركتها خداع بصري لا غير. هي لا تغيّر مكانها تمامًا كما لا أغيّره أنا". القطار، إذًا، هو ما يغيّر. الأشجار والجبال والقرى تبقى مكانها، كما يبقى الرّاكب مكانه هو أيضًا. الآلة السّريعة هي ما "يعيق" الرّؤية الطّبيعيّة ويحرّكها في نظر المشاهد كما يشاء.

**
مساحة الأحلام الورديّة والفصل بين الخارج والدّاخل، بين المشاهِد، أو الرّاوي، والمشاهَد، هي من صنع آلة القطار، يقول دي سيرتو. "أصوات الاحتكاك والارتجاج والفرملة كلّها تؤشّر إلى المسؤول الرّئيسي عن سرقة الفعل من المسافر والطّبيعة: الماكينة. كباقي الآلات المسرحيّة، ينظّم القطار من بعيد أصداء عمله من بعيد. حتّى ولو أنّه يفعل ذلك بسرّيّة وبشكل غير مباشر". الحديد والزّجاج يخلقان مساحة يشعر فيها المسافر بأنّه خارج عن السّياق. هو موجود في الطّبيعة لكنّه محميّ منها ومن سياقها، محميّ أو محبوس.

قطار فلسطين مسرحًا لعيون الاستعمار

هنا نصّ خارج من فلسطين، عن فلسطين والمنطقة، يوثّق فيه الكولونيل الإنكليزي ف. ر. مانسويل انطباعه عن السّكّة الّتي امتدّت من فلسطين إلى الحجاز. يكتبها في العام 1908، بعد بضع سنوات من إنهاء الشّركات الأوروبّيّة عملها، تحت إشراف مهندس ألماني، على الخطّ بين حيفا ودرعا ودمشق والحجاز. هدفها كان تسهيل عمليّة الحجّ، أقلّه ظاهريًّا، وتوسيع مجال سيطرة الدّولة العثمانيّة. ومن غير المستبعد طبعًا أن هدفها كان مدّ الاستعمار، على جنسيْاته، برؤية تأمّليّة قبل البدء في استملاك الأرض.
فيتحدّث مانسويل عن خاصّيّة السّكّة العمليّة وأهمّيّتها، ومن ثمّ يليها بمديح الطّبيعة الّتي تحيطها، بأسلوب يتوافق مع صرعة العصر حينها، المستشرقة والمندهشة أبدًا: "جغرافيًّا، وفّرت السّكّة وسيلة للسّفر في طبيعة فاتنة ومشاهد فريدة من نوعها، لا مثيل لها في أيّ بقعة من الأرض. بدل العبور داخل البلدات المسكونة والمدن العظيمة، يستمتع المسافر بعبور الخلاء الكبير - بلاد مسكونة بغالبها بأرواح الألف ليلة وليلة - حيث تتوقّع أن تجد بيض الرّخّ في وادٍ صخريّ موحش، كما جنّيًّا يطفو في غيمة ضباب تتسرّب من مصباح سحريّ". يندهش من الطّبيعة من مكانه في القطار، ينظر إلى ما حوله من خلال الزّجاج، ويستمع إلى أفكاره المختلطة مع موسيقى سكّة الحديد. هو منفصل عن الأرض جسدًا ومجازًا، خارج سياقها، ويسهب في وصفها.
وفي نصّ استكشافي آخر (1913) لعالم جيولوجي ألمانيّ، بلانكنهورن، يتحدّث الأخير عن "تحرير العقل المحمّديّ" من فكرة أنّ سكّة الحجاز ستستخدم للمؤمنين أو لأهداف دينيّة وعسكريّة لا غير. فيؤكّد على أهمّيّة استخدام الخطّ لجميع الأهداف - تجاريّة واقتصاديّة، بهدف إعادة إحياء الخطّ التّجاري القديم بين المتوسّط وخليج العقبة والحجاز. ويسهب في التّخطيط لمشاريع أخرى تعود بالفائدة على تطوير مسارات التّجارة في الشّرق، ليتّصلوا في النّهاية مع الخطّ التّجاري الأوروبّي المستقبلي.

الاقتصاد خداعًا بصريًّا، ماضٍ ومستقبلًا؟

لم تقتصد السّكّة في وقت المسافرين فقط، وإنّما في مالهم أيضًا. فبينما كانت الرّحلة من دمشق إلى المدينة تستغرق شهرين، أصبحت تستغرق خمسة أيّام فقط. وكذلك سعر التّذكرة انخفض من 46 جنيه استرليني إلى 4 جنيهات استرلينية (أو من 92 إلى 8 ذهابًا وإيابًا). لكنّ التّسهيل لم يكن للحجّاج فقط، فقد استخدمه الاستعمار الصّهيوني لتسهيل عمليّة الاستيطان ونقل الموادّ الغذائيّة والمنتجات الزّراعيّة من المستوطنات وإلى حيفا. فيقول الباحث الفلسطيني جوني منصور نقلًا عن كتابه «الخطّ الحديدي الحجازي» بأنّ مدينة حيفا كوّنت "منفذًا بحريًّا هامًّا بالنّسبة إلى الحركة الاستيطانيّة اليهوديّة ليس فقط في مناطق المرج، إنّما لكل مناطق الجزء الشّمالي من فلسطين… لهذا، أخذ عدد محطّات القطار على طول الخطّ بالازدياد عند مداخل المستوطنات اليهوديّة أو بالقرب منها. بينما، وهذا ملاحظ بوضوح، لم تتمتّع قرى عربيّة باقية في مرج ابن عامر أو خارجه من هذا الخطّ ومساهمته". أيّ، كما هي الحال اليوم، ساهمت ضرائب السّكّان الأصليّين في إفادة المستعمر بل وإعانته على الاستقرار في أرضه.
فكان أن ساعد جنّيّ الاستعمار المستعمر على تحقيق حلمه، أربعين سنة بعد تدشين السّكّة، فاتحًا له باب التّجارة الأوروبّيّة من بضاعة وسكّان وأرض. ففصل المشاهِد عن المشاهَد من طبيعة واستمراريّة ولغة، وحاك قصّة تخصّه هو وحده، لا يسمع فيها الأصوات خارج مقطورته.
وهو تمامًا ما تفعله اليوم الإدارة المدنيّة لسكك الحديد في فلسطين المستعمَرة: من خلالها يخطّط المستعمر الأوروبّي ذاته، أو شبهه، إلى إعادة إحياء سكّة الحديد الواصلة بين حيفا والأردن (2017)، بهدف الاقتصاد في وقت وأموال رؤوس الأموال، كما يخطّط لمدّ شبكة مواصلات مشابهة تصل بين الضّفّة والقدس، بهدف تسهيل الحياة على المستوطنين، مياومتهم، وما إلى ذلك. المخطّط يفيد أيضًا بأنّه من المتوقّع أن يصل عدد السّفرات إلى 30 مليون في العام 2035. "نتوقّع أن يستخدم 12.000 مسافر الخطّ الجبلي بين القدس ورام الله خلال ساعات الازدحام وأن يستخدمه 3.000 مسافر بين الخليل وبئر السّبع في الوقت ذاته". وفي واقع شبيه بذلك الموجود في المقطورة، منفصل عن أيّ واقع سياسيّ، أو مبنيّ على واقع متخيّل ومتأمّل، يتوقّع القائمون على المشروع إنشاء 30 محطّة على مدى 11 خطّاً لتصل بين المدن في الضّفّة الغربيّة والأردن وسوريا.

..الحلم العربي في يدي التّاجر المستعمر.

نصّ المقطورة وفوضاها
يشبّه دي سيرتو الجلوس في القطار كالجلوس في النّصّ. ففي المقطورة يتمجلس المسافر داخل نظام شبيه بنظام الحروف المطبوعة في النّصّ. ترتيب عسكريّ وعقلانيّة نظاميّة يسيطران على الجوّ العام. كلٍّ ثابت في مكانه، بهدوء ومنطق. كلٍّ يسير بحسب المخطّط: فحص التّذاكر وتقديم الطّعام والشّراب تمضي في وقتها المحدّد. لكنّ هذا النّصّ يخلق نوعين من الفصل. "الأوّل يخلق بعدًا للمشاهد: فيه استحالة اللّمس - كلّما رأيت المزيد، كلّما فقدت لمسك للمزيد - أي فقدان الأرض في سبيل امتداد النّظر. والثّاني يوثّق أمر المغادرة - أمرٌ كُتِبَ في خطّ أحاديّ لكنّه لا نهائي: إذهب، غادر، هذه ليست دولتك، ولا تلك - حتميّة الفصل الّتي تمنح المشاهد إمكانيّة التّسلّط البصري على المكان، وتفترض عليه دفع الثّمن بترك المكان وخسارة الأساس [موطئ القدم]". أيّ، وجود المسافر في القطار يمنحه بعدًا من خلاله يتخيّل مساحة خاصّة به، لا يستطيع لمس الخارج عنها ولا سماعه كما يجب. يترجم فيه أفكاره كما يشاء، لكنّه أيضًا ينفي نفسه بنفسه عنه. يفقد في هذه المساحة طبعة قدمه في سبيل المشاهدة. قد يحوّل المشاهد هذه المساحة المتخيّلة إلى واقعٍ ما يومًا ما، وقد لا يفعل. ففي ركوب القطار، يذكّر دي سيرتو، هنالك أيضًا عامل الصّدفة والمفاجأة. قد توقفه الفرامل فجأةً وقد يتعطّل المحرّك، بترتيبٍ مسبق أو بغيره.