| 

صورةٌ تعود إلى العام 1970 تلتقط مشهدًا من حيّ الفاخورة في مدينة عكّا القديمة، وبالتحديد لمطلع "درج الفاخورة"، والبيوت التي تحيط به. في الصّورة، يحضر عدد كبير من الأطفال، إلى جانب القليل من الفتية الأكبر سنّاً منهم، سواء يجلسون حول طاولةٍ صغيرة، أو يطلّون من شبابيك بيوتهم.
وصلتني هذه الصّورة عن طريق ابن عمتي أوديت، الذي يسكن وعائلته في الحيّ نفسه، في بيت من البيوت التي نصل إليها بعد أن نصعد الدرج. وأجمل هذه البيوت في عين هو البيت الذي يطلّ شباك مطبخه على الدرج مباشرةً، البيت الذي عاش فيه جدي وجدتي بعد زواجهما. فيه أيضا، وُلد والدي وإخوته. وهو البيت الذي لم أعرفه معرفةً مباشرة، لأني وُلدت بعدما كانت العائلة قد تركت البيت، فبُنيت ذاكرته الصّوريّة داخلي من خلال قصص أفراد عائلتي. هذا البيت حيّ فيهم حتى يومنا هذا، أو كان حيّا في أربعةٍ رحلوا باكرًا. هذا البيت، يشكّل، هو وباحته التي تجمع ثلاثة بيوتٍ أخرى، إحدى التّعريفات الأولى للنكبة بالنسبة إلي، اليوم وأنا في الثّلاثين من عمري.

"دار سيدي"

فوق القصص المنقولة، تراكمت بعض الذكريات الفعليّة التي عشتها كطفلة وشابّة في ما بعد، في باحة بيت جدي بعد رحيل العائلة منه. وهي تتمحور أساسياً حول الزيارات التي كنا نقوم بها إلى عائلةٍ صديقة لعائلتي، سواء برفقة عمتي أو والدي، كما حول "التعاليل" التي حضرتها، والتعليلة هي الحفلة "الصغيرة" التي تقام قبل العرس لأحد أبناء أو بنات "جيران دار سيدي". لكن، مع الوقت، خرجت معظم العائلات التي عرفتها من البيوت. ساحة البيوت فُرغت من ناسها، وتحوّلت إلى مكانٍ شبيه بالقبر، يدخلها المرء من بابٍ أزرق كبير يقوده إلى مساحة صمتها يوجع القلب. عائلة واحدة فقط ما زالت تسكن في هذا البيت، وقد منعها صاحب البيوت الجديد، المستثمر الغريب، أن تضع منشر الغسيل على باب بيتها، مثلاً. تعاني هذه العائلة يوميًا من محاولات مستمرة لإخراجها من بيتها، وهي صورة تُكمل ما يشكّله هذا البيت بالنسبة إلي: نكبةٌ مستمرة، وبصيص أملٍ يزهّر كنبتة الشقران من سور عكّا، بصمود هذه العائلة وعائلات مدينتي كلّها.
حين رأيت الصّورة للمرة الأولى، بحثت كمجنونةٍ عن وجه أبي فيها. على الأغلب، حين التُقطت، كان والدي في الثالثة عشرة من عمره. على الفور، أعادتني الصورة إلى أيام يُحكى عنها، تلوّنت في ذاكرتي قليلًا مع الوقت. أحبّ الصّور القديمة لأماكن أعرفها، لكني أحبّها أكثر حين أرى وجوها فيها، أو حين أتخيّل وجوهًا أعرفها فيها. أتخيّل الوجوه الأحبّ إلى قلبي، خاصةً تلك التي رحلت عن الصّورة وعن الأماكن التي أعرفها وعن هذا العالم، كوجه أبي.
في الأول من حزيران 2014، يوم جنازة والدي، أخذناه في رحلةٍ أخيرة إلى عكّا. بتابوته زار مسقط رأسه، "حيّ الفاخورة"، والبيت الذي نسكن به الآن عند الشّاطئ الغربيّ للمدينة، وبيت صديقه بالقرب منا. كانت تلك زيارة أبي الأخيرة إلى حبّه الأول، عكّا.. وكانت أيضاً نكبتي الثانية.

طفولة بين أزقة المدينة

تُقسم عكّا اليوم إلى شقين؛ الأول يُسمى عكّا القديمة والثاني هو عكّا الجديدة. وعكّا القديمة هي المدينة التي تسكن داخل الأسوار. أما عكّا الجديدة فهي كلّ متر مربع خارج إحدى بوابات المدينة. وبما أنّ أمر منع البناء خارج الأسوار تم إبطاله في العام 1910 إبان الحكم العثمانيّ للمدينة، فكل ما هو خارج السّور، منذ تلك الفترة، يُسمى عكّا الجديدة.
تعيش غالبية الفلسطينيّين في عكّا القديمة، بينما يعيش بعضهم خارجها. لكن هذه الحقيقة لا تمنع فكرة أنّ لكلّ عكّيّ وعكّيّة، سواء عاش داخل الأسوار أو خارجها، علاقة يوميّة مع المدينة القديمة. علاقةٌ تُترجم بتفاصيل حياتية يوميّة، كمدارس الأطفال، والمشتريات، والمقاهي، وبالتأكيد، زيارة العائلة والأصدقاء.
وُلدتُ في منطقة "عكّا الجديدة"، خلافًا عن والدي. لكن ذاكرة حياتي الكثيفة كطفلة وشابة واليوم، حصلت وتحصل داخل أسوار مدينتي. كان ذلك بدايةً مع المدرسة الابتدائية، "مدرسة الأمل"، التي كانت بالقرب من قلعة أحمد باشا الجزّار، التي استخدمها البريطانيون سجناً خلال الانتداب على فلسطين. وفي المرحلة الإعداديّة ولغاية الثانويّة، درست في مدرسة "التيراسنطة" الواقعة بجانب الميناء. فكنت أمشي يوميًا من بيتنا الكائن عند الشّاطئ الغربيّ، مرورًا بأحد مداخل المدينة القديمة، وهو المدخل القريب من جامع أحمد باشا الجزّار، أحد معالم عكّا، فالبازار التّركيّ، السّوق المركزي. وكانت هنالك إمكانيتان دائمتان لدخول المدرسة، الأولى من ناحية الميناء، فخان الإفرنج، أحد خانات عكّا الذي أقيم في بداية القرن السّادس عشر، وسُمي بهذا الاسم نسبة إلى الرهبان الفرنسيسكان الذين بنوه، وتقع فيه المدرسة. والإمكانية الثّانية هي الدخول من خلال السّوق، مرورًا بدكان العم نمر بدين (أبو خليل، رحمه الله). كان معظم الطلاب يختارون دخول المدرسة من خان الإفرنج عبر دكان العم أبو خليل، وهي عمليًا الطريق الأقصر. ومن أجمل المشاهد في ذاكرتي، "صباح الخير" التي يلقيها كلّ طالبة وطالب على العم أبو خليل، الذي كان بدوره يرد سلام الصّباح. وقد اقترحنا عليه مرارًا أنّ يسجل جملة "صباح النور" على كاسيت، ويضعه في المسجّل، كي نوفر عليه تعب الردّ. وكان يضحك دائمًا لهذا الاقتراح الذي جرى تناقله عبر الأجيال، من غير تنسيق.
في أيام الجمعة، وبعد الدوام المدرسيّ، كان لي ولصديقاتي الأربع طقس أسبوعي: نخرج من المدرسة باتجاه السّوق، ومن ثم إلى مطعم "حمص سعيد"، نشتري علبة حمص وبعض المخللات وخمسة أرغفة خبز، ونذهب بها إلى حافة السّور في حيّ الفاخورة، علماً أنها منطقة غير آمنة أبداً، إذ وُضعت بوابة حديد عند مدخلها في ما بعد لتفادي تعرّض الناس لخطر السقوط. استمرت مغامراتنا هذه مع الحمص لفترةٍ طويلة، في منطقة قريبة من فنار عكّا، وقريبة من الحيّ الأقرب إلى قلبي. نأكل الحمص، ونتحدث عن أمور عديدة، ونرمي بمغامرات جيل المراهقة في البحر. ومن فعالياتنا، كان الإتيان ببعض الصّور التي كنا قد التقطناها وطبعناها (ما قبل جيل الانستغرام)، فنتأملها. وفي مرّاتٍ عديدة، كانت قد سقطت بعض الصّور إلى البحر، وسافرت مع الموج إلى شاطئ آخر.. شواطئ لا يمكننا أنّ نصلها من ميناء عكّا، بعد احتلال فلسطين.

النكبة التي تحصل اليوم

في السّادس عشر من أيّار/ مايو 2014، كنا نجلس أنا وأبي – حبّي العكّي – في قهوة "الفنار" في حيّ الفاخورة، قهوته المفضلة حيث قضى وقتًا طويلاً خلال أيامه الأخيرة. كان يشرب فنجان قهوته، ويدخّن سيجارته. كنا ننظر إلى البحر، ونفكر بصمت. كنت أفكر بالخوف الذي أشعر به خلال السّنوات الأخيرة على عكّا وعلى أنفسنا، نحن العكّيين والعكّيات، في ظلّ المخططات الإسرائيليّة المستمرة لتهويد المدينة وبيع البيوت وتحويلها إلى ما يُسمى "مدينة حوض البحر المتوسط"، مدينة خالية من سكانها الأصليين. وكنت أفكر بأنّ هذا الخوف يزداد بوتيرة سريعة، خاصةً لمّا أرى كمّ الغرباء فيها. وتذكرت أنّ هذا الخوف لم يكن حاضرًا بهذا الثقل قبل أن توضح، بالنسبة إلي، معالم تشويه المدينة من قبل الاستعمار ومؤسّساته. هذا الخوف، بتجاوره مع حبّنا اللانهائي للمدينة، نحن العكّيين الذين نقسم "وحياة غربتي!" كلما خرجت أرجلنا من أسوارها، يشّكل بوصلتنا الأساسية نحو التحرك نحو نورٍ ما. وعلى الرغم من الخوف، إلا أنّه لا يخفينا.
في كلّ عام، يحيي العكّيّون ذكرى النكبة. في العام الماضي، أقيمت مسيرة مرور 66 عامًا على النكبة في عكّا. وفي هذا العام، قررت مجموعة من العكّيين إقامة يوم نشاطات وفعاليات تحت عنوان "أنا عكّا"، ضمت فئات عمرية عديدة. وقبل عام، مشينا بين الزواريب والحارات والبيوت وتحت القناطر وبجانب البحر ومعالم عكّا التاريخيّة. بالقرب من الميناء، أطلّت علينا امرأة كبيرة في السّن من شباك بيتها، إحدى الأمهات الصامدة في بيتها كما كلّ أهلنا الطيبين، كي تشاركنا المسيرة على طريقتها: تصفق وترسل قبلاتها إلى الوجوه العابرة من تحت بيتها. عندها، وكما كلّ مشهدٍ من هذه المشاهد، وكما كلّ تجربة أعيشها خلال يومياتي في مدينتي، وخلال لقاءاتي مع أهل بلدي، يرتاح الخوف قليلًا. هو ضروري لمواصلة المسيرة، يمشي بالتزامن مع الألم، لكن الأمل يفرض نفسه، وكيف لا يكون حاضرًا في حضرة أناس يبتكرون دومًا سبلًا لتعريف الأمان، وسُبلًا للتأكيد على هويتهم وثقافتهم. لا يحتفظون بها فقط بالأرشيف، بل يعيشونها كنهج حياة، ويمارسونها بتفاصيل حياتهم اليومية، بالحروب التي يخوضونها مع الاستعمار الذي يحاول طردهم يوميًا، بحمايتهم لبيوتهم وحاراتهم، وبصمت أحيانًا، بعيدًا عن الأضواء والشهرة. يعرفون بالفطرة أنّ بيتهم العكّيّ هو الوطن الذي سُرق يومًا ولن يسمحوا بسرقته من جديد، رغم كلّ الظروف المأساوية التي تعيشها المدينة.. المدينة التي كلما سألت ابنًا أو ابنة لها، طفلاً أو شابة أو كهلاً: "من وين إنت؟"، أجابك بفخرٍ وقوة وعيون تفتح على البحر كلّه: "أنا من عكّا خيّا.. إحنا اللي لبسنا السمكة مايّوه!".