| 

يتحضّر طلبة الثانوية العامة (التوجيهي) لتقديم الامتحانات التجريبية التي تسبق امتحانات وزارة التربية والتعليم. وخلال هذه الفترة ينهمك الطلبة في الدراسة ومراجعة الكتب.

"التوجيهي" مصري.. وقد صار "حفظياً"

"التوجيهي" هو نظامٌ أصله مصريّ، ويعني حرفياً توجهات الطالب. اعتُمدَ رسمياً في العام 1960، فيما كان يسري قبله نظام "المترك" الأردني المتّبع في فلسطين. وبحسب تربويين، فإن بعض المدارس كـ "القبطية" في القدس، و "ابن الهيثم" في نابلس، بدأ بتدريس منهاج "التوجيهي المصري" في خمسينيات القرن الماضي، للتخفيف على الطلبة الذين سعوا للدراسة في القاهرة آنذاك. إذ كانوا يُلزَمون بدراسة سنة إضافية، وهي التوجيهي المصري، بعد "المترك". وللسبب ذاته، قامت العديد من الدول بتدريس "التوجيهية المصرية" في تلك الفترة.
وفي العام 1960، اتفقت الدول العربية على توحيد نظام التعليم، على أن يعتمد سنوات التعليم في المدرسة على مدى 12 عاماً.
تروي ياسمين إسماعيل لـ "السفير"، وهي تمشي حاملة بين يديها كتاب اللغة العربية، "أدرس يومياً 4 ساعات على الأقل، لكني سأدرس ضعف ذلك في الامتحان الوزاري"، مضيفةً: "أشعر بالخوف من امتحانات الوزاري خاصة من مادة الإنكليزي، لكن لا سبيل أمامي لدخول الجامعة إلا عبر حفظ هذه المواد!".
ويخشى الطلبة من امتحانات "الوزارة" لأن تحقيق حلمهم بالدخول إلى الجامعة كما اختيار التخصص الذي يشتهونه فيها، منوطان بالعلامات التي يحصلون عليها في الامتحانات الوزارية. وغالبية مواد "التوجيهي" يزيد عدد صفحاتها عن 150 صفحة، "تتطلب منا أن نحفظ الكتاب كاملاً من الجلدة إلى الجلدة، لنضمن النجاح بتفوق"، تقول الطالبة ياسمين.
لذلك، تطالب غالبية الطلبة في كلّ عام بتغيير نظام "التوجيهي". وقد أظهرت نتائج استطلاع للرأي شارك به 1130 شخصاً، غالبيتهم من الفئة العمرية 15- 35، أن نظام التوجيهي يشكّل عامل ضغطٍ وقلقٍ وتوترٍ لدى الطلبة والأهالي، لأنه يربط مصير الطالب ومستقبله بتلك الامتحانات.
ووفقاً لنتائج دراسة أجراها "منتدى شارك الشبابي" مؤخراً، وقد عُرضت في مؤتمر في رام الله بحضور خبراء ومختصين تربويين، فإن نسبة 92 في المئة من المشاركين أعربوا عن رغبتهم في إجراء تعديلات على نظام الثانوية العامة، فيما فضلت نسبة 8 في المئة منهم إبقاءه على حاله.

قرار "التوجيهي": دولي ومحلي!

اقترح المشاركون في الدراسة العديد من البدائل للثانوية العامة، غير أن جميعها لم يحظ بالإجماع. ولفهم الأسباب الحقيقية وراء عدم اتخاذ وزارة التربية والتعليم قراراً يقضي بإلغاء التوجيهي أو على الأقل إدخال تعديلات على نظامها تُرضي مطالبات الطلبة وذويهم، قصدت "السفير" مقرّ "وزارة التربية"، وعقد اجتماع بحضور ثلاثة مسؤولين، فحصل ما يشبه العصف الذهني ودارت مناقشة قوية تخللها الكثير من الطروحات.
في هذا النقاش الذي دام خمسين دقيقة وتم في مكتب قريب من مكتب الوزيرة خولة الشخشير في رام الله، "فشل" المجتمعون في التوصل إلى اقتراح يجمعون عليه. وخلال اللقاء، بدا من الواضح أن القضية "معقدة" جداً، إذ إنها تتخذ أبعاداً سياسية ومالية واجتماعية، وتحتاج إلى خطط إستراتيجية يصعب تحقيقها.
وضمّ اللقاء: مدير مكتب وزيرة التربية والتعليم سائد رضوان، والقائمة بأعمال مدير عام التعليم العام خلود ناصر، ومدير عام الإشراف والتأهيل التربوي ثروة زيد.
ورأى زيد الذي يدعو إلى تغييرٍ جذريّ في نظام الامتحان، أن المشكلة الحقيقة في عدم تغيير نظام "التوجيهي" تكمن في عدم اتخاذ قرار حكومي صارم يلزم جميع الجهات، من ضمنها الجامعات، بتغيير الأنظمة الموجودة لديها.
وعزا المعيقات التي تقف في وجه اتخاذ القرار، إلى اختراق المناهج من قبل المانحين: الوزارة تعتمد على مشاريعهم وأموالهم في تطوير المناهج، في ظل عدم وجود اقتصادٍ فلسطيني قوي يسمح لنا بتطوير المناهج ذاتياً.
وبشكل مباشر، لن تقول الدول المانحة إنها ستوقف ضخّ الأموال في حال حدوث تغيير. لكنها، بطبيعة الحال، لن توافق على تخصيص مبالغ لتطوير المناهج، ما يعيق عملية التغيير الإستراتيجي والتنمية الشاملة للوزارة، حسبما يشرح زيد.
في المقابل، يأتي عدم تغيير الجامعات الفلسطينية لنظام القبول لديها الذي يعتمد على شهادة الثانوية العامة كعاملٍ في الإبقاء على نظام "التوجيهيّ" حتى اللحظة. إلا أن زيد لا يحمّل الجامعات مسؤولية كبيرة في ذلك، لأن تغيير سياسات القبول يجب أن تسبقه دراسة شاملة لاحتياجات السوق، بهدف تحقيق التنمية الشاملة. وهو دورٌ يقع على عاتق بعض الوزارات والمؤسسات الحكومية، وهو دورٌ لا يجد من يؤديه حتى اللحظة.
إن عملية التغيير الإستراتيجي وتحقيق التنمية المستدامة تعتبر ذات أهمية كبيرة، اذ تساهم في تأسيس أجيال تعتمد على الإبداع، تبتعد عن نظام الامتحانات الذي يتسم "بالعنف"، كما تساهم في تحقيق القدرة على بناء اقتصاد فلسطيني بعيداً عن مرجعية الدول المانحة. كما أن تحقيق التنمية يعني أن المجتمع سيتوجه إلى الديموقراطية وحرية الاختيار، بحسب زيد.
وإذ قدّر زيد ميزانية تطوير مختبرات العلوم والكيمياء والفيزياء في المدارس وتدريب الكادر التربوي بـ 15 مليون دولار أميركي، فهو يرى أن الحل يكمن في تغيير سياسات القبول في الجامعات، مع "تحديد مجتمعنا للمسارات التعليمية التي تلبي احتياجاته، ومنها المسار المهني". ويوضح: "القصة مش توجيهي، فهناك الآلاف يتقدمون لكل وظيفة. حتى لو لغينا التوجيهي، ما رح يتغير شي. لازم نحدد مسارات للمجتمع الفلسطيني، ما بدي 40 الف موظف يتقدموا لوظيفة معلم وآخذ منهم 750".
من جهتها، تلفت ناصر إلى أن قضية تغيير نظام "التوجيهي" مطروحة في وزارة التربية والتعليم منذ خمسة أعوام. وعندما تبحثها الوزارة، تراها تأخذ في عين الاعتبار المطلب الاجتماعي الصادر عن الطلبة وذويهم بتغيير النظام، لكنها في المقابل تأخذ في عين الاعتبار الدراسات المهنية والموضوعية التي أجرتها الوزارة: "فمثلاً، هناك معيق كبير يقف أمامنا، وهو سياسات القبول في الجامعات. ولذلك، لا يمكن القبول بسهولة بمطالب المواطنين. فهناك استحقاقات كثيرة".

أفكارٌ سقطت على طريق الحلّ

واحد من البدائل الممكنة لامتحان "التوجيهي" التي اقترحها التربويون على الجامعات، تقوم على أن "يقدم الطالب نصف المواد في الصف الحادي عشر ويكمل النصف الآخر في الصف الثاني عشر، على أن يتم إجراء امتحان قبول في الجامعات. لكن الاخيرة لم تقدم أيّ نقد أو آليات بديلة عن رؤيتنا، وقد ترافق ذلك مع عدم اتخاذ قرار وزاري، ما أدّى إلى فشل هذا المقترح"، يقول زيد.
وعن حلولٍ أخرى، مثل التخفيف من بعض المواد أو إلغاء بعضها، شرح زيد: "الأهداف قصيرة المدى تموت، نريد تغييراً استراتيجياً.. كنا نعاني سابقاً من ضعف في لجنة التقييم التربوي، إلا ان الوزارة أعادت تشكيلها من جديد بهدف تقويم المناهج".
أما إلغاء التوجيهي نهائياً والاعتماد على امتحان قبول في الجامعات، أجمع المسؤولون على أن ذلك سيؤدي إلى عدم اعتراف بعض الدول بطلابنا، كالحال في فنزويلا. حاولت ناصر أن تقنع المسؤولين بأن المخرج في ذلك يكون بتقديم امتحانات النظام الأميركي (SAT) أو البريطاني.. لكن، في نهاية الأمر، توصلوا إلى أن هذا الحل غير متاح إلا لبعض المدارس الفلسطينية. ولجعله شاملاً، فالحاجة ستكون ماسة لمبالغ طائلة تتيح إعادة النظر في كل المناهج لكي تتوافق مع تلك الأنظمة.
وعن مقترح كان يتم التداول فيه سابقاً، وهو تقديم "التوجيهي" على فصلين في العام ذاته، شرح رضوان أن "هذا المقترح لم يكن عليه إجماع، لأنه يزيد من الضغط على الطلبة والأهل، ومصاريف الدورات. كما أن هذا التغيير لا يعني أن يحصل الطالب على علامات تخوله اختيار اختصاصه".

كيف يحصلون على 90%؟

كيف يمكن للطلاب أن يؤمنوا مجموعاً يخولهم اختيار مستقبلهم؟ يجيب زيد على هذا السؤال بالقول: "للأسف، الطلبة لدينا يحفظون كالكمبيوتر. ومن يحفظ أكثر، يحصل على علامات أفضل".. وأكد أن ذلك، برغم واقعيته، "لا يمكن أن يكون مقياساً للطالب/ة".
وهنا، ذّكر بامتحانٍ مهنيٍّ أجرته "جامعة القدس" للطلبة الذين حصلوا على نسبة 90 في المئة وما فوق في "التوجيهي"، وكانت المفاجأة في أن جميع الطلبة فشلوا في إنجاز الاختبار: "هناك الكثير من الطلبة يحصلون على معدل 90 في التوجيهي، لكن اذا نظرت إلى العلامات المتعلقة بالمواد العلمية تجدها متدنية. وهؤلاء على الأغلب لا يستطيعون إكمال دراسة المواد العلمية في الجامعات، كالهندسة". وهنا، أكّد على ضرورة أن تعتمد الجامعات امتحان قبولٍ لتحديد مدى قدرة الطالب على التماشي مع التخصّص الذي يريده، كما هي الحال في بريطانيا مثلاً.
الجدير بالذكر، أن نسبة النجاح في الثانوية العام الماضي بلغت 60.4 في المئة (50839 طالباً)، إلا أن الناجحين الذين لم يحصلوا على معدل 60 في المئة لن يستطيعوا دخول الجامعات الفلسطينية، وفقاً لقوانين "التربية والتعليم".
إذاً، وعلى الرغم من إقرار جميع التربويين المعنيين بالآثار السلبية لنظام "التوجيهي" على الطلبة ومستقبلهم وعلمهم، إلا أن الجهود القائمة منذ سنوات لم تنجح حتى الساعة بتغيير النظام.. وربما، لتغييره، بتنا بحاجةٍ إلى قرارٍ عربي، كذاك الذي صدر في العام 1960، لمّا حلّ "التوجيهي" مكان "المترك"!