| 

كانت تلك الدقّة الأولى التي يسمعونها منذ ما يزيد عن العام، إذ ما عاد أحدٌ يطرق باب بيتهم بعد الحادثة المشؤومة التي على إثرها التصقت بهم وصمة عار لن تزال عنهم ربما حتى انقطاع سلالتهم. عيونهم الناطقة بلغة البكاء أخبرتنا عمّا عجزت عنه ألسنتهم التي أوشكت أن تفقد قدرتها على الحديث لفرط ما اعتادت على الصمت.

عمالة مزدوجة: الأم والأب

بدأت الحكاية، كما تقول أم محمد - اسم مستعار- لـ "السفير"، حين أصيب أبنها الصغير في الحرب الإسرائيلية على غزة في العام 2008-2009 إصابة حرجة في يده اليمنى. ما استلزم إجراء عملية جراحية عاجلة لا تتم إلى في الأراضي الفلسطينية المحتلة، إلا أن الاحتلال الإسرائيلي وضع الكثير من العراقيل التي حالت دون سفر الطفل، ما أدّى إلى تدهور حالته الصحية.
تتابع أم محمد وقد أخفى الحزن ملامح وجهها: "سمعت في إحدى الليالي التي لم اكن أذق فيها طعماً للنوم، صوت زوجي يحادث أحدهم على الهاتف النقال، ويطلب منه تسهيل مهمة علاج ابني عرفاناً منه بالجميل الذي ما زال يقدمه لهم. عندها أدركت أن زوجي متخابر مع الاحتلال الإسرائيلي".
وبدلاً من أن تردع أم محمد زوجها، أصبحت شريكته بحجّة الخوف على حياة ابنها، إلى أن كشفت الجهات المعنية أمرهما، وتم إلقاء القبض عليهما. حكم على الزوج بالإعدام، وعلى الزوجة بالسجن سبع سنوات، خفّفت لاحقاً إلى ثلاثة سنوات لدوافع انسانية بحتة، تتعلق بأحوال أولادها الخمسة الذين نبذهم المجمتع بحجة أن "العرق دسّاس".
يشرح أبنها محمد (15 عاماً) حالهم بعد محاكمة والديه: "اضطررت لترك المدرسة، وحاولت الحصول على عمل لتوفير قوت يوم لإخوتي. ولكن ما أن أبدأ بالعمل لدى أحدهم حتى يطردني بعدما يعرف قصتي. ورغم أني كنت أنتقي أماكن عمل بعيدة جداً عن سكني، إلا أن غزة صغيرة جداً ولا شيء يخفى على أهلها"، وفق ما قال محمد.
أما أخته عبير (17 عاما) فتقول لـ "السفير": "لم أستطع إكمال دراستي وجلست في البيت بعدما أصبح الكل ينعتني بابنة العميل والعميلة، حتى صديقاتي قطعن علاقتهن بي بدلاً من التخفيف عني ومواساتي". حاولت الانتحار أكثر من مرة، ولكن جميع محاولاتها باءت بالفشل.
خلال حديثنا مع الأولاد، دخلت أم محمد في حالة بكاء هستيري لم نستطع أن نوقفه بما نحفظ من كلمات المواساة ندماً منها على ما ارتكبته بحق نفسها وعائلتها.

قصة رولا - اسم مستعار- (32 عاماً) لم تكن أفضل حالاً من سابقتها. فما أن سمع زوجها بنبأ عمالة أبيها حتى طلّقها على الفور. لم تشفع سنوات زواجها السبع في السماح لها باحتضان أطفالها الثلاثة. ادّعى الزوج أن خوفه على أولاده هو سبب منع والدتهم من رؤيتهم، زاعماً أنه طلقها لدافعٍ أخلاقيّ.
رولا التي لم تزر والدها القابع في السجن بتهمة التخابر مع الاحتلال منذ عام ونصف، تُبين أن حقدها عليه يمنعها من مقابلته أو الحديث معه. تعتبر أنه السبب في معاناتها ومعاناة اسرتها.
أما زوجة أخيها مرام - اسم مستعار – (27 عاماً)، والتي قررت أن تقف إلى جانب زوجها في معاناته، فتقول لـ "السفير": "أهلي حاولوا إجباري على طلب الطلاق، ولكني لم أقبل. فزوجي غلبان، وأعلم أن لا علاقة له بما ارتكبه أبيه. فلماذا أخرب بيتي بيدي؟". تشرح أنهم اضطروا إلى بيع عفش المنزل لتوفير لقمة عيشهم، وذلك بعدما طُرد زوجها من العمل.

الحكومة: أيّ شعب محتل معرّض للعمالة

أوضح الناطق الإعلامي باسم وزارة الداخلية في غزة إياد البزم أن التعامل مع ملف العملاء يتمّ بسرية تامة، وبشكلٍ يراعي الجوانب المجتمعية لتلك الأسر. وينوه بأن وقوع أي شعب تحت الاحتلال يجعله معرضاً إلى الاختراق. وبيّن البزم أن صغر مساحة القطاع تصعّب من اجراءات التكتيم على أسماء العملاء، "فالعائلات تعرف بعضها بعضاً وسرعان ما يتم نشر الخبر بين أفراد المجتمع".
أما المحاضر في قسم علم النفس في "الجامعة الإسلامية" في غزة أنور العبادسة فلفت إلى أن وجود عميل في أيّ أسرة يُحدِث بلا شك صدمة نفسية حادة، مردها أن الخيانة بحد ذاتها هي أمر فرديّ سرّي فصادم لما يخرج إلى العلن، وتترتب عليها وصمة اجتماعية جماعية تلحق بالعائلة.
وأوضح العبادسة أن رد فعل أهالي العملاء يحلّ تدريجياً. فالمرحلة الأولى عادةً تكون بالإنكار والتكذيب، ثم تتبعها مرحلة التعامل مع الموقف بشكل واقعي، ويكون ذلك إما بالتبرؤ من ذلك الفرد أو محاولة تخفيف الحكم عليه.
وتختلف ردود فعل الأهالي تبعاً للوضع الاجتماعي للعائلة. فالعائلات المرقومة غالباً ما تتبرأ من ابنها للحفاظ على صورتها ومكانتها في المجتمع، وكأنها بذلك تقول إن هذا الفرد لا يمثلني وسلوكه خارج عن إطار العائلة، بحسب العبادسة: "هذا قد يخفف من نظرة المجتمع السلبية تجاه العائلة، ولكنه لا يزيل وصمة العار التي قد تستمر لأجيال عديدة".
وعن موقف المؤسسات الأهلية تجاه أهالي العملاء، قال المدير التنفيذي لـ "الهيئة الأهلية لرعاية الأسرة" كايد حماد أن "الهيئة شرعت بتنفيذ مشروع "دعم أهالي المتخابرين مع الاحتلال" مع بداية شهر فبراير / شباط 2013، كمشروع تجريبي لمدة ستة شهور. لكن النتائج الإيجابية للمشروع أدّت إلى استمراره حتى الآن". يؤكد أن المشروع يهدف إلى إعادة دمج تلك العائلات في المجتمع ، وإيجاد مصدر رزق لهم، وحلّ مشاكلهم الاجتماعية من خلال خبراء نفسيين واجتماعيين.
ويتفق مسمّى المشروع مع النظرة القانونية لتلك العائلات، حيث يرى الباحث القانوني في "المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان" محمد أبو هاشم وجوب تغيير مسمى "أهالي العملاء" إلى "أهالي ضحايا المتخابرين مع الاحتلال"، لما للمسمى الأول من تأثيرٍ سلبي على الأسر.

شهداء أم عملاء..

سجّل "المركز الفلسطيني لحقوق الانسان" خلال الحرب الأخيرة 27 حالة قتل بتهمة العمالة نفذتها فصائل المقاومة الفلسطينية، بعدما ادعت اجراء محاكم عسكرية لهم. ولم يتمكن المركز من التأكد من صدق ادعاءات الفصائل، والتواصل مع اهالي المقتولين، لصعوبة تمييز أسمائهم إذ سُجلوا على أنهم شهداء.
ويرى أبو هاشم أن معاملة العملاء مثل الشهداء هي سلاح ذو حدين، فهو قد يؤدي من ناحية إيجابية إلى إزالة الوصمة التي تلحق بتلك العائلات، ولكنه من ناحية أخرى يشجع على العمالة، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعاني منها القطاع.
ويوضح العبادسة أن "هذا المخرج لا يمكن تطبيقه مع الجميع، خاصة الحالات التي تكون معروفة لدى المجتمع"، منوهاً بأنه يمكن تنفيذه مع العملاء من ضمن أفراد المقاومة، على اعتبار أيّ أنّ عنصر اختراق في صفوف المقاومة يعدّ من عوامل الإحباط في المجتمع.
من طرفها، أنكرت الوزارة أنها قامت بإعطاء العملاء الذين تم إعدامهم من قبل الفصائل المقاومة أي أورق تثبت أنهم شهداء. وأكدت أنها قامت بإصدار شهادة وفاة عادية لهم، كما بيّنت أن عدد العملاء الذين أعدمتهم المقاومة هو 18 عميلا تم التأكد من تورطهم في وحل العمالة.
وعن تحسين نظرة المجتمع لتلك العائلات، يوضح العبادسة أن الحلّ يكمن في التوعية المجتمعية وتعزيز ثقافة التسامح إزاء أهالي العملاء باعتبارهم ضحايا وليسوا مجرمين، والعمل مباشرة مع أسر العملاء لاحتوائهم وتخفيف حدّة الآثار النفسية السلبية عليهم، من خلال برامج نفسية تهدف بشكل أساسيّ إلى دعمهم وإعادة دمجهم في المجمتع وإدارة الضغوط التي يواجهونها.
من جهته، بيّن أبو هاشم لـ "السفير" أن إزالة هذه الوصمة يتم من خلال التوعية المجتمعية الشاملة من خلال وسائل الاعلام والمؤسسات التربوية، ونشر الثقافة القانونية التي تعتبر كلّ شخص مسؤول عن أفعاله فقط.
وعلى مستوى الرعية الحكومية، بيّن البزم أن وزارة الداخلية تتابع حال أسرة العميل بعد إلقاء القبض عليه، وتعمل على توفير مصدر رزق للعائلات الفقيرة، وتتواصل مع وزارة الشؤون الإجتماعية لصرف مبالغ مالية توفر لهم قوت يومهم وتعينهم على الحياة. وبيّن أن الحكومة تتعامل مع أسرة العميل لسدّ الثغرات التي يمكن أن يلجأ إليها الاحتلال الاسرائيلي لاحقاً عبرهم، أيضاً.
ويرى العبادسة أن المجتمع الفلسطيني من المجتمعات المرنة القابلة للتغير، "ومن الممكن أن نرى أثاراً إيجابية لمثل تلك البرامج"، مؤكداً أن "الظاهرة لا يمكن اخفاؤها بشكل كامل لأن آثارها كبيرة ومسألة العلاج تحتاج الى وقت".
تجدر الإشارة ختاماً إلى أن عدّة دراسات بحثية أكدت أن أهم الأسباب التي تدفع بالعميل إلى هذا السلوك هو الانتقام المجتمعي. ومن هنا، تبرز مصلحة المجتمع بعدم نبذهم وتهميشهم، كي لا يكون ذلك دافعاً لهم للانتقام والسير في الطريق ذاته.