| 

نقاش معمّق لعمل منظمات المساعدة الدولية يقود المعنيين إلى نتيجةٍ صادمة: هي تقدّم مساهمة مجزية تتيح لإسرائيل أن تتمتّع بمواصلة احتلالٍ خمس نجوم. طبعاً، يمكن استجماع كل التحفظات، المشروعة أو المناكِفة، وإغلاق النقاش. يمكن القول إن ما خلف السؤال هو دعوة لرحيل كلّ من يساعد الفلسطينيين، كلّ "فاعلي الخير"، وترك الشعب الواقع تحت الاحتلال واللجوء يقاسي وحده.
هذه المحاججة هي بالضبط ما يغضب كلوي روزفن، مخرجة الأفلام الوثائقية المعنية جداً بهذا النقاش. فقد حملت المخرجة البريطانية كاميرتها قبل عامين إلى فلسطين، لتنجز فيلماً يحاول فهم كيفية عمل جمعيات المساعدة الدولية غير الحكومية (NGOs)، وما الذي حققه آلاف المتطوعين الذين لم يكفوا عن التدفق إلى الأرض المحتلّة. الخلاصة التي يخرج بها الفيلم هي القول إن ثمار عمل تلك الجمعيات تنتهي، عن وعي أو تجاهل، في سلة الاحتلال ولصالح رفاهيته.

"إبقِ فمك مغلقاً"

أحد الأسباب الرئيسية التي حركت روزفن هي كون جدّيها من "المتطوعين القدامى". عملوا على مساعدة اللاجئين الفلسطينيين، في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وقد أنشأوا منظمة للمساعدة الطبية مع فروع لها في لبنان. بعد سنوات من العمل، اختاروا الحديث علناً لفضح سياسات الاحتلال، رافضين العمل وفق مبدأ "ساعد إذا أردت، لكن إبقِ فمك مغلقا". ردّاً على انتقاداتهم المتكرّرة، طردتهم سلطات الاحتلال بعدما أعطتهم مهلة 24 ساعة للمغادرة، بوصفهم أشخاصاً غير مرغوب بهم.
تستحضر المخرجة قصة جدّيها، وهي تصقل ردهاً على من يهولون ضد النقاش، مسارعين للقول/ "تريدون أن يجوع الفلسطينيون؟". هذه "الاسطوانة" التي سمعتها مراراً تجعلها تردّ بانفعال: "أنا غاضبة جداً من هذا الجدل. القضية ليست في مغادرة منظمات المساعدة أو بقائها، بل بالخروج والحديث علناً عن هذا الهراء".
نذكرها بأن جدّيها كانا من بين من افتتح هذا المسار الذي تهاجمه، فتوافق جزئياً وتصرّ على التصويب: "حينها، كان هنالك القليل جداً من المتطوعين في الأردن وفلسطين. لذلك، كانا جزءاً من هذه الحركة الأولى. لكنهما كانا، بطريقة أخرى، أكثر نزاهة لأنهما عرفا أن الرؤية الرومانسية للذهاب والذهاب بها لمساعدة الناس ليسا كافيين. حين رأيا كيف تم إفساد ذلك سياسياً، وكم كان الاحتلال الاسرائيلي عنصرياً ضد الفلسطينيين، قررا أخذ موقف سياسي من ذلك والاحتجاج العلني عليه".

جبهة مضادة لفاعلي الخير

كانت المخرجة تتحدث بعد تحمية قامت بها في جولة نقاش طازجة. عُرض فيلمها في النسخة الخامسة لمهرجان "عين على فلسطين"، الذي يقام سنوياً في بروكسل الذي يسعى لإخراج فلسطين من إطار نشرات الأخبار. بعد العرض، أقيمت جلسة حوارية، ضمت إلى المخرجة مجموعة من المعنيين.
مجمل الحديث جعل من الواضح استهداف "فاعلي الخير" (وهو عنوان الفيلم أيضاً) تعدّى النقاش إلى الفعل، قبل الفيلم بكثير، وصرنا أمام جبهة عمل ضد منطق المساعدة السائد.
من جمعيته الماثلة في خطوط هذه الجبهة الأمامية، يقول فرانسوا سارماانيان: "عدد الجمعيات غير الحكومية في بلجيكا حوالي المئة، والحكومة تقول لنا هذا كثير، بينما في فلسطين عددهم حوالي ثلاثة آلاف جمعية". يترك للرقم الكبير أن يحدث وقعه، قبل أن يواصل: "فلسطين أكثر مكان يتلقى مساعدات، لكن هذا ليس عبثاً، بل كي يمكن جعل الاحتلال قابلاً للعيش تحته".
فرانسوا كان متعاطفاً متحمساً للذهاب إلى فلسطين والمساعدة، مثل كثيرين. في الأساس، دراسته تدفعه لذلك، إذ أنهى تخصصاً في دراسات "الاستعمار وإزالة الاستعمار". حين سافر إلى الأراضي المحتلة، وجد من يقول له: "إذا أردت المساعدة، إذهب واعمل ما تسطيع من بلدك". وهكذا كان. هذه القاعدة تطبقها جمعية "التضامن الاشتراكي" البلجيكية التي يعمل فيها الآن.
الميزة التي تقدمها الجمعية، كما يشرح، هي مناقضة مبدأ العمل "الفاسد" الذي يتبعه سواد "فاعلي الخير": "من القواعد الرئيسية عدم حمل مشاريع "مساعدة" جاهزة، والذهاب لتطبيقها هناك. نحن نعمل مع شركاء محليين، الجمعيات الفلسطينية، ونترك لها تحديد الخطط والمشاريع والإستراتيجية، ثم نتحدث هنا مع صناع القرار لدعمها. نحن نرفض ربط دعم المشاريع بشروط سياسية".
"الجبهة المضادة": ما معنى الحياد هنا؟!
أكثر ما يزعج نشطاء "الجبهة المضادة" هو حزمة الشروط التي يتوجب على منظمات المساعدة، أو من يستفيد منها، التوقيع عليها لتلقي التمويل. أبرزها: التعهد بعدم الحديث عن "الاحتلال"، برغم أنه الواقع بإقرار من الأمم المتحدة. هناك أيضاً مبدأ رفض "العنف"، ما يعني تجريم المقاومة غير السلمية. وهو أيضاً بند مخالف للقوانين الدولية التي تحفظ حق الشعب المحتَل باستخدام كل الوسائل للمقاومة وتحرير أرضه. تذهب الشروط أيضاً لتحدّد لـ "فاعلي الخير" من يستفيد من مشاريعهم، إذ يتعهدون بعدم إفادة من يستخدمون "العنف" أو "الإرهاب"، طبعاً وفق التحديد الاسرائيلي.
سلسلة الشروط يمكن، في النهاية، تسميتها بشكل ملطف بـ "الحيادية". قناعة "فاعلي الخير" بهذا التطليف تثير امتعاض ناشطي "الجبهة المضادة". يقولون إنه نظراً للمجال الفعال والواسع المتاح أمام جميعات المساعدة لرفع الصوت والاعتراض، يمكن اعتبارها "شيطانا أخرس" طالما ارتضت السكوت.
هناك من تشبّع بالواقع الفلسطيني لدرجةٍ تحمله على إطلاق هذه الأحكام. الناشطة الخمسينية ماريا بلوم، مدرسة بلجيكية للغة الفرنسية، وكانت مارست مهنتها في غزة لحوالي العقد حتى 2005. تجربة غنية جمعتها في كتاب أصدرته بعنوان "فلسطين في عيني".
من قلب تلك المعايشة، تقول إن "منظمات المساعدات يجب أن تكون حيادية، لكني لا أعرف كيف يمكن أن تكون حيادياً في فلسطين". ترى أن الأمر ليس بريئاً، وتتحدث عن دور هدّام تؤديه تلك المنظمات وشروط عملها، حين تعمم صورة من هم أهل للمساعدة ومن لا يستحقونها: "نحن ندمر المجتمع الفلسطيني، وهنالك قاموس جديد مع مصطلحات مثل المنتفعين وغيرها".

سبعون عاماً إغاثة؟

في فيلم روزفين، تحتل الناشطة الفلسطينية لبنى مساحة بارزة، بعدما التقت بها المخرجة ووجدتها بمثابة "الهدية" كونها تتبنى لهجةً حادّة ضد حشود منظمات الاغاثة. انتقاداتها تلقى تأييد بروفسور علم الاجتماع في جامعة "لوفن الفرنكفونية" في بلجيكا غي باجوا. عمل في أبحاثه على موضوعات متصلة بالقضية مثار النقاش، منها السياسة الاجتماعية والتحرك الجماعي والتغيير الاجتماعي. يقول متحدثاً لجمهور ملأ مقاعد الصالة :"أنا أوافق مع لبنى، فحتى لو أن المساعدة الاغاثية ضرورية لكنها ليست طريقة لخلق التنمية. إنها شيء مختلف تماماً، فهي تتم عادة في حالة طوارئ".
القصد واضح هنا. طالما أن الجهود هي للاغاثة، فليس معقولاً، وفق "الجبهة المضادة"، أن تستمر عملية إغاثة لقرابة سبعين سنة. السكوت برأيهم ليس بريئاً، ومواصلة "الاغاثة" لها منافع عديدة.
يقول البوفسور إن عمل الجمعيات يتطور، ويتشكّل في سلسلة مصالح تحتاج أن تستمر في الدوران. ما يدفع جميعات إلى تقديم مشاريع للحفاظ على تمويلها، حتى لو كانت خلبية. والفيلم الوثائقي قدم نماذج من هذا النوع. كوادر عمل الجمعيات تنخرط في صناعة هذه "اللاجدوى" أيضاً، للحفاظ على وظائفهم ذات الرواتب العالية وميزات رفاهية عديدة متاحة لمن يصنفون "خبراء في التنمية".
النقاش كان محتدماً في الصالة. وعلى المقعد المجاور، هناك من يذكر بعض أصحابه بتلك "المحتالة". هذه ضريبة وجود "شخص مشترك". كلما قدم المعترضون صفة جديدة لحشد سلبيات جمعيات المساعدة وموظفيها، يقفز الصوت مجدداً ليكرر: "كأنهم يتحدثون عن تلك المحتالة". واتضح ذلك بشكل لافت لما تحدث البروفسور باجوا عما يشبه "فيروساً ثقافياً"، ينتهي إلى "مرض" مزمن يصيب عمل الجمعيات الغربية. يقول راصداً تطوره: "إنهم يأتون من الشمال حاملين للجنوب نموذجاً جاهزاً للتنمية يريدون تطبيقه. لا يعيشون مأساة الآخر بل يقيمون في فنادق مرفهة. لاحقاً، يتطور أسلوب تعاملهم، فينظرون بانتقاد، ثم بعنصرية، لأن هؤلاء الفلسطينيين لا يلتزمون بتطبيق النموذج الذي جلبوه لهم".

الصورة.. بالأبيض والأسود

بالنسبة إلى جارنا المتكدر، كان البروفسور كمن يرسم ملامح هذا النموذج، و"المحتالة" تجلس أمامه. هي شابة بلجيكية، أباً عن جد، ذهبت إلى فلسطين لتعمل متطوعة. كان الهدف الجوهري، والمشروع طبعاً، أن تدعم سيرتها المهنية بخبرة عملية مهمة تؤهلها للفوز مستقبلاً بوظيفة جيدة. بدأت متطوعة، ثم حصلت على وظيفة في جمعية مساعدة تنشط في رام الله. صارت تتلقى راتباً جيداً. مع الوقت، صارت تحتج على فوضى الموظفين الفلسطينيين، ثم تشكو بحجة أنها تستحق راتباً أكبر. في النهاية، خلال إحدى مكاشفاتها، باحت بأنها كانت تتلقى من الحكومة البلجيكية راتب البطالة، بعدما خبأت أنها تتلقى راتباً من عملها في فلسطين.
لكن أعراض المرض "الثقافي" التي تم وصفها، تذكر أيضاً بمن يحمل مناعة قيميّة ضدها. قبل سنوات، التقينا جون ماري دانسيت، التاجر الذي كان حفظ من عمل معه مقولته الشهيرة "الفلسطيني لا يحتاج أن نعطيه سمكة، لأن عنده ما يكفي، ولا يحتاج أن نعلمه كيف يصطاده لأنه يجيد ذلك، لكن يمكننا الشراكة معه لتسويقه". حتى الآن، تختص شركة دانسيت، الرابحة بالمناسبة، باستيراد المنتجات الفلسطينية وبيعها في أوروبا.
صحيح أنه لا يمكن التعميم، سلبياً أو إيجابياً، لكن دانسيت بدوره كان يهاجم بحدة مئات جمعيات المساعدة المنتشرة في فلسطين. وفي الصالة، كان هنالك من يكرر أن رؤية مجمل الصورة تشرّع التشكيك، إذ ببساطة، "لا بد أن هناك خطأ ما".
وكي لا يؤخذ الحديث كما لو أن هنالك "أجانب" يمارسون هواية التنظير، حضرت شهادة الفلسطيني الذي كان جزءاً من "آلة" جمعيات المساعدة ويمكنه تشخيص علّتها من داخلها.
يقول يزن العويدات لمن يهمهم الأمر إن عمل "فاعلي الخير" يؤدي في النهاية إلى "احتلال خمسة نجوم". لا يتخلى عن روح الدعابة، ويبني جدله كالتالي: بعد اتفاقية أوسلو، تعهد المجتمع الدولي بدعم المؤسسات الفلسطينية، بهدف الوصول لحل الدولتين، لكن هذا لم يحصل. مع ذلك، صار ممولو السلطة الفلسطينية، ومنظمات المساعدات، تنهض بمسؤوليات تفرض القوانين الدولية على الاحتلال تحملها. مسؤوليات مالية وتنظيمية وتنموية، وكلها تحتاج إلى نفقات يوفرها المحتل لخزائنه الآن.
النواقص والسلبيات تمتد لتشمل عمل منظمات المساعدة بحدّ ذاته. عمل العويدات في هذا المضمار، ويقول ساخراً: "أكثر عمل رابح الآن هو إقامة ورشات العمل لتعليم كيف تملأ استمارات الحصول على التمويل من الجمعيات الدولية. حتى خلال الحرب على غزة، بدأ العمل على مشاريع ومقترحات للتمويل. أنا نفسي كنت واحدا منهم، أكتب مقترحات، لأني أردت أيضا راتبي".

فاعلة خير مستقيلة

لدى العويدات شكوك مستحكمة بجدوى "الخير" الذي تقدمه المساعدات والإغاثة. مهنته الآن راقص ومصمم رقص. وحتى هذا المجال، يقول إنه مرتهن بشكل سلبي للمساعدات. لديهم مهرجان رام الله للرقص المعاصر، ويعتمد على تمويل أوروبي بنسبة كبيرة، لهذا تكون النتيجة وفق ما يقدمها :"إذا تم إيقاف التمويل يتوقف المهرجان".
فيلم روزفن يمر أيضاً على نماذج انتهازية. يرصد مشاريع تصرف عليها ملايين الدولارات، ولا جدوى منها سوى "إسكات الناس". في الفيلم، يسخر أحد الفلاحين الفلسطينيين من الطحين والعدس الذي تقدمه الأمم المتحدة. يقول إنه لا يحتاج ذلك، بل يريد من يساعده في الضغط على الاحتلال، كي يعود لاستثمار أرضه بنفسه ليحصد عدساً وطحيناً.
ناشطو "الجبهة المضادة". يتحدثون عن ضرورة تغيير فلسفة عمل جمعيات المساعدة، لتكون "كيف نشارك في بناء نظام يقود إلى مغادرتنا": أي، أن تقدم الجمعيات مساعدات للفلسطينيين، بحيث يمكنهم المراكمة والاستغناء عنها في النهاية.
مخرجة الفيلم أعادت التذكير بأن موظفي تلك الجمعيات، بما فيها وكالة غوث اللاجئين "الاونروا"، كانوا يعترفون لها بأنهم يسكتون عن عطب يمس جوهر عملهم. كل ما هنالك أنهم يرفضون قول ذلك علانية. لذلك، تتمنى كلوي روزفن أن يأتي يوم تستقيل فيه هذه الجمعيات في احتجاج صاخب: "أن يخرجوا ويقولوا: نحن نستقيل وهذه هي الأسباب، ولهذا كل قضية المساعدات هي هراء. تحرك كهذا سيحدث ضجة وحينها سنصغي".
انتهى الفيلم بشجارٍ حاد بين المخرجة والناشطة التي رافقتها. غادرت بعدما صارت تحس ألا مكان لها هنا، بوصفها "تلك الأجنبية التي تأتي للمساعدة". مع ذلك، لا تزالان صديقتان، وتخرجان معاً في بعض النقاشات. حين نسأل روزفن إن كانت تهجس بالعودة لفلسطين كي تلاحق أسئلة جديدة، تقول إنها وعدت صديقتها بزيارتها كضيفة.. "ولن أعود أبداً كفاعلة خير".