| 

كلما وصلت مدينة عمّان مسافرةً إليها من عكّا عبر البرّ، أتفاجأ من جديد، وأكرر تلك الجملة التي تعبر عن مفاجأتي: "من عكّا لعمّان 4 ساعات!"، وأضيف: "تخيّلوا لوّ فش حواجز..".
وصلت عمّان في يوم جمعة، والتقيت بأصدقائي، إن المقيمين فيها أو الوافدين إليها لزيارة سريعة أو مؤقتة، وهم كثر. فلمدينة عمّان صفة "الترانزيت" أيضاً، الكلّ يمرّ منها، ويمشي بشوارعها، ويشكّل جزءًا من جماليتها، كأنها تتحوّل بالنسبة لفلسطينيّة مثلي وافدة من الأرض المحتلة إلى ملجأ دافئ، تهرب إليها من لغة الغرباء وترمي بنفسها في لغتها ولهجاتها، رغم كلّ الخراب.
يتمحور البرنامج العمّانيّ حول سياحة الأصدقاء والشّوارع والمقاهي والبارات من جهة، وحضور النشاطات الفنّيّة والثقافيّة المتوفرة خلال فترة الزيارة من جهة أخرى. قسم من زيارتها هو فعلٌ مخطط له، وقسم منها عفويّ جميل. في مساء يوم وصولي عمّان، حضرت عرضًا لفرقة "سلالم" الموسيقيّة المصريّة. وخلال استماعي للأغاني، كانت سعادتي تكمن في وجهين: الأول هو أني أستمع إلى أصحاب أغنية "الزول" ببثّ حيّ ومباشر، ثانيًا أني موجودة في مكان يمكن لي أن أمشي فيه من الكرسي الذي أجلس عليه إلى البار واصطدم بثلاثة أشخاص يتكلم كلّ منهم العربية بلهجة مختلفة.

الخيري يرسم قلم الماغوط

المهم. الجزء المخطّط في زيارتي إلى عمّان يُملي مشاهدة معرض "محمد الماغوط" للفنان نضال الخيري (الرملة/ عمّان)، الذي أقيم في "دارة الفنون". وهو بمثابة رسوم وجداريات مستوحاة من نصّوص الشّاعر والكاتب السّوري محمد الماغوط (1934 – 2006)، أحد أبرز الأصوات النّقديّة في المنطقة.
تُسمّى القاعة التي تحتوي المعرض في "دارة الفنّون" بالمختبر، وهي إحدى قاعات العروض في الدّارة الواقعة في منطقة جبل اللويبدة. عند دخول المعرض، يرى الزائر فورًا رسوم نضال الخيري على جدران القاعة البيضاء. لما وصلت القاعة برفقة صديقة لبنانيّة وصديق مصري، طلب منا الخيري أن نتوجه إلى القاعة الداخلية لمشاهدة فيديو قصير عن الماغوط، كمقدمة ضرورية لما ستأتي به رسوم الخيري من مواد للتفكير.
على شاشة بيضاء، بُثّ مقطع من مقابلة أجرتها قناة الجزيرة ضمن برنامج "أدب السّجون" قبل رحيل الشّاعر بفترة قصيرة، صورت في بيته وهو يروي تجربته في سجن المزة في دمشق، وكيف حفرت هذه التّجربة عميقًا في نفسه وتسللت إلى قلمه. يبدأ المقطع بحديثه عن السّجن، ويقول بلهجته الشّاميّة: "السّجن مثل الشّجرة إله شروش، شروشه بتروح على القصيدة، على المسرحية، على الفيلم، بتروح على الفم اللي عم بتقبليه، على الصّدر اللي عم ترضعي منه، على الله اللي عم بتصلي له".
قرار الخيري بأنّ يضم المعرض مقابلة مع الماغوط مبنيّ على كونها مدخلًا إلى المعرض، بالإضافة إلى أنّه لا يسلّم بضرورة أن يعرف كلّ الجمهور الشّاعر، حيث يشكّل هذا المدخل ملخصًا عن شخصيته وتوضيحاً لما تحكيه الرسوم، بما في ذلك تركيزها على السّجن والخوف وأثرهما على الإنسان. يقول الخيري في حديث خاص: "أظنّ أنّ مشاهدة المقابلة تجعل الرسوم منطقيّة أكثر".

قراءة بصريّة للنصّ

الرسوم التي ملأت جدران القاعة، مستوحاة من نصّوص وقصائد عديدة كتبها محمد الماغوط، في "سأخون وطني"، "شرق عدن غرب الله"، وإصدارات أخرى. وهي عبارة عن نقل بصريّ لقراءة الفنان لهذه النصّوص، كان قد رسمها على ورق بأحجام صغيرة ثم نقلها إلى الجدران. كل رسمة منها هي قصّة بحدّ ذاتها، لكن ثمة خطّ واحد يجمع بين الرّسوم كافة: تصوير الواقع القاسي، التي لم تنته قسوته حتى يومنا هذا. سجون ودمار ودم وخوف وأنظمة قمعيّة ورجعيّة، ... التّصوير يأتي بالأساس من رفض هذا الواقع. واقعٌ حاضرٌ في نصّوص الماغوط وفي رسوم الخيري عنها.
لا يظهر وجه الماغوط إلا في لوحتين فقط. وبالإضافة إلى الرّسوم، كتب الخيري بعض جمل الشّاعر على الجدران، مثل: "وحدهم الفقراء يستيقظون مبكرين قبل الجميع، حتى لا يسبقهم إلى العذاب أحد". كما أنّ المعرض يعيد الاعتبار لشخصية الماغوط النقديّة والرافضة والتي تنقل الواقع بصدق، إلا أنّه يأتي أيضًا للتشديد على أفكاره التي حملها، والتي تشبه أيضًا أفكار شخصيات كرر اسمها كثيرًا نضال الخيري خلال لقائنا، منها الفنان الفلسطينيّ ناجي العلي والشّاعر العراقيّ مظفر النواب، التي يصفها نضال بالأصوات الصّادقة، ويضيف: "وما عندها ذقن ممشطة".
يروي نضال الخيري أنّ علاقته بالماغوط بدأت مع بداية الثّورة السّوريّة: "منذ أنّ صار شرخًا بين الناس والأصحاب حول قضية سوريا". ويضيف: "خلال الفترة الأولى لقراءتي، كنا مليئين بالحماس، وخرجنا إلى الشّارع. وعلى الرغم من حاجتنا إلى الأمل، كانت نصّوص الماغوط متشائمة.. هو الذي يحمل أمنيات عديدة مثل إغلاق المعتقلات والسّجون والفقر، لكن الأحداث تزداد سوءًا يومًا بعد يوم. ومع ذلك، أصبح حديثه منطقيًا أكثر مع مرور الوقت. كانت الشّجرة بالنسبة إلي رمزًا للأمل، لكن حديثه عنها، وربطها بالسّجن والخوف، غيّر فكرتي رأسًا على عقب".
حين سألته عن المواد المستخدمة في الرسم، أجاب الخيري: "قلم ونصف ماركر أسود، ودهان أسود. وحين يجف الدهان عن الفرشاة، تعطي لونًا رماديًا"، ويضيف: "ليس شرطًا أن يملك الإنسان أدوات ومعدات كثيرة كي يُنتج. أشعر بأنّ هذا الأمر واضح في السّجون، بمعنى أنّ السّجين قادر على بناء مُجسم من عود تخليل الأسنان".

تُمحى..

أحد الأسئلة التي تداولها زوار معرض "محمد الماغوط" حين رأوا الرّسوم على جدران قاعة العرض: "كيف يمكن لنضال أن يمحوها بعد انتهاء المعرض، من أين له هذه الجرأة على محو ما رسمه؟". يجيب نضال: "تنمحى"، ويضيف: "قال لي مرة الفنان اسماعيل شموط، حين ترسم رسمة أو لوحة ضع كل جهدك فيها، ومن ثم احمل سكين ومزقها، لا ترتبط بالعمل، لا تربط نفسك بالعمل الفنّي، فأنت الذي يُنتج هذا العمل، وأنا مقتنع بما قاله".
تحمل أعمال نضال الخيري الفنّيّة مقولات سياسيّة واجتماعيّة عديدة، سواء في معرضه "محمد الماغوط" أو في أعماله السّابقة. هذه المقولات لا تأتي نتاج قرار، إنما كجزء من سيرورة حياته كفلسطينيّ، حيث شكّلت الانتفاضة الأولى القاعدة الأساسيّة لهذا المسار، "طول عمري هيك"، يقول الخيري. ويضيف: "ممكن أنّ يحمل الفنّ جماليات ما، مثل أن يُرسم بورتريه جميل بصريًا، لكني أرتاح أكثر مع التّوجه الذي أعمل به، فكل الفنانين الذين أُعجبت بأعمالهم يحملون مقولة تنقل الواقع وترفضه، بما فيها من مطالبة بتغييره.. أشعر بأنّ على الفنّ أن يكون هكذا، من الممكن أنّ أغيّر طريقتي بالرسم، أنّ أُبحر في أكثر بالتفاصيل، لكن المقولة هي ذاتها".

قصص على هامش المعرض

تلقّى الخيري ردود فعل عديدة إزاء المعرض، لكن قصّة واحدة بقيت معه، يرويها لأصدقائه والمقرّبين منه. كان ذلك في أحد أيام المعرض، لما مرّ بجانب الشّباك مجموعة من طلاب مدرسة قريبة من القاعة، فنظر إليهم الخيري ودعاهم للدخول. سألوه: "هذا شغلك؟ حلو"، ومن ثم سألوه: "إنت مسلم؟"، أجابهم: "شو دخل؟ طيب، عيلتي مسلمة"، من ثم سألوه: "طيب محمد الماغوط مسلم؟"، أجابهم: "اسمه محمد. بس شو قصة الأسئلة عن الدين؟". فجأة، انضم إليهم صديقان اثنان، أحدهم عرّف عن الثّاني بأنه شيخ، جميعهم في الرابعة عشرة من عمرهم. يضيف الخيري: "نظر الولد الذي عرّفوه بالشيخ إلى كتاب "شرق عدن غرب الله"، سأل عن المعرض فأجبته. من ثم سأل عن جملة الماغوط التي كتبتها على الحائط: "اتفقوا على توحيد الله وتقسيم الأوطان"، فأجبته بأنها تمامًا كما سؤالكم عن ديني. وقلت لهم بأنّ الماغوط ذكر حبّه للقرآن والشّيخ عبد الباسط عبد الصمد، حرّكوا رؤوسهم، ومن ثم قال أحدهم بأنّ الماغوط هو شاعر يعبّر عن نفسه، ولكن بالنهاية هو شاعر لا يفهم الحياة! ومع ذلك، دعوني لأنّ أرسم جدارية لديهم في مدرستهم. وشعرت أنّ هذا النوع من التّجاوب أفضل من الطبطبة على الظهر".
قبل أن أنهي لقاءنا، سألت نضال: "من ماذا تخاف؟"، صمت قليلًا وأجب: "ولاو، ما بعرف، عم بفكر.. بدها صفنة"، قلت له: "أُصفن طيب"، فقال: "لا مش هلق، بدها قعدة".
لم أحصل على إجابة منه، لكنه سرد قصّة حصلت على هامش المعرض، وطلب أنّ أضيفها إلى هذا التّقرير، هو الذي يحب سرد القصّص. فخلال رسمه أحد رسوم المعرض، وكان حينها يعاني من إمساك في المعدة، والرسمة هي بمثابة رجل يرتدي زيًا عسكريًا يحوي جدراناً وبيوتاً مهدمة وناساً. دخل إلى قاعة المعرض رجل طويل القامة، يرتدي زيًا عسكريًا رسميًا، يبدو بأنّه وصل لاستكشاف المكان، حيث من المفترض كان أنّ تزوره شخصية هامة. حينها، كان الخيري يقف على سلم طويل يكمل رسمه، إذ بصديقه يقول للرجل: "هاد الفنان نضال"، "ولما شفته، حلّلي مشكلة معدتي"، قال نضال، وضحك كثيرًا.
قبل أنّ نخرج من المعرض، طلب نضال منا أن نختار اقتباساً من كتاب "شرق عدن غرب الله" الذي وضعه أمام جدار، ونكتبه عليه، إلى جانب اقتباسات عديدة كتبها زوار المعرض. أمسكتُ القلم الأسود، وكتبتُ على عمود عند وسط القاعة الاقتباس التالي لمحمد الماغوط: "بعد كل هذه الواقعية في الأدب والسّياسة والحب والزواج والإنفاق والإنجاب.. كيف يمكن أن أحلم وبأيّ شيء؟".