| 

انتهى أسبوعٌ آخر، وها أنت تعود مرّة أخرى إلى النّاصرة - من القدس، من حيفا، من يافا، أو أيّ مكانٍ كنت انتقيته لتبتعد عن نكد المدينة. وها أنت فيها مرّة أخرى. تستقبلك مدينة بعيدة كلّ البعد عن واقع البلاد - عامرة، مرتّبة، مهفهفة، وبحسب آخر تقرير عن القناة العاشرة الإسرائيليّة - باريسيّة. لا بل هي باريس بذاتها. أو اسطنبول. أو أيّ بلدٍ أوروبّي آخر.
في نهاية شباط الماضي، أصدرت القناة العاشرة الإسرائيليّة تقريراً مصوّراً، مدّته عشر دقائق، يستعرض بضع مطاعم ومأكولات نصراويّة في جولة طهويّة استكشافيّة. التّقرير يستشرق النّاصرة من جهة ويربطها مراراً بـ "إسرائيل" الاسم والصّفة من جهة أخرى، ويعزلها عن محيطها. يصوّرها أوروبّيّة وشرقيّة، ويلتهمها بلهفة طفل اكتشف حلوى جديدة. لكن قبل الخوض في تفاصيل التّقرير، من المهمّ التّأكيد على ما يستعرضه: في النّاصرة فعلاً ما لذّ وطاب من المأكولات - وقد شهدت هبّة "طهويّة" كبيرة في العقد الماضي. لكنّها ليست الوحيدة في براعتها، وهي بالتّأكيد ليست إسرائيليّة.
"التّكرار بيعلّم الحمار"
يردّد معدّ التّقرير نيف جلبوع الكلمة كعابر في حلم. يحاول ترسيخها في ذهنه وذهن المشاهد معًا. لا تمضي عشر ثوانٍ على بداية التّقرير فنكون قد سمعنا خلالها الكلمة مرّتين: "النّاصرة - عاصمة إسرائيل الطّهويّة الأصيلة". تتألّم، تبلع ريقك، ليس شهوةً، إنّما تخوّفاً من العشر دقائق الآتيات. ويكمل: "فيها المأكولات الشّعبيّة الأفضل والموادّ الخام المحليّة الأفضل في إسرائيل. كما فيها الثّقافة الأوروبيّة." كلّ هذا في النّفس الأوّل من التّقرير. يقف المرشد جيل لاهاف في ساحة العين في مركز النّاصرة ويعرض مشروع السّاعة أمام مجموعة من الطّهاة التّل أبيبيّين: "اليوم سنشرع في جولة طهويّة للبحث عن المذاق المثالي". في مشهدٍ آخر، نراه يعطي أحد الطّهاة ملعقةً من اللّبن ليتذوّقه: "تعال، سأعطيك من أفضل الألبان الّتي ستتذوّقها في إسرائيل"، يقول. وبعدها بدقيقة يعود مقدّم التّقرير للتّأكيد: "وفعلاً، في السّنوات الأخيرة تحوّلت النّاصرة إلى العاصمة الطهويّة في إسرائيل". يردّدها كمن يعقص ذاته ليتأكّد: إنّها حقيقيّة، و "إسرائيليّة".
وجبة من الاستشراق
في "الحلم" ذاته، يتصرّف الإسرائيلي ذاته كسيّد المكان القادم من بعيد ليراقب تحرّكات المحليّين ويعجب بها. يعرّف عن المدينة واسمها فيقول: ""نتسرات" (الاسم العبري)، أو كما يسمّيها المحليّون - النّاصرة - هي إحدى المدن الجميلة من غير أن تعي ذلك بنفسها". يروي لنا اسمها كما نسمّيه، كرماً منه، ويصف محاسنها بطريقة مشابهة لافتتاحيّة "ديزني" في فيلمها عن "علاء الدّين". يعرّفنا عليها. "هي محاطة بالجبال والسّحاب الّذي يكاد يلمس الوادي، ويغطّي كلّ شيء بالضّباب والمطر النّاعم… تعجّ بالكنائس والمساجد، والآن أيضاً بأماكن الطّعام والملذّات". تقول إحدى الطّاهيات في الجولة عند سؤالها عن الحمّص بأنّها لم تتذوّق مثيله: "أشعر بأنّني تذوّقت الحمّص لأوّل مرّة في حياتي"، تغمض عينيها وتقطّع كلماتها في نبرات متعاقبة: "لا. مجال. للمقارنة". وتقول تعقيباً عن جولتها لاحقاً: "إنّه الطّعم والطّراوة. وقفنا في المطبخ في دقيقة صمت. وقفنا وأكلنا وبكلّ بساطة ذرفنا الدّمع". دموع الفرح، طبعاً.
واستكمالاً للوصف الاستشراقي - الاستيطاني، يقول معدّ التّقرير: "في السّاعة العاشرة صباحاً من يوم السّبت، ترى متذوّقي الطّعام يفدون في حجّهم من تل أبيب إلى النّاصرة". ويسأل المرشد أحد الطّهاة عن رأيه في ذلك، فيجيب بأنّ لكلٍّ هدفه - هو يعمل في مطعم إيطالي ويستخدم الكثير من اللّبن فيه، واليوم اكتشف بضعة مواد "قد يستطيع إحضارها معه" عودةً إلى تل أبيب "لتحسين لائحة الطّعام" في مطعمه. إذًا يكتشفون الأرض الخام وموادها، يتفحّصون ما يمكن استخدامه لرفع مستوى معيشتهم، ويحضرونه عودةً معهم. يحبّون المحلّيّين من بعيد لما يقدّمونه من ملذّات وأطايب، ويعودون إلى بلدهم ليخبروا عن عجائب البلد وبراعة محلّيّيها.
المحتلّة المعزولة
لكنّ هذه المبالغة والتّحبّب المصطنع تجاه النّاصرة وسكّانها يعودان إلى ما قبل احتلالها. فمنذ النّكبة، حظيت النّاصرة وسكّانها بمكانة خاصّة في قلوب الإسرائيليّين. ليس لسواد عيونهم، طبعاً، وإنّما تخوّفاً من ردّ فعل العالم المسيحي والفاتيكان. فبدل تدميرها عشيّة 16 تمّوز 1948، هدّد بن غوريون بتدمير من يمسّها أو سكّانها بأذى. تلك كانت أوامره في 15 تمّوز 1948، في رسالة إلى رئيس هيئة الأركان العامّة يغال يادين، وقائد الجبهة الشماليّة موشيه كرمل: "إن كنتم على وشك احتلال النّاصرة، عليكم بتجهيز قوّات خاصّة - موثوق بها ومنضبطة… وعليكم بتفادي أيّ إمكانيّة للنّهب أو تدنيس الأديرة والكنائس. لن نرحم أيّ محاولة لجنودنا للسّلب - وسنواجه جنودنا بالنّار". وعمل موشيه كرمل على تطبيق أوامر بن غوريون فخاطب قادته ومجنّديه: "أنتم على وشك دخول المدينة…مهد المسيحيّة، مدينة مقدّسة لملايين النّاس، عيون العالم المسيحي مركّزة عليكم. هنالك العديد من الكنائس والأديرة والأماكن المقدّسة. جنودنا سيحاربون الغزاة بشراسة… لكنّهم سيبتعدون عن تدنيس المقدّسات. لن يدخل جنودنا الكنائس ولن يحاربوا فيها إلّا في حال أوامر مغايرة. لن يمسّ جنودنا أيّ شيء من هذه المدينة". وفي نقاشهم عن إخلاء السّكّان أو عدمه، رفض بن غوريون إخلاءهم وأمر بإبقائهم في النّاصرة تخوّفًا من رقابة العالم لهم.
وهكذا استخدمت النّاصرة كعظمة للعالم المسيحي لتظهر المستعمر كحضاريّ، آملين أن يغضّ الطّرف عن النّهب والسّلب والهدم وعشرات المذابح الّتي ارتكبها وسيرتكبها في ما بعد. وهو توجّه صهيوني استعماري بحت ما زال متّبعاً طبعاً في رؤيتهم للفلسطينيّين - باعتبار المسيحيّين آراميّين مثلًا وفصلهم عن شعبهم بتنوّعه الدّينيّ.
"أنا في عالمٍ آخر"
كما كانت النّاصرة المدلّلة العربيّة الوحيدة التي نجت من بطش المستعمر بفضل "أوروبيّتها" و "فاتيكانها"، المدينة العربيّة الوحيدة الّتي نجت من التّدمير والتّهجير، هي حتّى الآن تنجو بفقاعتها. ما زال الصّهيوني يدلّلها بسياحته إليها بالأساس، وبمنحها مكانة خاصّة ومختلفة عن غيرها من المدن العربيّة المحتلّة. فنرى في نهاية التّقرير تأكيدًا على فصلها في عقل الإسرائيلي عن محيطها الفلسطينيّ: "لوهلة، نسينا تصوّرنا عن الناصرة - لم نشعر بالظّلم أو الغضب، لكنّنا شعرنا بالفقاعة، الّتي كنا نعتقدها ملك تل أبيب فقط". لكنّ الفقاعة النّصراويّة ليست التّل أبيبيّة. قد تشبه فقاعة رام الله بتحويلها سكّانها إلى كائنات استهلاكيّة، لكنّها لا تشبه تل أبيب. قد يتشبّه المستعمَر بالمستعمِر، لكنّ تركيبته أبدًا ستكون مختلفة. الأوّل يخلق الفقاعة الطّهويّة ليهرب من واقعه المستعمر (والّذي يتجرّعه يوميّاً من غير وعي أحيانًا)، وللثّاني الخيار في المغادرة أوالمقاومة التْعاونيّة مع المستعمَر، وفقاعته الاستيطانيّة هي الّتي مهّدت الطّريق إلى فقاعة المستعمر.
وبينما يربط التّقرير النّاصرة ببيروت ودمشق في ذكر تبادلهنّ الوصفات والبهارات منذ 400 سنة، يقفز بعدها من المقاربة التّاريخيّة نحو سياسة الفصل مجدّداً، فيتحدّث عنها كباريس. أو كقرية فرنسيّة نائية. فيسأل بحرارة مصطنعة وقت مشيه في سوق النّاصرة: "فليفسّر لي أحدكم - هل نحن في قرية فرنسيّة تحترف فنّ الطّعام؟ من أنتم النّاصرة؟ من؟". ويكمل فيقول: "أن تسافر لساعة ونصف وتقضي أربع ساعات في مكان كباريس… من دون الحاجة إلى الطّيران… إسمع، أنا خارج البلاد، أنا أسمع المؤذّن، أنا في عالمٍ آخر...هذه الرّوائح!".
الرّوائح واللّبن والعسل - من خلالها ينتقل المستعمِر من فقاعته لتذوّق فقاعة أخرى، "إكزوتيكيّة". لا يرى التّسلّح الداّخلي أو ارتفاع نسبة الإجرام ولا الاكتظاظ السّكّاني النّاجم عن صغر مسطّح المدينة. يأكل من كنافتها بفستقها الإيراني ويسهب في مديح باميتها وشنكليشها… ليشرب كأس سعادتها في مطعمٍ يطلّ على جبالها المحتلّة.