| 

في حزيران 1982، كانت الطبيبة البريطانية من أصل سينغافوري "آنغ سوي شاي" لا تزال أصولية مسيحية تعتنق تعاليم الكنيسة الإنجيلية المشيخية، حين صعقت بمشاهدة الطائرات الحربية الإسرائيلية وهي تدمّر لبنان: "كانت كنيستي تؤيد اسرائيل بالمطلق، لكن الله جعلني أبكي عندما رأيت الضحايا الأبرياء ومعظمهم من الأطفال يقتلون، وآلاف المنازل تُدمَّر"، تقول سوي. وبعد مضي شهر على ذلك، "استقلت من عملي في المستشفى وتطوّعت كطبيبة جراحة لإغاثة جرحى الحرب". ومن هنا، بدأت المسيرة، مسيرة سوي التي أصبحت في طليعة الداعمين لأحقية القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني في استعادة أرضه، مسخّرةً كلّ طاقتها لذلك.

طلبت منه الزواج، ونُفيا
لا تذكر الدكتورة سوي المختصة في جراحة العظام، اليوم الذي بدأ فيه إعجابها بزوجها "فرنسيس خو كا سيانغ" يتحوّل إلى حبّ كبير جمعهما طيلة حياتهما معًا. التقت سوي بفرنسيس في اجتماع حول العدالة والسلام في العام 1974، ولفتها التزامه الشديد بالعدالة الاجتماعية التي كان يراها في صلب الديانة المسيحية وفرضًا من فروضها. في العام 1976، شعرت بأنه سيتم اعتقاله من قبل "الأمن الداخلي"، فطلبت منه أن يتزوجها كي تتمكن من زيارته في سجنه، وتكون صلة الوصل التي تربطه بالعالم الخارجي. وتزوجا فعلًا في 29 كانون الثاني 1977.
عندما حضر الأمن لاعتقاله، لاذ بالفرار، فتم اعتقال سوي عقب ذلك لبضعة أيام سئلت فيها عنه. وبعد الإفراج عنها، انضمت إليه في منفاه في المملكة المتحدة.
فرنسيس هو أحد مؤسسي هيئة "المساعدة الطبية للفلسطينيين" عام 1984، وهو من وضع أسسها ومبادئها وحدّد رسالتها، وملأ الاستمارة الخاصة التي وضعتها المفوضية الخيرية البريطانية لتسجيلها كمؤسسة رسمية. منحها اسمها الحالي، ورفض أن تتم إزالة كلمة "الفلسطينيين" من الاسم. وأكّد فرنسيس أنه إجلالًا لشهداء صبرا وشاتيلا الذين سلبوا حقهم بالحياة واستشهدوا كلاجئين في أرضٍ غريبة، على الهيئة أن تحتفظ باسمها الكامل، هيئة "المساعدة الطبية للفلسطينيين".

إلى بيروت الاجتياح
"كانت هذه زيارتي الأولى إلى الشرق الأوسط. لم أكن أعي أن الشعب الفلسطيني موجود حتى في تلك الآونة. وكان الإعلام الغربي السائد يتحدث فقط عن "منظمة التحرير الفلسطينية" ويعتبرها إرهابية تكره اليهود، وتزرع القنابل وتختطف الطائرات"، تقول سوي. وتضيف: "لقد كانوا يوهمون الرأي العام بأنها قد بنت قاعدة لها في لبنان، بالتالي، فإن اسرائيل تساعد اللبنانيين لإخراجها من هناك، حتى لو سويَّ البلد بالأرض بغية تحقيق ذلك".
وصلت إلى بيروت "التي كانت مدمّرة بالكامل بعد عشرة أسابيع من القصف الجوي العنيف. كان الناس يعانون من نقص كبير في الغذاء، المياه، والدواء، بسبب الحصار العسكري المفروض عليهم. ورأيت العائلات المشرّدة تنام في مواقف السيارات، المدارس أو تفترش الطرق"، تصف سوي.
إلا أن اليوم الذي طبع فعلًا تجربة سوي الأولى كان في الخامس عشر من أيلول، حين اجتاحت الدبابات الإسرائيلية المنطقة التي كانت تُسمّى ببيروت الغربية، وفرضت طوقًا كاملًا على مخيم شاتيلا لتمنع السكان من الفرار. تتذكر: "طلب الإسرائيليون من حلفائهم من الميليشيات المسيحية آنذاك اجتياح المخيم. وعندما انسحبت الدبابات الإسرائيلية من المخيم في الثامن عشر من أيلول، أي في غضون 3 أيام فقط، كانت قد خلفت وراءها ثلاثة آلاف ضحية من المدنيين".
لا يمكن لصور المجازر هذه أن تفارق مخيّلة سوي، حسب ما تقول، إذ رأت جثثًا لأناس التقتهم سابقًا وأحبت نفوسهم المليئة بالأمل في إعادة بناء منازلهم. هؤلاء الضحايا الذين تشاركوا معها قصصهم منذ أن أصبحوا لاجئين في لبنان. تتحدّث سوي بأسى بالغ عن الصور الشاحبة لبيوتهم وعائلاتهم التي احتفظوا بها منذ قبل العام 1948، فضلًا عن المفاتيح الكبيرة لمنازلهم التي حفرت أثرها في ذاكرتها.
لا تنسى سوي الامرأة المصابة التي رجتها أن تمنح الدم لطفلها عوضًا عنها هي. أعطي الدم للطفل بناءً لطلبها، فيما حقنت هي بالمورفين للتخفيف من آلامها. توفيت في الليلة نفسها.
أما منير ابن التاسعة من العمر فقد أصيب بثلاث طلقات نارية مع 27 من أفراد عائلته، وقعت الجثث فوقه وفقد وعيه، ما أدى إلى نجاته بعدما نقله أصدقاؤه إلى المستشفى. ذهبت سوي لمقابلة جدّة منير التي حضرت سيرًا على الأقدام من الجنوب باتّجاه المخيم. ولما علمت بما حصل للعائلة، قالت شعراً: «ماذا سأقول، لم يعد هناك ما يُقال / براعمنا ما زالت تزهر، ويفوح عبق البرتقال / عصافيرنا تزقزق ألحانها المعتادة / إنما أبنائي ليسوا في أي مكان كي يتم العثور عليهم".
عقب المجزرة، جاء بعض الجنود الذي شاركوا في المذبحة لتلقي العلاج، إذ وقع ستة منهم عن سطوح منازل المخيم بينما كانوا يوقفون الفلسطينيين. صرخت سوي بهم قائلة: "لا أطباء هنا!"، إلا أن عزيزة، الموظفة الإدارية في المستشفى، أمسكتها من ذراعها وقالت لها: "رجاء سوي، عليك أن تعالجي هؤلاء الأشخاص. أعرف بما تفكرين. ولكن صدقيني، عائلتي عانت الكثير، وأنا أطلب منك أن تفعلي ذلك من أجلنا. لقد أجبرنا على مغادرة القدس، ثم الحصار، ثم المجازر - كل هذه الجروح لم تندمل، ولكن لا يمكننا أن ننكر حق أي شخص بالرعاية الطبية. نحن "الهلال الأحمر الفلسطيني" ومبادئنا تحتم علينا تقديم الرعاية الطبية للجميع على حدّ سواء، حتى أعدائنا".

مشاهدات حروب وذكريات عمر
نقصد ذاكرة سوي، لنرى عبرها ما رأته على مرّ 32 عاماً من النضال الطبي من أجل فلسطين. عن ذكرياتها من حرب المخيمات، تقول سوي: "هناك حقيقتان لا يمكن إغفالهما، وهما تفيدان بأن المخيمات قاومت والمقاومة بقيت متحدة". وتضيف: "بالرغم من الأخبار المرعبة حول القتلى والجرحى والأطفال الذين يموتون بسبب الأمراض المعدية وقلة الغذاء، كنا نسمع الفلسطينيين المعرضين للموت يقولون: عندما نموت لا نريد أن يتذكرنا أحدهم كأعضاء في هذا التنظيم أو ذاك، بل فقط كفلسطينيين من صبرا وشاتيلا".
ننتقل معها في الذاكرة إلى بيروت مع بدء الانتفاضة الأولى، فتقول: "عدت إلى بيروت مرارًا عام 1987 عندما بدأت أخبار "الانتفاضة" تنتشر. نفذ الفلسطينيون حركة عصيان مدني كبيرة وتظاهرات ضد الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة، ورد الجيش الإسرائيلي بوحشية لإخماد هذه الانتفاضة. في لبنان، رأيت اللاجئين الفلسطينيين ذاك الصباح ملؤهم الأمل، بحيث شكّلت الانتفاضة إعلانًا صارخًا للعالم بأسره بأن الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة يرفضون الاحتلال الإسرائيلي. أظهرت وسائل الإعلام العالمية الأطفال يواجهون المدرعات والدبابات الإسرائيلية بالحجارة، النساء والعجزة تخلوا عن شعورهم بالخوف أيضًا. كانت فلسطين المحتلة تقول للعالم: "نموت واقفين.. ولن نركع"؛ هذه الشجاعة التي أظهرها الشعب الفلسطيني حظيت بالدعم والتأييد حول العالم، وبعثت الأمل في نفوس اللاجئين".
ثم تصحبنا إلى غزة خلال الانتفاضة الأولى، عندما سألها أسقف القدس في أوائل 1988 إن كان بإمكانها الذهاب لمساعدة جرحى الانتفاضة الأولى، ومنحتها "الأونروا" عقدًا كطبيبة جراحة للمساعدة في بناء قسم لطب العظام يُعنى بالجرحى: "كانت هذه زيارتي الأولى إلى فلسطين، ورغم كونها تحت الحصار، إلا أن غزة جميلة جدًا، برغم أن الاحتلال وحشي ومهين والحياة صعبة في ظلّ ظروف كهذه. عملت في مستشفى الأهلي الذي تمّ بناؤه عام 1981 وهو المستشفى الوحيد غير الخاضع للرقابة الإسرائيلية في تلك الآونة. المستشفيات السبعة الأخرى كانت مملوكة من الحكومة الإسرائيلية"، تقول سوي.

الربع الأخير
بعد 32 عامًا تمكَّنَت خلالها من التعرف عن كثب إلى معاناة الفلسطينيين، تجد سوي أن العالم بدأ يشهد تغيرًا ملحوظًا تجاه هذه القضية العادلة، وبات على يقين تام بهوية الضحايا والجناة. تقول: "ليس من السهل لحقيقةٍ كهذه أن تخرج إلى العلن".
تعرّضت سوي للضغوطات والانتقادات من قبل محيطها وأصدقائها الداعمين لاسرائيل، إلا أنها حظيت بالدعم الكامل من زوجها الذي ساندها طيلة مسيرتها. وقد اضطرت إلى تقديم استقالتها من المستشفى الذي كانت تعمل فيه عند توجهها إلى بيروت، كون الإدارة رفضت منحها إجازة. تعتبر ما حدث نعمة من الله، فعلى الرغم من أنها شغلت آنذاك منصبًا مرموقًا كمدرّسة طب في "جامعة لندن"، إلا أنها تمكّنت ببيروت عام 1982 من استخدام مهاراتها العملية في إنقاذ ضحايا كان من الممكن أن يفقدوا حياتهم لو لم يحظوا بالرعاية الطبية.
تؤكد سوي، من خلال تجربتها، أنه من الضروري على المرء أن يبحث عن الحقيقة ويقوم بما يمليه عليه ضميره. وتتوقف عند الجرأة التي تحلى بها رئيس تحرير مجلة "لانسيت" الطبية العالمية الذي كاد يُطرد من وظيفته بعد مطالبته سحب الرسالة التقريرية حول الحالة الطبية في غزة التي زودته بها من القطاع. "رفض الخضوع، وهذه قمة الشجاعة". تقول إن الإعلاميين في الغرب، وخاصة في الولايات المتحدة، يتعرضون للعقاب بطرق متنوعة في حال انتقدوا اسرائيل. فعقب نشر الرسالة في "لانسيت"، واجه الكثير من الكتاب حملات تشويه واسعة النطاق. وفي هذا الإطار، تعقب سوي: "الحملة التي تعرضت لها شخصيًا، كانت غريبة جدًا. إذ اتهمني اللوبي المؤيد لإسرائيل بأنني عنصرية بيضاء متعاطفة مع "كو كلوكس كلان"، يبدو أنهم لم يروا صورتي يومًا ولا حتى تكلفوا عناء البحث عنها على محرك "غوغل" ليعرفوا أنني لاجئة في المملكة المتحدة تعرضت للكثير من العنصرية والتمييز الجنسي منذ وصولي".
ترى سوي أن حلم العودة بات يلامس الواقع أكثر فأكثر خلال هذه المرحلة، بحيث بلغ الفلسطينيون برأيها الربع الأخير من مسيرة نضالهم. ولذلك، هي تطالب الفلسطينيين وجميع الداعمين لهذه القضية بألا يفقدوا الأمل أو يدعوا اليأس يتسلل إليهم. تحكي أنها، خلال اعتقالها في سجن "الرملة" عقب محاولتها الدخول إلى غزة في آب 2014، شعرت بالأسى، إلا أنها قرأت عبارة كتبت على السرير الخشبي في الزنزانة جاء فيها: "بإمكانكم سجننا وترحيلنا ومنعنا من عبور الحدود، إلا أنكم لن تتمكنوا من ثنينا عن دعم الشعب الفلسطيني". لم تعرف هوية صاحب هذه العبارة، إلا أنها ترى أن "هذه هي الروحية التي يجب أن نتحلّى بها جميعًا".

عرفات: "نجمة فلسطين"
"في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين ببيروت، كان الناس يحدثونني عن بيوتهم التي لم يرها أولادهم، عن مكان اسمه "فلسطين" أجبِروا على مغادرته عام 1948، وعن عزمهم على العودة يومًا ما. أرادوا أن يعودوا من بيروت إلى القدس، قدسهم هم.."، وانطلاقًا من ذلك، أهدت سوي كتابها "من بيروت إلى القدس" لكل من استشهد في سبيل قضيته المحقة وإلى جميع الناجين الذين يزدادون كل يوم إصرارًا وتشبّثًا بحقهم في العودة إلى فلسطين.
منح ياسر عرفات سوي وسام "نجمة فلسطين" من الدرجة العليا تقديرًا لجهودها في خدمة الشعب الفلسطيني. وقد اعتبرت سوي الوسام "شرفاً عظيماً.. إلا أنني أجد أني قد لا أستحقه. أنا مقربة جدًا من الشعب الفلسطيني، وأعرف معاناته عن كثب. ولذا، أرى أن هذا الوسام من حق الأطباء والممرضين الفلسطينيين الذي يعتنون بالجرحى والمرضى في أحلك الظروف، وعاملي الإنقاذ في غزة ولبنان الذين يجازفون بحياتهم، وكل من علّمني معاني الإنسانية الحقيقية. والآن، مع تقدمي في السن، أود أن أهدي هذا الوسام إلى الجيل الجديد من الفلسطينيين الذين يجاهدون من أجل العدالة والإنسانية ويعطون العالم بأسره دروسًا في الإصرار وعدم الاستسلام".


بعض ما روته سوي في كتابها (*):
"من بيروت إلى القدس"


* أطفال أبطال
"بعد أيام من المجزرة، مشيت قليلًا في شارع صبرا باتّجاه مستشفى غزة، كانت رائحة الموت تعمّ المكان، والأحياء ينبشون الجثث ويبحثون بين الأموات عن أحبائهم. رأتني مجموعة من الأطفال ونادوني: "الدكتورة الصينية"، معظمهم كانوا قد أصبحوا أيتامًا، معوزين ومشردين، فجأة وقفوا أمامي وطلبوا مني أن ألتقط لهم صورة. وما إن صوبت كاميرتي نحوهم، حتى رفعوا علامة النصر وقالوا: "نحن لسنا خائفين". كان الدمار والأبنية المهدّمة والمقابر الجماعية ومعالم المأساة كلّها واضحة في خلفية هذه الصورة، لكن الأطفال في مقدمتها كانوا يتحدّون كل ذلك الألم رافعين إشارات النصر بأيديهم. بعد ذلك، عدت إلى لبنان مرات عدة، لم أرَ هؤلاء الأطفال قط، من المتحمل أن يكونوا قد هلكوا، إلا أنهم سوف يبقون دائمًا مصدر إلهامي. وخلال اللحظات الحالكة، سوف أراهم بأيديهم المرفوعة يتحدون الترهيب والقتل، مصرّين على استعادة كرامتهم المنتهكة. منذ ذلك الحين، قابلت المزيد من الأطفال في غزة والضفة الغربية الذين لم يقلّوا شجاعة وإقدامًا عن أترابهم في لبنان، لقد عانوا الكثير وبالرغم من كل ذلك حافظوا على شجاعتهم وصمودهم".

* نبيلة التي قُتِلت عام 1986
«بجانب سريري هناك صندوق يحتوي على الكثير من الصور، إنها صور مميّزة لآلات موسيقية مزخرفة، تطريزات ومجوهرات، ولقطات للصيادين في عرض البحر، الراقصين والفلاحين والبساتين.. أشبه بلوحات زاهية بألوانها ومتألّقة بروعتها التي تعكس روحية أناس آخرين وثقافة مختلفة، هي لقطات لفلسطين وموروثها الثقافي، أهدتني إياها نبيلة وأرادت أن أعرضها على الناس في مختلف أنحاء العالم. يصعب علي الآن تكرار ما طلبت مني فعله، يؤلمني فعلًا، إلا أنني أستحضر بدقة ملاحظاتها الأخيرة: "أصدقاؤنا في مختلف أنحاء العالم يعرفوننا من خلال معاناتنا، ولكن من المهم أن يعوا أيضًا أن التاريخ الفلسطيني لا يقتصر على المجازر، نحن شعب لديه حضارة أيضًا، نحن نقدّر الجمال والفنون كما تفعل الشعوب الأخرى". أظن أنه علينا تذكر نبيلة بصورتها هذه: المرأة الفلسطينية الجميلة، الشجاعة، المحدثة اللبقة، المثقفة والمقدامة ـ لن يستطيع أعداء فلسطين فعل أي شيء لانتزاع ذلك منها أو منّا جميعًا".

(*) متوفّر لدى "المكتبة الشرقية" في بيروت