| 

• عن تهريبِ الرواياتِ والنُطَفْ

تخيّلوا لو حَكَم عليكم الاحتلال بالسجن لـ26 مؤبداً و 25 عاماً، ماذا كنتم ستفعلون بالعمر المتبقي لكم، داخل أسوار المعتقل؟
إليكم ما فعله الأسير عمار الزين (40 عاماً)، من مدينة نابلس الفلسطينية.
إذ بعد جهدٍ ومعاناة كبيرين، استطاع عمار أن يهرّب روايته "خلف الخطوط"، فتم تجميعها، ونشرتها "المكتبة الشعبية" في نابلس. تتحدث الرواية عن حادثة اختطاف الجندي الإسرائيلي نحشون فاكسمان، التي نفّذتها المقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية في العام 1994، حيث كتب عمار عمّا سمعه من رفاقه الأسرى عن الحادثة.
في التاسع من تشرين الأول من العام 1994، أعلنت كتائب "القسام" مسؤوليتها عن اختطاف الجندي الإسرائيلي فاكسمان. وأمهلت المقاومة حكومة الاحتلال أربعة ايام للإفراج عن عدد من قيادات حركة "حماس" وعلى رأسهم الشيخ أحمد ياسين، بالإضافة إلى القيادي صلاح شحادة، والأسيرين اللبنانيين مصطفى الديراني وعبد الكريم عبيد، وعدد آخر من الأسرى والأسيرات الفلسطينيات.
انتهت العملية آنذاك بمقتل الجندي المختطف، واستشهاد عدد من منفذي العملية، بعدما تمكّن الاحتلال من اكتشاف المكان الذي اختبأ فيه الخاطفون في بلدة بير نبالا، شمالي القدس المحتلة.
"خلف الخطوط" ليست الرواية الأولى للأسير. هي الرابعة له، بعد رواية "عندما يزهر البرتقال" (أصدرها من سجن بئر السبع العام 2007)، الثانية كانت "ثورة عيبال" (كتبها في سجني "نفحة" و "وهداريم")، والثالثة كانت "أنجيليكا"، وهو اسم فتاة يهودية ساعدت أحد ابطال المقاومة الفلسطينية خلال انتفاضة الأقصى.
عمّار الذي أمضى أكثر من ثمانية عشر عاماً في السجون، كان قد اعتقل في الحادي عشر من كانون الثاني من العام 1998 في أثناء عودته من الأردن، واتهمه الاحتلال بالوقوف خلف عمليات عدة للمقاومة.
تهريب الروايات لم يكن إنجاز عمار الوحيد، فهو أبٌ لطفلين ولدا بعدما نجح الأسير بتهريب النُطَف. فقبل ثلاثة أعوام، رزق بمهند، وفي العام الماضي رزق بصلاح الدين، من خلال النطفة نفسها التي هربها في العام 2012.
• من دفاتر "أنصار 3"، أو "النقب الصحراوي"
عن أسعد الشوا وبسام السمودي نحكي
لا بد من الحديث عن سجنٍ وسط الصحراء، محاطٍ بالجنود والأسلاك الشائكة، هو سجن "النقب الصحراوي"، أو "كتسعوت" كما يسمّيه الاحتلال، أو "أنصار 3" كما يسمّيه المعتقلون. دخل السجن أكثر من ثلاثمئة ألف أسير منذ قيامه، واليوم يقبع فيه أكثر من ثلاثة آلاف أسير.
16 آب 1988، لم يكن يوماً عادياً في يوميات المعتقلين في سجن "النقب الصحراوي". كانوا قد اتخذوا قراراً داخلياً تم تعميمه على كل الأقسام في السجن بأنهم لن يسمحوا بأي إهانة لأسير منذ هذا اليوم، وأن "الموقف لا يحتمل إلا أن نقف صفاً واحداً في مواجهة هذه الإهانات المقصودة مهما كانت النتائج".
عند الظهيرة، سمع المعتقلون صراخاً. تجمعوا عند مداخل زنازينهم، وإذ بجنود الاحتلال يسحلون معتقلاً على الأرض الخشنة، وقد كبلوا يديه وقدميه، وجرّوه إلى الزنزانة. كان قد نزف من شده الضرب.
أتى هذا الموقف كنفير لاستنفار المئات من رفاقه الأسرى. لم يتركوا شيئاً من حولهم إلا ورموه على الجنود من طناجر وصابون، أحذية وحجارة. استفز جنود الاحتلال فردوا بإطلاق النار والغاز بشكل عشوائي.
عمد جنود الاحتلال حينها إلى تطويق السجن بالدبابات، وإدخال ناقلات الجند بين الأقسام. وما إن هدأ الأسرى في فترة ما بعد الظهيرة، حتى طلب الجنود منهم الجلوس على الأرض. عندها، دخل قائد المعسكر الإسرائيلي العقيد تسيمح، وأخذ يصرخ في قسم "ب" بالمعتقلين امامه، قائلاً لهم: "الزلمة فيكم يوقف". ساد الصمت لبرهة في صفوف المعتقلين، ثم نظروا الى بعضهم البعض، ثم وقف الأسير أسعد الشوا متحدياً تسيمح. نظر إليه الأخير، وتناول بندقية من أحد الجنود، وأطلق عليه رصاصتين في صدره.
عندها، تقدم الأسير بسام السمودي وسط صيحات الأسرى، وحاول إصابة القائد الإسرائيلي بحجر، فأطلق عليه النار هو أيضاً.
بعد ذلك، هرب تسيمح وبدأ الجنود المتمركزون على الأبراج بإطلاق الرصاص على المعتقلين الذين استنفروا، وأصيب عدد كبير منهم. استنفرت كل أقسام الأسر مرة أخرى، وتم تكسير سيارة ضابط في قسم "أ". وبعد ساعات من إطلاق الرصاص الحي والمطاطي والغاز، هدأت ثورة المعتقلين، وتم إجلاسهم على الأرض ثانيةً، قبل أن يأمر الضباط المعتقلين بأن يحملوا الجرحى ويضعوهم أمام بوابات الأقسام لنقلهم الى المستشفى.
دخل الجنود الأقسام، وصادروا كل شيء فيها، بينما الأسرى في العراء لأكثر من أربع ساعات من دون ماء أو طعام.
شاهد الأسرى طائرة مروحية تهبط في معسكر الجيش، ما أكد للجميع أن هنالك شهداء. لم يمض وقت طويل حتى أبلغت إدارة السجن منير العبوشي الذي كان ممثل الأسرى آنذاك، أن اسعد الشوا وبسام السمودي استشهدا، وأنه تم تشكيل لجنه لتقصي الحقائق قررت في ما بعد أن الشهداء شكلوا خطورة أمنية.
وعلى أثر إعلان شهادة رفيقيهما، أعلن المعتقلون الإضراب عن الطعام، حداداً واحتجاجاً. استمروا مدة تسعة أيام من دون طعام، حتى استجابت إدارة السجن إلى بعض مطالبهم لجهة معاملتهم بطريقة أفضل، والسماح للمحامين بزيارتهم، والعدول عن إهاناتهم، وتحسين نوعية الطعام بحيث يحصل الأسرى على مطبخهم الخاص الذي يوزع الحصص الغذائية على كل الأقسام، كذلك أُجبرت الإدارة على الاعتراف بممثلين عن المعتقلين والتعامل معهم. والأهم من ذلك كله أنهم حصلوا على المياه الساخنة، واستبدلوا البلاستيك بألواح خشبية تسمى "مشتاح"، مع السماح بإدخال القهوة أسبوعياً للأسرى.

أخيراً تعرّفنا إلى "الصليب الأحمر"
في أواخر العام 1988، سمحت إدارة سجن "النقب" الصحراوي للصليب الأحمر بالزيارة، فدخلت امرأة من الجنسية السويسرية يرافقها شاب فرنسي، كوفد ليسمع مطالب المعتقلين.
اجتمع الوفد مع الممثلين عن الأسرى في إحدى خيام القسم "1"، حيث شرح الأسرى للوفد تفاصيل أوضاعهم، وقدموا مطالبهم القاضية بتحسين شروط الاعتقال وحقهم في زيارة الأهل والمحامين، وانتهوا بالمطالبة بحقهم في توفير الصحف اليومية والكتب والقرطاسية.
يقول الأسير آنذاك المتوكل طه: "ما إن انتهت الزيارة، حتى تركت الفتاة دفترها الصغير ونسي الشاب قلمه عمداً، لعلهم استشعروا المحيط المرعب الذي يلفنا فتعاطفوا معنا".
بعد أقل من شهر على تلك الزيارة، فوجئ المعتقلون بسيارة كبيرة محملة بالكتب والورق الأبيض والأقلام والمساطر مع وفد من "الصليب الأحمر"، ووزعوها على الأقسام التي رقصت فرحاً بهذه الهدية التي لم يحلموا بها.
أخبرهم وفد "الصليب الأحمر" أن بإمكانهم كتابة الرسائل شهرياً إلى ذويهم، شرط أن تراقب إدارة السجن مضامين الرسائل، كونها ستمنع أي رسالة ترى خطراً أمنياً في محتواها.
يضيف المتوكل: "عندها، استطاع المعتقلون أن يقرأوا روايات غسان كنفاني وإميل حبيبي وعبد الرحمن منيف وسميرة عزام وحنا مينا، وأشعار محمود درويش وسميح القاسم وفدوى طوقان وكمال ناصر، وأن يحفظوا منها الكثير، وأن يناقشوا لاحقاً، في الجلسات الثقافية مضامينها وصورها وأشكالها الفنية".
أما الجرائد والصحف فبدأت إدارة المعتقل بتوزيع الصحف على كل معتقل. لكن الاحتلال كان قد قصّ الجرائد، وقطعها إلى أخبار يختارها بنفسه ثم يوزعها على الأسرى.
استخدم الأسرى قصاصات الصحف في الأعمال اليدوية لأنها كانت جميعها منتقاة ومتحدثة بلسان الاحتلال، باستثناء صحيفة "القدس" التي سمحوا بإدخالها مرة واحدة كل عدة أشهر.

إحنا لقينا حالنا في السجن
في حديثه عن ذكريات الأسر، يقول الأسير المحرر أبو رشدي الزغل إن المعتقل هو مكان يتعرف فيه الإنسان على نفسه. ويستشهد بمقولة عبد الرحمن منيف: "اذا كتبنا عن معاناتنا، عن ذلك الوكر الأسود المشؤوم، فلا لكي نظهر بطولاتنا، وإنما لكي نساعد الآخرين، ونجنبهم ما عانيناه. فنحن على وشك أن نمضي، وهم سيبقون بعدنا، وهذا ما يدعونا لأن ننبه، لأن نحذر قبل فوات الأوان، وأن تعرف أن الحياة من دون حرية، من دون كرامة، لا تستحق أن تعاش".

حوض النعناع
الفلاحون، أبناءُ القرى، لهم أن يتخيّلوا كيف لشتلةِ نعناع صغيرة مهّربة أن تعيش، حتى يتمكن الأسرى من زراعتها في حوضٍ بسيط، على مدخل خيمة كبيرة، حوّلها المحتلُ إلى مُعتقل.
لم يقتصر اضطهاد وقمع السجان الإسرائيلي على إطلاق الرصاص والغاز وضرب السجناء، وإنما امتد ليطال كل تفصيل لطيف على الرغم من بساطته في حياة المعتقلين، حتى لو كان حوضاً من النعناع.
كان الأسرى يحتفظون بدليلهم إلى الفرح، وهو عبارة عن حوض بلاستيكي يزرعون فيه شتل النعناع. ويتحدث أبو رشدي الزغل عن الشتلة التي هرّبها رفيقه أبو سلوى في أثناء زيارته الأسرى، بالإضافة إلى تهريبه كل ما من شأنه بث الحياة في المعسكر الصحراوي.
زرع الأسرى شتلة النعناع في حوض على مدخل خيمتهم، واهتموا به وجمعوا الرمل والحجارة من حوله. كان الاهتمام بالشتلة الصغيرة مصدراً لمتعة كبيرة، حيث كان في نظرهم إنجازاً عظيماً أن يُزرع النعناع الأخضر في قلب هذا المعتقل.
إلا أن ذلك لم يرُق لضابط الاحتياط الإسرائيلي، الذي صدمته رؤية الشتلة، فتوجه نحو ممثل المعتقل سائلاً إياه عن الحوض. ابتسم الممثل يومها وأجاب: "هذه نبته وليست سلاحاً"، إلا أن الضابط أصرّ على الأسرى طالباً إزالة الحوض. الأسرى قابلوا طلبه بالرفض، وظل النقاش قائماً لأيام عدة، قبل أن يدوس الضابط على الشتلة الصغيرة.
يقول أحد الأسرى: "لقد أخرج سجن النقب أجمل ما في المعتقلين وأسوأ ما في الاحتلال".

• هكذا يعتقل الأسرى القاصرون
يقف طفلٌ لم يتعدَ السنوات العشر من عمره، بعينين دامعتين، خلف بندقيةِ جنديٍ من قوات الاحتلال، كان قد سمّره الجندي قرب قطعته الحديدية، قبل أن يعتقله.
مشهدٌ يتكرر يومياً في العديد من القرى والبلدات المحتلة. فاختار مركز "أحرار" للدراسات أن يخصص تقريراً يصوّره إلى جانب الكثير من عمليات الاعتقال التي تطال القاصرين.
في مشهدٍ آخر، يظهر أحد جنود الاحتلال في منزل عائلة فلسطينية، كان قد حضر ومعه عدد من الجنود المسلحين، لاعتقال طفل بتهمةٍ أغلب الظن أنها رمي الحجارة.
يظهر الطفل إلى جانب أمه في المنزل، طالباً من الجندي أن يؤجّل اعتقاله يوماً واحداً فقط، ذلك لأن امتحانه الذي حضّر له طويلاً يبدأ بعد ساعات.
في مشهد ثالث، يظهر الجنود وقد سحلوا طفلاً في أثناء عودته من مدرسته، تظهر حقيبته التي يحاول الجندي إنزالها من على ظهره، ويبدو الرعب واضحاً على وجه الطفل.
في المحاكم، وجه آخر للمعاناة، إذ لا يسمح لأهل الأطفال بزيارتهم، ويبقون لساعات طويلة، بعدها ينقلهم الجنود إلى الزنزانة، حيث يضعونهم مع المعتقلين البالغين.

• أنا ووالدي في السجن
في النشرة الماضية، تحدثنا عن الأسير عائد الهيموني الذي قررت سلطات الاحتلال تمديد اعتقاله لستة أشهر إضافية.
كان الاحتلال قد منع والد عائد من زيارته، واكتفى بالسماح لوالدته وإخوته الصغار بالقيام بذلك. في نهاية شهر آذار الماضي، قررت سلطات الاحتلال أن تعتقل والد عائد أيضاً، حيث دخلت قوات من الجيش الاسرائيلي، الثانية والنصف فجراً، منزل العائلة في الخليل في الضفة الغربية، وعبثت بمحتوياته، قبل أن تعتقل الهيموني.
هي المرة العاشرة التي يُعتقل فيها حازم الهيموني، وهذه المرة حكم عليه بالسجن إدارياً لمدة ستة أشهر، وهو الآن في سجن عصيون قرب بيت لحم.

• أطلق سراحه بعد جلطة
في العدد الماضي، عرضنا رسالة الأسير عدنان حمارشة (48 عاماً) من بلدة يعبد في جنين، الذي تحدث فيها عن مرضه ومعاناته في السجن.
في الأول من نيسان، أفرجت قوات الاحتلال عن الأسير حمارشة، بعدما بات وضعه الصحي أكثر سوءاً، مع تعرضه لجلطة دماغية.
يذكر أن الأسير عدنان حمارشة هو ناشطُ في مجال الأسرى، تم اعتقاله وزوجته بتاريخ السادس عشر من شباط العام الماضي، وأفرج الاحتلال عن زوجته في شهر أيلول من العام الماضي، بعد اعتقال دام حوالي ثمانية أشهر.

• نقل البرغوثي إلى عيادة الرملة
نقلت سلطات الاحتلال الأسير مروان البرغوثي من سجن "هداريم" إلى "عيادة سجن الرملة" وذلك لإجراء فحوصات روتينية ضرورية.
وقد جاء ذلك إثر زيارة مدير الوحدة القانونية في "نادي الأسير" جواد بولس للأسرى في سجن "هداريم"، إذ تمكّن من لقاء ممثل الأسرى الأسير عمّار مرضي، وأقدم الأسرى في سجون الاحتلال الأسير كريم يونس.

• المؤبد مرتين لمنفذ عملية "غوش عتصيون"
بعد دهسه عدداً من المستوطنين في مستوطنة "غوش عتصيون" في جنوب الضفة المحتلة، وإطلاق الرصاص عليه من قبل قوات الاحتلال، حكمت محكمة "عوفر" العسكرية بالسجن المؤبد مرتين على الأسير ماهر الهشلمون (32 عاماً).
واتهم الهشلمون بقتل مستوطنة طعناً، والتسبب بإصابة عدد آخر من المستوطنين، في العملية التي نفذها بتاريخ العاشر من تشرين الثاني العام الماضي. وقد نص الحكم أيضاً على إلزام الهشلمون بدفع تعويضات لعائلة المستوطنة بقيمة 3.9 ملايين شيكل.
يذكر أن الأسير الهشلمون من الخليل وله طفل وطفلة هما عبادة ومريم، وقد سبق أن اعتقل مطلع الانتفاضة الثانية وقضى خمسة أعوام ونصف العام في سجون الاحتلال.

• رسالة من أسير محرر إلى أسير حالي
"أتابع أثر السجن عليك، وأستذكر نفسي. نستعيد معاً واقعاً تعيشه أنت وأتذكره أنا. فالسجن ما هو إلا التفاصيل الصغيرة، ووقتٌ نمضيه محاصرين بأحلام الغائبين، أتابعك وأتذكر من خلال كلماتك تذمّر من كانوا معي، ألمي وخوفي ووحدتي في مرضي، تفتيشي العاري وكيف كنت أبصق على السّجان، أتحسس مكان الهراوة التي يتميز الألم الناتج عنها بوصوله إلى عظامي، لقد ملأنا الأقسام ضجيجاً وأحلاماً يا صديقي، وكانت أمنية واحدة مشتركة بيننا، أن نرى السماء من دون أيّ سلك شائك.
تُركنا نواجه وحدنا، كأننا قطعة سلاح من دون ذراع، و"كأنّ أشجاننا لن تكون حزينة كفاية، أفراحنا لن تكون سعيدة كفاية، أحلامنا لن تكون كبيرة كفاية، وحيواتنا لن تكون مهمة كفاية، لتؤثر"، كنا وقوداً للمرحلة فقط.
نحن نواجه وحدنا يا صديقي، ونستذكر يومياً كل من خان، وكل من سقط، ونستذكر أصواتنا في التظاهرات، مستعيدين مع بعضنا قصص إخواننا في التحقيق، وأخبار المحاكم، مضيفين بعداً جديداً لعالم لا يسمع ضجيجه أحد ولا يكترث له سوى: السّجان، وحارس البوسطة، وأمهاتنا.
لقد قرأت ما كتبت أنت، وكأنّني أسمع دبيب أقدامك وأنت ذاهب إلى شباك الزيارة، كأني أراك تحبس دمعك وأنت ترى شيب أمك، والتفاصيل الصغيرة التي تختبئ وراء جملتها "نحن بخير وننتظرك".
أعذرهم يا صديقي فهم لا يعلمون أنك تعيش تفاصيلهم حد الملل، ويقتلك الغياب، لك ان تتخيل يأسي خلال الزيارة عندما لم أتعرف على أختي الصغرى وسؤالي لأمي عن هذه الفتاة التي تقف بعيداً وتبكي، فما كان منها إلا أن تقول "إنها أختك الصغرى".
مع السنين تصبح وجوه من أحببنا أكثر هشاشة ويدور الزمن دورته الخبيثة، فالوقت يقتلنا ببطء بأخذه معه كل الأشياء الجميلة.
لعلنا اليوم نقف على أرضيات مختلفة، ولكن إيماننا بأفكارنا هو ما دفعنا للسجون والموت، فسقط الأشخاص ولم تسقط الفكرة، فدولة الظلم واحدة لا تتجزأ، وهمنا واحد لا يفترق، فربيع دمائنا أزهر في قلوبكم، ودماؤكم تركت فينا جرحاً لا يندمل.
أتذكر وأنا أراك جموع الأسرى الفلسطينيين وهم يتحضرون لموت اختياري بإضرابهم عن الطعام، كانت ركيزته الأساسية في التعبئة، كتيّب صغير عنوانه "المسلكية الثورية" يقوم على نقطتين، الأولى: إيمانك بعدالة قضيتك، والثانية: هي إيمانك بحتمية نصرك. وعليه يتطوع الآلاف منا للموت من دون تردد، موت أو نصر، جدلية بحثنا فيها عن كرامتنا بعيداً عن تجار السياسة، وخضنا من أجلها قتالنا اليتيم.
"نحن لسنا سوى بشر لنا طاقتنا على التحمل ولسنا اولي عزم"، هذا ما قلته أنت البارحة وهذا ما دفعني للكتابة، نعم لسنا أولي عزم ولكننا أولي عزيمة نستمدها من بعضنا البعض، من شكوانا على صحن الفول وضجرنا من "العدد" الصباحي وإيماننا المطلق أنّ ما يُراد من كل هذا سوى أن نندم على قول كلمة "لا".
إنه يا صديقي صراع إرادات، فقط نحن والسجان وليس بيننا أحد، لسنا أبطال، ولعلنا نُنسى ونخرج من تاريخ الرواية الرسمية كمجرمين وقاطعي طريق، ولكن سوف نقاتل من أجل بعضنا البعض، لا نستجدي أحداً، ولا نطلب تعاطفاً من أحد، فهذه معركتنا وحدنا، نحن بمن معنا وسجاننا ولا ثالث لنا، فإما نكون أو يكون، فبعد الدم تنتهي الحلول، وتضج الرؤوس بثلاثة أسئلة فقط هي: كيف ننسى؟ كيف نغفر؟ وكيف نصالح؟ فنستمد منها إجابات تنفي العدم وتُسكن الروح.
وفي وسط هذا المجون لا تنسَ يا صديقي وأنت بالانفرادي أن تبكي كي لا يراك أحد، وأن تغني بعد تعبك، أغنية كنت تسمعها من شخص عزيز عليك وتسمع صدى صوتك الوحيد.
أطلتُ عليك يا صديقي ولا يسعني الا أن أقول إننا حملنا ارث "لا" ولعلها لعنة حلت بنا، وألماً اخترناه واختارنا، ولم يأتِ لنا طوعاً".