| 

مع تراجع نشاط تهريب البضائع المختلفة من شبه جزيرة سيناء المصريّة إلى قطاع غزّة، عبر الأنفاق الأرضيّة التي كانت تمتد أسفل الشريط الحدودي، تراجعت تجارة المخدّرات ورواجها، لاسيّما عقار "الترامادول" الذي أغرق القطاع في السنوات الماضية. إذ كان يُهرَّب من مصر إلى القطاع، في ظلّ غياب الرقابة الكاملة على كلّ ما يدخل ويخرج من تلك الأنفاق التي دمّرها الجيش المصري بعد عزل الرئيس السابق محمد مرسي.
بعد الغياب اللافت لعقار الترامادول عن متناول تجّار المُخدّرات والمُتعاطين في غزّة، وبعد شنّ الأجهزة الأمنيّة في القطاع عدّة حملات لمنع تجارة ورواج المخدرات، بدأت المصادر الطبيّة في القطاع تتحدّث عن أعداد مهولة من الشبّان والفتيات الذين أُصيبوا بانهيارات عصبيّة نتيجة شُح عقار الترامال الذي أدمنوا عليه في وقت وفرته. إذ كان يُباع بأسعارٍ رخيصة للغاية، ما أغرى العديد من سكّان غزّة فأدمنوا العقّار في ظلّ تدنّي الظروف الاجتماعيّة والاقتصاديّة في القطاع المُحاصر.
في المستشفى: انهيارات وتشنّجات عصبيّة
أكّدت مصادر خاصة بـ "السفير" وعاملة في "مُجمّع الشفاء الطبّي" في وسط مدينة غزّة، أنّ الشهور الماضية شهدت تردّد مئات الحالات على المستشفى: "مئات من الشبان والفتيات المُدمنين على عقار الترامادول، تتراوح أعمارهم ما بين 14-40 عاماً، جلّهم باتوا يشعرون بآلام في المفاصل، وصداع مُزمن، وغثيان، ودوران، نتيجة انقطاع العقار الذي أدمنوا عليه، وارتفاع سعره بشكل كبير جداً، فلم يعد باستطاعتهم شراؤه كما في السابق.
وتوضح المصادر - التي طلبت من "السفير" عدم نشر اسمها كون الحديث للإعلام حول هذا الموضوع يحتاج إلى إجراءات وأذون مُسبقة من إدارة المستشفى - أن أعراض نقص جرعات الترامادول تسببت للمدمنين بآلام شديدة في المفاصل وتشنجات عضلية وإغماءات متكررة، لافتة إلى أن الأمر لا يقتصر على الذكور، بل بين المدمنين الذين يعانون النقص ذكور وإناث، وإن بقيت نسبة الذكور أعلى.
وبحسب المصادر ذاتها، فإنّ أقسام الطوارئ في المستشفى تتعامل مع هذه الحالات التي تصلها يوميّاً عبر إعطائها بعض المهدئات والمُسكّنات التي تعمل على تهدئة الأعصاب وتأمين ارتخائها، حتى يتم تفادي الحالة العصبية التي يعيشها المتعاطون.
عند دخولهم المستشفى، لا يقرّ المُدمنون بأنهم كانوا يتعاطون عقار الترامادول صراحةً، بيد أن الأعراض التي تظهر عليهم باتت توضح الحال سريعاً للأخصائيين. إلا أن مستشفيات القطاع تئن تحت وطأة نقص الإمكانات، فهي غير مهيّأة لاستكمال الخدمات الصحية تجاه المدمنين، فيتم تحويلهم لمراكز الصحة النفسية ومراكز علاج المدمنين لعلاجهم بشكل تسلسلي.
يذكر أن انقطاع عقار "الترامادول" (المعروف في غزّة باسم "الترامال") عن الأسواق، وارتفاع ثمن الحبة الواحدة إلى خمسة دولارات تقريباً، قد أوضح بعضاً من ملامح مدمني هذا العقار: معظمهم من فئة الشباب العاطلين عن العمل وطلاب الجامعات.
الأخطر: استبدال المادة بالمسكّنات
التوجّه إلى المستشفى هو قرار يعبّر من خلاله المدمنون عن حاجتهم لمساعدة. لكن الخطورة على الصحة والحياة تكمن في رفض بعض مُدمني الترامادول في غزّة الإفصاح عن حالتهم في المراكز الصحيّة والنفسيّة، بل ويرفضون التوجّه للمستشفيات والمراكز الخاصة طلباً للعلاج، خشية من نظرة المجتمع إليهم، والضرر الواقع عليهم نفسيّاً ومُجتمعيّاً. ما يجعلهم يقصدون الصيدليات الموجودة في القطاع بغرض الحصول على بعض المُسكّنات الطبيّة شديدة الفاعلية، ما يمكّنهم من التغلّب على حالة العصبيّة والتوتر التي تسبب بها نقص عقار الترامادول. الخطورة في ذلك تكمن في مضاعفة حالة الإدمان لديهم، حسبما يؤكد الطبيب الصيدلي نزار منصور لـ "السفير".
ويشرح منصور: "في الفترة الأخيرة، شهدنا مئات الشبّان والفتيات يطلبون عقاقير مُسكّنة لا تُطلب في العادة بهذه الكثافة او بهذا الشكل، منها: تروفين 600، توسيبال الخاص بعلاج الكحة، والترامادول الطبي صناعة الضفة. وقد يعود ذلك إلى إدمان نسبة كبيرة من سكّان غزّة على عقار الترامادول الذي انتشر رواجه في القطاع خلال السنوات الماضية بصورة لافتة. لكن إدمان هذه المسكنات الآن قد يؤدي إلى مخاطر صحيّة في المستقبل لا تُحمد عقباها، منها الفشل الكلوي، والهبوط الحاد في الدورة الدموية والنبض".
غالباً، لا تحتاج المُسكّنات الطبيّة إلى وصفة طبيّة لشرائها من الصيدليّات في غزّة. ما يُتيح لأيٍّ كان شراءها بسهولة. ويتواطأ بعض الأطباء مع المدمنين، فيمدّونهم بوصفة طبيّة مُعتمدة تسهّل عملية شراء "الترامادول" من الصيدليات في القطاع. إذ يُمنع صرف "الترامادول" في غزّة إلا بوصفةٍ طبيّة مُعتمدة، كما يحتفظ الصيدلي بالروشتة بعد صرف العقار لكي لا يتم صرفها مرة أخرى من صيدلية ثانية.
نقاش طبّي محوره "الخشية"
يشير عدد من الاحصائيات المحلية إلى أن نسبة 90 في المئة من متعاطي الترامادول هي من فئة الشباب الذين تتراوح أعمارهم ما بين 20 إلى 30 عاماً، بينما سجّلت نسبة 5 في المئة لأطفال أقل من 20 عاماً، و5 في المئة أخرى لن تفوق أعمارهم الثلاثين عاماً.
ويشرح الطبيب النفسي العامل في "برنامج غزة للصحة النفسية" نمر أبو زرقة إنه، ذات يوم، عالج أحد المدمنين، وهو طالب جامعي، وبعد شفائه، جاءه الطالب بخمسة من رفاقه للعلاج دفعة واحدة. يقول: "لا توجد حتى الآن دراسات معتمدة تحدّد مدى انتشار هذا البلاء في مجتمعنا الفلسطيني، لاسيما في قطاع غزة. لكن، بحسب التجربة العملية والتواصل المباشر من المعنيين في هذا الأمر من فرق مكافحة المخدرات وأطباء وأخصائيين نفسيين مختصين، فإن انتشار الترامال في مجتمعنا وصل إلى درجة كبيرة من الخطورة".
في المقابل، ينفي رئيس قسم الاستقبال والطوارئ في "مستشفى الشفاء الطبي" د.عماد الفيومي، تردّد حالات مدمنة على مادة الترامادول بأعداد كبيرة على المجمّع، على النحو الذي يتم فيه تداول ذلك. ولفت الفيومي في تصريحات صحافية محلية إلى أنه قد تم توجيه التعليمات للأطباء بتسجيل أي حالة قصدت المستشفى للعلاج من الإدمان على هذه المادة، منوهاً بأنه "قد تكون هناك نسبة من المدمنين، لكنها لا تتوافد إلى المستشفى والمراكز والعيادات النفسية الخاصة خوفاً من المساءلة".
يذكر ختاماً أن عقار الترامادول يُستخدم طبيّاً كمسكّن فعّال في علاج الآلام الحادة أو المزمنة بما في ذلك آلام ما بعد الجراحة، والولادة، والعمليات القيصرية، بالإضافة إلى الآلام التي تتسبب بها أمراض أخرى مثل السرطان. وقد أوضحت البيانات المتوافرة من "برامج متابعة الدواء بعد التسويق" أن "الترامادول يمكن أن يؤدي إلى اعتماد جسدي وسيكولوجي كما هي الحال مع المورفين".