| 

قمة تل العاصور هي آخر ما تراه عين الناظر نحو غور الأردن، من السفوح الشرقية للضفّة الغربيّة. ليلًا، تبدو مدينة عمّان بوضوح، تتلألأ خطاً من الأضواء على طول الأفق، يقطع تواصله رأس التلّ المنتصب على علو 1012 مترًا فوق سطح البحر. على قمته، تجثم رادارات الجيش الإسرائيلي المستديرة.
القاعدة الإسرائيلية تطلّ على منطقة شرق رام الله، بهيبةٍ وسطوةٍ تذكّران بعين "سورون" في رواية "ذى هوبيت" لجون رونالد رويل تولكين، التي صورها العمل السينمائي "سيد الخواتم" كعين الشر النارية المشتعلة على رأس جبل. تراقب كلّ ما يتحرك حولها على امتداد الأرض.

هؤلاء المراهقون..
تحت طائلة أضواء كشافات القاعدة العسكرية، تقع البيوت الحجرية في قرى دير جرير، والطيبة، وكفر مالك، والمزرعة الشرقية، وسلواد. ساد هذه المنطقة، عامة، هدوء نسبي خلال انتفاضة الأقصى، باستثناء بضعة أحداث كبرى تركت بصمتها في ذاكرة الأهالي والاحتلال على حد سواء، وكان لبلدة سلواد النصيب الأكبر منها. فالبلدة تقع مقابل مستعمرة "عوفرة" مباشرة، والمستعمرة كانت هدفًا لعمليات إطلاق نار من سلواد عدّة مرات. ومن سلواد، خرج الأسير إبراهيم حامد الذي تتهمه سلطات الاحتلال بقيادة الذراع العسكرية لحركة "حماس" في الضفة الغربية، في سنوات الانتفاضة. كما أن عملية وادي عيون الحرامية، التي قتل فيها عشرة إسرائيليين ببندقية قديمة، نفذها الأسير ثائر حماد، ابن بلدة سلواد أيضًا.
هذه البلدة ذات الإرث النضالي صارت تتصدر عناوين الصحافة والإعلام منذ عامين ونصف العام، نتيجة تحولها إلى نقطة احتكاك مستمرة بين قوات الاحتلال والشبان الذين يقضون ساعات العصر من كل يوم جمعة برشق الحجارة على الجنود عند مدخل البلدة. التحامات الكرّ والفرّ تنتهي عادةً بملاحقة الجنود للشبّان في بساتين البلدة وبين بيوتها. بيوتها تتعرض لاقتحام الجنود غالبًا.
جعلت هذه المواجهات من سلواد نقطة الاحتكاك الدائمة الوحيدة في منطقة شرق رام الله، يشعل وقودها جيل من الشبان صغار السن، معظمهم في سن المراهقة، يتحولون مبكرًا إلى معتقلين، وأسرى، وشهداء أيضًا. آخرهم، كان الشاب عروة حماد، الذي قتلته رصاصة في الصدر قبل خمسة أشهر، عن عمر أربعة عشر عامًا. جيلٌ يخوض تجربته، رغم معارضة واسعة من الأهالي والعائلات، بإصرارٍ لا يتعدّى، بالنسبة إلى المعارضين من الأهالي، حالة هيجان صبيانية. لكنه أعمق وأعقد من ذلك، برأي هؤلاء الشبان.

"منذ اليوم الأول، عرفت.."
في العام 2008، استشهد الشاب محمد هيطل (17 عامًا) في أثناء مواجهات بين شبان سلواد وجيش الاحتلال عند مداخل البلدة. كانت الحادثة سابقةً ذات أثرٍ كبير على البلدة، التي لم تكن تقع فيها مواجهات إلا بين الحين والآخر. لكن الأمر تحول إلى ظاهرة مستمرة في منتصف العام 2013، عندما تعرضت قطعة أرض من سلواد لمحاولة استيلاء من قبل مستوطنين من مستعمرة "عوفرة" المقابلة للبلدة. يذكر رئيس البلدية عبد الرحمن صالح (أبو صالح)، أن رؤساء المجالس القروية والبلديات في المنطقة قاموا بالتنسيق من أجل مواجهة محاولات المستوطنين: "اتصلت بهم جميعًا، واتفقنا على الذهاب إلى الأرض وأداء الصلاة فيها وزرع الأشجار. دعوت أهالي البلدة، ولبّى الكثيرون، لكنني لم أتوقع أن ينقلب الأمر إلى مواجهات". يستعيد أبو صالح المرحلة: "اتفقنا على تكرار الخطوة كل يوم جمعة. لكن، في الجمعة التالية، اتجه عشرات الشبان إلى مدخل البلدة، بعيدًا عن الأرض المهددة، بين البيوت، واشتبكوا مع الجيش. حاولت وحاول الكثيرون منعهم، لكن دون جدوى". فهم رئيس البلدية، كما يروي، أن الأمر يتجاوز حادثة عبرة كسابقاتها، وأن البلدة أمام ظاهرة جديدة ستستمر في المستقبل: "منذ اليوم الأول، عرفت أن الأمر خرج عن السيطرة".
بالنسبة إلى أبي صالح، الظاهرة تضرّ البلدة وشبابها ولا تنفعهما: "معدل التحصيل الدراسي في مدرسة الذكور تدنّى كثيرا في العامين الأخيرين"، ويشير إلى أن "المواجهات تنفجر في موسم الامتحانات خاصة. إنها منفذٌ لفتيان لا يريدون الدراسة ويبحثون عن دور بطولة، ولا يملكون الوعي الكافي لمعنى ما يقومون به أو نتائجه".

في المقابل، محمد يروي..
محمد (14 عامًا) هو أحد هؤلاء الفتية. لكنه يقدم صورة عن حالهم تختلف كثيراً عن وصف رئيس البلدية: "نحن نصنع إنجازًا. فالاحتلال يستبيح أي شبر يريده في فلسطين، لكن جنوده لا يجرؤون على دخول سلواد، على الأقل ليس في وضح النهار، لأنهم يعرفون أننا سنمطرهم بالحجارة".
محمد يعرف تاريخ فلسطين، ويمتلك مفهومًا بسيطا ودقيقاً معاً عن الاحتلال: "إنهم مجموعة من الناس أرادوا إقامة دولة، لكنهم لم يملكوا بلدا لذلك، فخيّرتهم بريطانيا بين عدّة بلدان كانت تحتلها ليحتلوها لمصلحتها، فاختاروا فلسطين. وهكذا، صارت فلسطين محتلّة". محمد يقول إنه وأبناء جيله ليسوا متفقين على رأي واحد، رغم اتحادهم الظاهر في أثناء المواجهات: "بيننا من يؤيد "فتح"، وبيننا من يؤيد "حماس"، وبيننا أيضًا من يؤيد "الجبهة الشعبية". ونحن نتناقش باستمرار، ونختلف ونتشاجر أيضًا".
رغم صغر سنه، يعرف محمد أسماء رموز الفصائل الفلسطينية خلال الانتفاضة الثانية، ويحفظ سيرهم بالتفصيل: "قدوتي هو الشهيد فادي قفيشة، قائد "كتائب شهداء الأقصى" و "مجموعات فارس الليل" في نابلس، الذي فقد إحدى يديه وأصيب بجرح كبير في بطنه، لكنه استمر بالقتال حتى استشهد". يشرح محمد متحمسًا سيرة الشهيد قفيشة، مشيرًا إلى أنه تعلم ذلك كله من خلال "النت" الذي يستخدمه للمطالعة وزيادة معلوماته عن المقاومة والشهداء.
والدة محمد تستمع إليه متفاجئة: "لا أعرف متى صار يعرف ذلك كله. إنه طفل، لا يجوز أن يفكر بهذا الشكل". بالنسبة إليها، فإن "الإسرائيليين يبحثون عن استفزاز الشبان باستمرار لإبعادهم عن الدراسة، لأنهم يخافون أن يصعد جيل متعلم وقادر على مواجهتهم في المستقبل. يفضلون جيلًا من الشهداء والأسرى". لكن محمد يرد بأن "النضال ليس على حساب التعليم. فأنا أريد أن أتعلم وأدخل الجامعة أيضًا". ويتابع: "الشهداء قدوتي في إصرارهم وإخلاصهم، ليس بالضرورة في كيفية عيشهم. فأنا أعرف أن المرء لا يستطيع أن يعيش عشر سنين مثل فادي قفيشة".
والدة محمد تقول إنها تحاول أن تردعه من خلال تذكيره بزميله عروة حماد، الذي استشهد وهو في عمره. إلا أن محمد يصرّ على أن "استشهاد عروة أو أي شاب لا يخيفنا، بل يزيد فينا الغضب، والرغبة في مواصلة تحدّي الجنود الذين قتلوه".

"نحن الفتيات نستطيع!"
الغضب الذي يولّده استشهاد صديق، أو أيّ شاب مجايل، لا يقتصر على الشبان بطبيعة الحال، بل يشمل الفتيات أيضاً. يسرى (17 عامًا) هي طالبة في مدرسة سلواد للإناث، وتقول إن "الغضب أكبر بين الفتيات، لأنه لا يسمح لنا بالتعبير عن أنفسنا كما يفعل الشبان. الأهل يوبخونهم، ثم يعودون إلى المواجهات في اليوم التالي. أما نحن فلا يسمح لنا بالخروج من البيت حتى!".
تروي يسرى أن استشهاد عروة دفع بالفتيات إلى المحاولة، محاولة كسر القاعدة، عبر تنظيم مسيرة داخل البلدة: "خرجنا بالعشرات في البلدة هاتفات. لم يتوجه أحد إلى نقطة التماس، بل دارت التظاهرة في البلدة فقط. ومع ذلك، المعلمات أوقفنها وأجبرننا على العودة إلى المدرسة". وبحسب يسرى، فإن اعتقاد الفتيات بأهمية مشاركتهن في المواجهات يكبر عند نظرهن إلى أماكن مواجهة أخرى: "نحن نرى، مثلًا، أن الفتيات يشاركن في المواجهات في عوفر، ويتعرضن للاعتقال أيضًا. لماذا في سلواد لا يسمح لنا؟". وتعلن بإلحاح: "نحن الفتيات نستطيع أيضًا أن نفعل كل ما يفعله الشبان!".

أسباب قلق الأهالي: أين المشروع؟
على الرغم من اعتراف بعض الأهالي بوعي أبنائهم، فإن الكثير منهم يرى أن عملهم ليس له أيّ جدوى سياسية. سوسن، على سبيل المثال، هي أم لثلاثة أطفال. بالنسبة إليها، فإن الشبان يذهبون كـ "كبش فداء" من دون أن يحققوا شيئًا: "نحن عرفنا سنوات الانتفاضة الأولى والثانية. ماذا استفاد الشباب الذين استشهدوا بعمر الورود؟ الذي استفاد هم بعض السياسيون الذين حصدوا ثمار تضحيات غيرهم. لا أتحدث عن أمثال ثائر حماد وإبراهيم حامد الذين أدموا الاحتلال وأضرّوا به فعلًا، بل أتحدث عن شبان صغار استشهدوا من دون أن يحققوا شيئًا". وتضيف: "أسمع ابني الصغير يتحدث عن الشبان الذين يخوضون المواجهات ويقول إنهم "زلام" – أي رجال - ويريد أن يكون مثلهم عندما يكبر بضع سنوات أخرى، فينتابني القلق والخوف معًا. فأنا لا أٌقبل أن يضيع مستقبل ابني كي يصعد أحدهم إلى كرسي الزعامة على حسابه!".
والدة محمد تشارك سوسن الرأي. ترى أن غياب مشروع سياسي موحّد، وعجز الطبقة السياسية عن تقديم أي بديل في ظل استمرار الاحتلال وبطشه، يجعل اندفاع الشباب بلا أفق، وبلا فائدة: "هذه المواجهات لا تحقق أيّ تقدّم، ما لم يكن هناك مشروع سياسي موحد. فلماذا على ابني أن يستشهد أو يعتقل بينما تجلس القيادات مرتاحة من دون أن تتفق على مشروع واضح؟".
يسمع محمد أمه فيصرّ: "نحن لسنا مجبرين على الجلوس مكتوفين لأن من سبقنا لم يحقق شيئًا، بينما نرى الجنود يدخلون بلدتنا كما يشاؤون. هل علينا الانتظار حتى تتفق القيادات في ما بينها؟". ثم يقرّر بنبرة حاسمة وابتسامة ساخرة ان الجنود، "عندما يمرون بالبلدة خائفين النزول من سياراتهم، ويسرعون هاربين ما ان يقفز أحدنا إلى الشارع.. هذا، بحد ذاته، إنجاز!".