| 

تتوارى‭ ‬فلسطين‭ ‬ويشحب‭ ‬حضورها‭ ‬عربياً،‭ ‬وهي‭ ‬القضية‭ ‬المقدسة،‭ ‬مركز‭ ‬النضال‭ ‬العربي‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬التحرر‭ ‬والتقدم‭ ‬والوحدة،‭ ‬السبب‭ ‬في‭ ‬اعتماد‭ ‬القمة‭ ‬العربية‭ ‬بدءاً‭ ‬من‭ ‬أيار‭ ‬1963‭ ‬كلقاء‭ ‬سنوي‭ ‬جامع‭ ‬للمختلفين‭ ‬والمتخاصمين‭ ‬والمتحالفين‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬الخلاف‭ ‬مع‭ ‬الآخرين‭.. ‬ويتراجع‭ ‬الاهتمام‭ ‬بها‭ ‬سياسياً‭ ‬وشعبياً‭ ‬بينما‭ ‬تتهاوى‭ ‬مكانتها‭ ‬في‭ ‬الوجدان‭ ‬العربي‭ ‬نتيجة‭ ‬خيبات‭ ‬الأمل‭ ‬التي‭ ‬تجرعها‭ ‬المواطن‭ ‬العربي‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬سنوات‭ ‬‮«‬النكبة‮»‬‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬1948،‭ ‬التي‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬عززتها‭ ‬‮«‬النكسة‮»‬‭ ‬بعد‭ ‬عشرين‭ ‬سنة‭ (‬5‭ ‬حزيران‭ ‬1967‭)‬،‭ ‬ثم‭ ‬توالت‭ ‬النكبات‭ ‬والنكسات‭ ‬وما‭ ‬تزال‭ ‬تتوالد‭ ‬من‭ ‬ذاتها‭ ‬حتى‭ ‬اليوم‭.‬
ولقد‭ ‬كان‭ ‬مفجعاً‭ ‬أن‭ ‬تتوالى‭ ‬التفجرات‭ ‬والانتفاضات‭ ‬الشعبية‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬السنوات‭ ‬الأربع‭ ‬الأخيرة‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬تحتل‭ ‬فلسطين،‭ ‬بواجب‭ ‬تحريرها،‭ ‬مركز‭ ‬الصدارة‭ ‬فيها‭: ‬كيف‭ ‬يكون‭ ‬‮«‬ربيعاً‮»‬‭ ‬ويكون‭ ‬‮«‬عربياً‮»‬‭ ‬وليست‭ ‬فلسطين‭ ‬الشرارة‭ ‬والمقصد‭ ‬ومركز‭ ‬الدائرة‭ ‬فيه،‭ ‬ولا‭ ‬تحريرها‭ ‬هو‭ ‬الهدف‭ ‬الذي‭ ‬في‭ ‬هديه‭ ‬ومن‭ ‬أجل‭ ‬بلوغه‭ ‬ترسم‭ ‬خطة‭ ‬السير‭ ‬ويكون‭ ‬التحرك‭ ‬لاكتساب‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الأصـــــدقاء‭ ‬ومحاصرة‭ ‬العدو‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬سياسياً‭ ‬واقتصادياً‭ ‬والتشهير‭ ‬بعنـــــــــصريته‭ ‬التي‭ ‬اعتمدها‭ ‬رسمياً‭ ‬عبر‭ ‬الإعلان‭ ‬أن‭ ‬‮«‬إسرائيل‭ ‬دولة‭ ‬يهود‭ ‬العالم‮»‬؟‭!‬
‭] ] ]‬
توالت‭ ‬المشاهد‭ ‬في‭ ‬تفجرات‭ ‬الغضب‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬الجهات‭ ‬العربية،‭ ‬ولكن‭ ‬نادراً‭ ‬ما‭ ‬رُفع‭ ‬علم‭ ‬فلسطين‭ ‬في‭ ‬الموجات‭ ‬الجماهيرية‭ ‬التي‭ ‬ملأت‭ ‬الساحات‭ ‬والشوارع‭ ‬في‭ ‬العواصم‭ ‬العربية‭: ‬من‭ ‬تونس‭ ‬بداية‭ ‬إلى‭ ‬القاهرة‭ ‬وسائر‭ ‬مدن‭ ‬‮«‬القطر‭ ‬المصري‮»‬‭ ‬فإلى‭ ‬سوريا‭ ‬فالعراق،‭ ‬رجوعاً‭ ‬إلى‭ ‬ليبيا‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬اليمن‭: ‬كانت‭ ‬فلسطين‭ ‬الغائب‭ ‬الأكبر‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬الانفجار‭ ‬الشعبي‭ ‬الذي‭ ‬بشّر‭ ‬بتغيير‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬التاريخ،‭ ‬ولو‭ ‬جزئياً،‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬تونس‭ ‬ومصر‭ ‬وليبيا،‭ ‬وما‭ ‬يزال‭ ‬يفعل‭ ‬فعله‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬وإن‭ ‬غمره‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الضباب‭ ‬نتيجة‭ ‬الاختراقات‭ ‬المتوالية‭ ‬التي‭ ‬أخرجت‭ ‬‮«‬المشروع‭ ‬الثوري‮»‬‭ ‬من‭ ‬إطاره‭ ‬الشعبي‭ ‬كمطلب‭ ‬للتغيير‭ ‬بوصفه‭ ‬حقاً‭ ‬شرعياً‭ ‬وحوّلته‭ ‬إلى‭ ‬حرب‭ ‬أهلية‭ ‬تدمر‭ ‬الدولة‭ ‬وتهدد‭ ‬وحدة‭ ‬الشعب‭... ‬وأما‭ ‬العراق‭ ‬فالوضع‭ ‬فيه‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭ ‬من‭ ‬اختزاله‭ ‬بكلمات،‭ ‬فهو‭ ‬يحتاج‭ ‬مجلداً‭ ‬لإعادة‭ ‬تحديد‭ ‬معنى‭ ‬‮«‬الوطنية‮»‬‭ ‬و‭ ‬‮«‬العروبة‮»‬‭ ‬وسط‭ ‬الموجة‭ ‬العارمة‭ ‬لإعادة‭ ‬بعث‭ ‬الهويات‭ ‬العرقية‭ ‬للأقليات‭ ‬بوصفها‭ ‬‮«‬قوميات‮»‬‭ ‬والتحريض‭ ‬المتواصل‭ ‬لإغراق‭ ‬العراقيين‭ ‬في‭ ‬بحور‭ ‬من‭ ‬دمائهم‭ ‬بالفتنة‭.‬
‭... ‬وها‭ ‬هو‭ ‬تنظيم‭ ‬‮«‬الدولة‭ ‬الإسلامية‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬والشام‮»‬‭ ‬يجتاح‭ ‬الكيانات‭ ‬ـ‭ ‬الدول‭ ‬الهشة‭ ‬بأنظمتها‭ ‬المتهالكة،‭ ‬ويدفن‭ ‬الأحزاب‭ ‬العقائدية‭ ‬التي‭ ‬انتهت‭ ‬صلاحيتها‭ ‬منذ‭ ‬زمن‭ ‬بعيد‭ ‬ولم‭ ‬تجد‭ ‬من‭ ‬يواريها‭ ‬في‭ ‬متاحف‭ ‬التاريخ‭ ‬كشواهد‭ ‬على‭ ‬الانسياق‭ ‬وراء‭ ‬إغراء‭ ‬السلطة‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬تدمير‭ ‬الكيان‭ ‬والدولة،‭ ‬والأخطر‭: ‬وحدة‭ ‬الشعب‭.‬
فلسطين‭ ‬اليوم‭ ‬‮«‬يتيمة‮»‬‭ ‬كما‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬يوم،‭ ‬فالأنظمة‭ ‬العربية‭ ‬متباعدة‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬الخصام،‭ ‬متهالكة‭ ‬لا‭ ‬تجد‭ ‬عندها‭ ‬من‭ ‬القدرة‭ ‬ما‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تواجه‭ ‬به‭ ‬بضعة‭ ‬آلاف‭ ‬من‭ ‬المقاتلين‭ ‬رافعي‭ ‬راية‭ ‬الإسلام،‭ ‬المنادين‭ ‬بدولة‭ ‬إسلامية‭ ‬يستقدمون‭ ‬مثالها‭ ‬بالسيف‭ ‬والدبابة‭ ‬والمدفع‭ ‬والذبح‭ ‬وتدمير‭ ‬المدن‭ ‬والقرى‭ ‬من‭ ‬خارج‭ ‬التاريخ‭.‬
ولقد‭ ‬شملت‭ ‬غزوات‭ ‬‮«‬داعش‮»‬‭ ‬حتى‭ ‬اليوم‭ ‬العراق‭ ‬وسوريا،‭ ‬مع‭ ‬قفزة‭ ‬إلى‭ ‬شمالي‭ ‬أفريقيا‭ ‬باتخاذ‭ ‬ليبيا‭ ‬قاعدة‭ ‬ومنطلقاً‭ ‬إلى‭ ‬روما‭ ‬التي‭ ‬تروّج‭ ‬‮«‬داعش‮»‬‭ ‬أنها‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬‮«‬الخريطة‭ ‬الأصلية‮»‬‭ ‬لمشروع‭ ‬الفتح‭ ‬الإسلامي‭..‬
وعلى‭ ‬امتداد‭ ‬ثمانية‭ ‬شهور‭ ‬من‭ ‬المعارك‭ ‬والإعدامات‭ ‬والحرائق‭ ‬المدبرة‭ ‬للمدن‭ ‬والقرى،‭ ‬ومحاولة‭ ‬إقامة‭ ‬الركائز‭ ‬‮«‬للدولة‮»‬‭ ‬العتيدة‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬الموصل‭ ‬وتكريت‭ ‬ومدن‭ ‬عراقية‭ ‬أخرى‭ ‬وفي‭ ‬الرقة‭ ‬وبعض‭ ‬ريف‭ ‬دير‭ ‬الزور‭ ‬والحسكة‭ ‬في‭ ‬شمالي‭ ‬وشرقي‭ ‬سوريا،‭ ‬فإن‭ ‬‮«‬داعش‮»‬‭ ‬لم‭ ‬يذكر‭ ‬كلمة‭ ‬فلسطين‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬بيان‭.. ‬بل‭ ‬إن‭ ‬‮«‬خطبة‭ ‬البيعة‮»‬‭ ‬التي‭ ‬ألقاها‭ ‬‮«‬الخليفة‭ ‬أبو‭ ‬بكر‭ ‬البغدادي‮»‬‭ ‬في‭ ‬المسجد‭ ‬الكبير‭ ‬في‭ ‬الموصل‭ ‬قد‭ ‬خلت‭ ‬من‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬فلسطين،‭ ‬وبالتالي‭ ‬إلى‭ ‬العدو‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬من‭ ‬قريب‭ ‬أو‭ ‬بعيد‭. ‬ويبدو‭ ‬أن‭ ‬المسجد‭ ‬الأقصى،‭ ‬أولى‭ ‬القبلتين‭ ‬وثالث‭ ‬الحرمين،‭ ‬بل‭ ‬ومجموع‭ ‬الأرض‭ ‬الفلسطينية‭ ‬المقدسة‭ (‬والمحتلة‭) ‬لا‭ ‬تشغل‭ ‬بال‭ ‬الخليفة‭ ‬والتنظيم‭ ‬ذي‭ ‬الشعار‭ ‬الإسلامي‭ ‬المقلّد‭ ‬للراية‭ ‬التي‭ ‬رُفعت‭ ‬في‭ ‬فجر‭ ‬الإسلام‭.‬
اللافت‭ ‬أيضاً‭ ‬أن‭ ‬السلطة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬وكذلك‭ ‬المنظمات‭ ‬على‭ ‬اختلاف‭ ‬توجهاتها‭ ‬قد‭ ‬اعتمدت‭ ‬الصمت‭ ‬سياسة‭ ‬تجاه‭ ‬هذا‭ ‬التنظيم‭ ‬الآتي‭ ‬من‭ ‬الجاهلية،‭ ‬ربما‭ ‬لأنها‭ ‬تفضل‭ ‬عدم‭ ‬الاشتباك‭ ‬معه،‭ ‬‮«‬وطالما‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يعلن‭ ‬الحرب‭ ‬علينا‭ ‬فلماذا‭ ‬نبادئه‭ ‬بالحرب‮»‬؟‭!‬
الواضح‭ ‬أن‭ ‬قيادة‭ ‬السلطة‭ ‬تتابع‭ ‬مجهوداتها‭ ‬الديبلوماسية‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬المحكمة‭ ‬الدولية‭ ‬لإدانة‭ ‬إسرائيل‭ ‬بجرائمها‭ ‬العنصرية‭... ‬وأن‭ ‬‮«‬حماس‮»‬‭ ‬مشغولة‭ ‬بمحاولة‭ ‬تدبير‭ ‬مصادر‭ ‬تمويل‭ ‬لإعادة‭ ‬بناء‭ ‬ما‭ ‬هدمته‭ ‬الحرب‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬الرابعة‭ ‬أو‭ ‬الخامسة‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬القطاع‭ ‬الفقير‭ ‬بأرضه‭ ‬وبموارد‭ ‬سكانه‭ ‬الذين‭ ‬يشكل‭ ‬‮«‬مغتربوهم‮»‬‭ ‬و‭ ‬‮«‬العاملون‭ ‬في‭ ‬الجزيرة‭ ‬والخليج‮»‬‭ ‬أهم‭ ‬مصادر‭ ‬كلفة‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬القطاع،‭ ‬غزة‭ ‬هاشم‭.‬
‭] ] ]‬
لا‭ ‬يمكن‭ ‬تناسي‭ ‬الحصار‭ ‬الذي‭ ‬فرضته‭ ‬السلطات‭ ‬المصرية‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬القطاع‭ ‬من‭ ‬ضمنها‭ ‬حربها‭ ‬على‭ ‬تنظيم‭ ‬الإخوان‭ ‬المسلمين‭ ‬في‭ ‬مصر،‭ ‬بعد‭ ‬إسقاط‭ ‬حكمه‭ ‬في‭ ‬القاهرة،‭ ‬معتبرة‭ ‬أن‭ ‬تجريم‭ ‬التنظيم‭ ‬يشمل‭ ‬أعضاءه‭ ‬جميعاً‭ ‬وفي‭ ‬أي‭ ‬مكان‭ ‬تواجدوا‭... ‬ثم‭ ‬إن‭ ‬السلطة‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬ظلت‭ ‬حتى‭ ‬الأمس‭ ‬القريب‭ ‬تعتبر‭ ‬أن‭ ‬‮«‬حماس‮»‬‭ ‬بوصفها‭ ‬‮«‬إخوانية‮»‬‭ ‬العقيدة‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬شريكة‭ ‬مع‭ ‬إخوان‭ ‬مصر‭ ‬في‭ ‬التواطؤ‭ ‬على‭ ‬الحكم‭ ‬الجديد‭ ‬ولا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬إنزال‭ ‬العقوبة‭ ‬بها،‭ ‬خصوصاً‭ ‬وأن‭ ‬مسألة‭ ‬‮«‬الأنفاق‮»‬‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬أهم‭ ‬مصادر‭ ‬السلاح‭ ‬لمقاتلي‭ ‬‮«‬حماس‮»‬‭ ‬قد‭ ‬تجاوز‭ ‬من‭ ‬حفرها‭ ‬مهمة‭ ‬تعزيز‭ ‬المجاهدين‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬بالصواريخ‭ ‬وسائر‭ ‬أصناف‭ ‬السلاح‭ ‬إلى‭ ‬الإفادة‭ ‬منها‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إدخال‭ ‬البضائع‭ ‬والمؤن‭ ‬بتعزيز‭ ‬خطوط‭ ‬التهريب‭. ‬ويبدو‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬التنظيمات‭ ‬الأصولية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬موجودة‭ ‬في‭ ‬سيناء،‭ ‬في‭ ‬جوار‭ ‬غزة‭ ‬القريب،‭ ‬قد‭ ‬أفادت‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الأنفاق‭ ‬وشحنات‭ ‬السلاح‭ ‬المهربة‭ ‬من‭ ‬ليبيا‭ ‬عبر‭ ‬السودان،‭ ‬فعززت‭ ‬قدراتها‭ ‬الميدانية‭ ‬و‭ ‬‮«‬تفرغ‮»‬‭ ‬المجاهدون‭ ‬لمطاردة‭ ‬نقاط‭ ‬السيطرة‭ ‬العسكرية‭ ‬المصرية‭ ‬محدودة‭ ‬العديد‭ ‬والتسليح،‭ ‬بحكم‭ ‬معاهدة‭ ‬كامب‭ ‬ديفيد‭ ‬وقبلها‭ ‬نتائج‭ ‬حرب‮٧٦٩١‬فقتلت‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الضباط‭ ‬والجنود،‭ ‬مما‭ ‬زاد‭ ‬من‭ ‬استرابة‭ ‬السلطات‭ ‬المصرية‭ ‬في‭ ‬قيام‭ ‬‮«‬تواطؤ‮»‬‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬‮«‬حماس‮»‬‭ ‬والتنظيمات‭ ‬المسلحة‭ ‬ذات‭ ‬الشعار‭ ‬الإسلامي‭ ‬في‭ ‬سيناء‭.‬
في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مستغرباً‭ ‬أو‭ ‬مفاجئاً‭ ‬أن‭ ‬تعلن‭ ‬هذه‭ ‬التنظيمات‭ ‬توحدها‭ ‬في‭ ‬‮«‬الجهاد‮»‬‭ ‬ضد‭ ‬النظام‭ ‬المصري،‭ ‬ثم‭ ‬أن‭ ‬تبايع‭ ‬‮«‬الخليفة‭ ‬أبا‭ ‬بكر‭ ‬البغدادي‮»‬‭ ‬معلنة‭ ‬انخراطها‭ ‬في‭ ‬‮«‬دولته‮»‬‭...‬
وهكذا‭ ‬تجاوزت‭ ‬حدود‭ ‬الخلافة‭ ‬المستحدثة‭ ‬والطارئة‭ ‬على‭ ‬التاريخ‭ ‬بلاد‭ ‬العراق‭ ‬والشام‭ ‬إلى‭ ‬سيناء‭ (‬تمهيداً‭ ‬لدخول‭ ‬مصر‭!) ‬ثم‭ ‬إلى‭ ‬ليبيا،‭ ‬الذي‭ ‬أعلن‭ ‬هذا‭ ‬التنظيم‭ ‬السفاح‭ ‬بيعته‭ ‬‮«‬للخليفة‭ ‬البغدادي‮»‬‭ ‬عبر‭ ‬مذبحة‭ ‬فظيعة‭ ‬أعدم‭ ‬خلالها‭ ‬واحداً‭ ‬وعشرين‭ ‬من‭ ‬العمال‭ ‬المصريين‭ ‬الذين‭ ‬ذهبوا‭ ‬إلى‭ ‬ليبيا‭ ‬يبيعون‭ ‬عرق‭ ‬جباههم‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إعالة‭ ‬أهلهم‭ ‬في‭ ‬مصر،‭ ‬وقد‭ ‬تقصّد‭ ‬‮«‬داعش‮»‬‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬ضحاياه‭ ‬من‭ ‬الأقباط‭ ‬المصريين،‭ ‬في‭ ‬جهد‭ ‬إضافي‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إشعال‭ ‬نار‭ ‬الفتنة‭ ‬في‭ ‬مصر‭.‬
اللافت‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬ما‭ ‬يشبه‭ ‬معاهدة‭ ‬عدم‭ ‬اعتداء‭ ‬بين‭ ‬العدو‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬وتنظيم‭ ‬‮«‬داعش‮»‬‭... ‬فلا‭ ‬هو‭ ‬تعرض‭ ‬لدولة‭ ‬العدو،‭ ‬ولا‭ ‬لسفاراتها‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬دولة‭ ‬في‭ ‬الخارج‭. ‬بل‭ ‬إن‭ ‬بعض‭ ‬التنظيمات‭ ‬التي‭ ‬تقاتل‭ ‬النظام‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬رافعة‭ ‬الشعار‭ ‬الإسلامي،‭ ‬قد‭ ‬بادرت‭ ‬مؤخراً‭ ‬إلى‭ ‬إعلان‭ ‬بيعتها‭ ‬لتنظيم‭ ‬‮«‬داعش‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يصدر‭ ‬عنها،‭ ‬كما‭ ‬عن‭ ‬‮«‬جبهة‭ ‬النصرة‮»‬‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تنسب‭ ‬نفسها‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬القاعدة‮»‬‭ ‬أي‭ ‬بيان‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬العدو‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬من‭ ‬قريب‭ ‬أو‭ ‬بعيد‭. ‬
لكأن‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬التنظيمات‭ ‬الإسلامية‭ ‬ذات‭ ‬النزعة‭ ‬الانتحارية‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إعادة‭ ‬الخلافة‭ ‬وذات‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬‮«‬هداية‮»‬‭ ‬المسلمين،‭ ‬مرة‭ ‬أخرى،‭ ‬إلى‭ ‬الدين‭ ‬الحنيف،‭ ‬تعتبر‭ ‬المسيحيين‭ ‬عرباً‭ ‬وأشوريين‭ ‬وكلداناً‭ ‬وإيزيديين‭ ‬في‭ ‬منزلة‭ ‬بين‭ ‬منزلتي‭ ‬أهل‭ ‬الذمة‭ ‬أو‭ ‬الكفار‭ ‬الواجبة‭ ‬هدايتهم‭ ‬والمبرر‭ ‬سبي‭ ‬نسائهم‭ ‬وتجنيد‭ ‬أطفالهم‭ ‬في‭ ‬جيوش‭ ‬أمير‭ ‬المؤمنين،‭ ‬أما‭ ‬رجالهم‭ ‬فمن‭ ‬آمن‭ ‬سلم‭ ‬أما‭ ‬من‭ ‬أبى‭ ‬واستكبر‭ ‬فرضت‭ ‬عليه‭ ‬الجزية،‭ ‬هذا‭ ‬إذا‭ ‬منّ‭ ‬عليه‭ ‬بالحياة‭.‬
‭] ] ]‬
من‭ ‬الأخبار‭ ‬القليلة‭ ‬التي‭ ‬تخفف‭ ‬القلق‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬محاكم‭ ‬القاهرة‭ ‬قد‭ ‬برأت،‭ ‬قبل‭ ‬أيام،‭ ‬تنظيم‭ ‬‮«‬حماس‮»‬‭ ‬من‭ ‬الاشتراك‭ ‬في‭ ‬الجرائم‭ ‬التي‭ ‬اتهم‭ ‬بارتكابها‭ ‬بعض‭ ‬الشبكات‭ ‬التي‭ ‬تجاهر‭ ‬بانتمائها‭ ‬إلى‭ ‬تنظيم‭ ‬الإخوان‭ ‬المسلمين‭ ‬في‭ ‬مصر،‭ ‬والتي‭ ‬أدين‭ ‬أفرادها‭ ‬وحكم‭ ‬على‭ ‬كثير‭ ‬منهم‭ ‬بالإعدام‭.‬
لقد‭ ‬اعتبرت‭ ‬هذه‭ ‬التبرئة‭ ‬خطوة‭ ‬أولى‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬ترميم‭ ‬العلاقة‭ ‬مع‭ ‬‮«‬حماس‮»‬‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬مصالحة‭ ‬شاملة‭ ‬فعلى‭ ‬الأقل‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬فك‭ ‬الحصار‭ (‬المصري‭ ‬الآن‭) ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬القطاع‭ ‬المتروك‭ ‬أهله‭ ‬للريح‭.‬
ولكم‭ ‬كان‭ ‬مهيناً‭ ‬أن‭ ‬تتقصد‭ ‬إسرائيل‭ ‬الظهور‭ ‬بمظهر‭ ‬المشفق‭ ‬على‭ ‬أهالي‭ ‬غزة،‭ ‬التي‭ ‬قتلت‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬أطفالهم‭ ‬ونسائهم‭ ‬وشيوخهم‭ ‬والرجال،‭ ‬ودمرت‭ ‬عمرانهم‭ ‬بيوتاً‭ ‬ومساجد‭ ‬ومدارس‭ ‬ومستشفيات‭ ‬ومنشآت‭ ‬تابعة‭ ‬لمنظمات‭ ‬دولية‭ ‬
‭] ] ]‬
هل‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬التذكير‭ ‬بأن‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬دولة‭ ‬عربية‭ ‬يشغل‭ ‬بال‭ ‬قيادتها‭ ‬الآن‭ ‬مصير‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تهالك‭ ‬السلطة‭ ‬التي‭ ‬تجهر‭ ‬بإفلاسها‭ ‬مالياً،‭ ‬بينما‭ ‬يشحب‭ ‬وجودها‭ ‬السياسي‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬خدمة‭ ‬القضية‭ ‬المقدسة‭...‬
ومع‭ ‬أن‭ ‬الإدانات‭ ‬المتوالية‭ ‬والصادرة‭ ‬عن‭ ‬هيئات‭ ‬دولية‭ ‬معنوية‭ (‬إنسانية‭ ‬أساساً‭) ‬تفضح‭ ‬الممارسات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬وتؤكد‭ ‬شيئاً‭ ‬من‭ ‬التعاطف‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬الشعب‭ ‬الممنوع‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬له‭ ‬دولة‭ ‬فوق‭ ‬أرضه،‭ ‬ولكنها‭ ‬لا‭ ‬توقف‭ ‬إسرائيل‭ ‬عن‭ ‬التمادي‭ ‬في‭ ‬‮«‬استيراد‮»‬‭ ‬المستوطنين،‭ ‬ولا‭ ‬هي‭ ‬توقف‭ ‬مصادرتها‭ ‬لأراضي‭ ‬الفلسطينيين‭ (‬حتى‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬يفترض‭ ‬أنها‭ ‬تحت‭ ‬حكم‭ ‬السلطة‭)..‬
كذلك‭ ‬فإن‭ ‬الاعتراف‭ ‬المتأخر‭ ‬بمشروع‭ ‬الدولة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬والذي‭ ‬أقدمت‭ ‬عليه‭ ‬بعض‭ ‬دول‭ ‬الشمال‭ ‬الأوروبي،‭ ‬كالنروج‭ ‬مثلاً،‭ ‬يعطي‭ ‬دفعاً‭ ‬معنوياً‭ ‬‭ ‬السلطة‭ ‬بتذكير‭ ‬العالم‭ ‬بحق‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬أرضه‭.‬
ولكن‭ ‬المسألة‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً،‭ ‬بشهادة‭ ‬المناورات‭ ‬ووجوه‭ ‬التآمر‭ ‬التي‭ ‬شهدها‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬الدولي‭ ‬عندما‭ ‬تقدمت‭ ‬منه‭ ‬السلطة‭ ‬طالبة‭ ‬بعض‭ ‬حقوق‭ ‬الدول‭ ‬فرفضت‭ ‬الأكثرية‭ ‬معززة‭ ‬بالفيتو‭ ‬الأميركي‭.‬
خلاصة‭ ‬الكلام‭: ‬أن‭ ‬فلسطين‭ ‬المنقسمة‭ ‬‮«‬سلطاتها‮»‬‭ ‬على‭ ‬ذاتها،‭ ‬والتي‭ ‬يصل‭ ‬الانقسام‭ ‬بينها‭ ‬إلى‭ ‬حدود‭ ‬المخاصمة‭ ‬التي‭ ‬تكاد‭ ‬تصير‭ ‬عداءً‭ ‬معلناً‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬معينة،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تحقق‭ ‬حلم‭ ‬‮«‬الدولة‮»‬‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬هذه‭ ‬الأوضاع‭ ‬العربية،‭ ‬حيث‭ ‬تعيش‭ ‬شعوب‭ ‬عربية‭ ‬عديدة‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الخوف‭ ‬الجدي‭ ‬على‭ ‬‮«‬دولها‮»‬‭ ‬المتهالكة،‭ ‬والتي‭ ‬تذهب‭ ‬في‭ ‬طلب‭ ‬النجدة‭ ‬لمواجهة‭ ‬‮«‬داعش‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬دول‭ ‬الاستعمار‭ ‬قديمه‭ ‬والجديد‭... ‬وهي‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬استولدت‭ ‬ورعت‭ ‬الكيان‭ ‬الصهيوني‭ ‬فوق‭ ‬أرض‭ ‬فلسطين‭.‬
إن‭ ‬العرب‭ ‬بمجموعهم‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬التيه‭..‬
والتيه‭ ‬لا‭ ‬يحمي‭ ‬دولاً‭ ‬قائمة‭ ‬ولا‭ ‬يمهد‭ ‬لإقامة‭ ‬دولة‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬فلسطين‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الاحتلال‭ ‬الإٍسرائيلي‭: ‬الحليف‭ ‬الأعظم‭ ‬لـ‭ ‬‮«‬داعش‮»‬‭ ‬وسائر‭ ‬تنظيمات‭ ‬الإسلام‭ ‬السياسي‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬القتل‭ ‬الجماعي‭ ‬وسيلة‭ ‬للتبشير‭ ‬بالدين‭ ‬الحنيف‭.‬
إن‭ ‬الحكام‭ ‬القائمين‭ ‬بالأمر‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬لا‭ ‬يفكرون‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬حماية‭ ‬أنظمتهم‭... ‬وتجيء‭ ‬أنت‭ ‬لتحدثهم‭ ‬عن‭ ‬فلسطين؟‭!‬