| 

عند المعبر بين فلسطين والأردن، وفي أثناء مغادرتهما الأولى، التقت أسماء بسامي جيتان، وهما فلسطينيان لاجئان ويعيشان في أميركا. كان سامي في نابلس، وأسماء تنقلت بين نابلس والقدس. لم يعرف أحدهما الآخر قبل لقاء صدفة جمعهما عند "جسر الملك حسين". كان ذلك يوم الخامس عشر من أيار/ مايو 2012، أي في ذكرى النكبة. وكانت أسماء قد تأخرت على الحافلة الأولى المغادرة باتجاه الجانب الأردنيّ. لو لم تخسر هذه الرحلة لما تعرفت إلى سامي، الذي سيصبح حبيبها وشريك حياتها بعد هذا اللقاء.
"كنا في طابور جوازات السفر"، تقول أسماء، "وسألني أين تسكنين في أميركا؟"، فأجبته: "في ولاية كارولاينا الجنوبية". قال لي: "وأنا أيضًا". اعتقدتُ عندها أنه يعاكسني. لكن سرعان ما بدأنا بالحديث عن شعورنا كفلسطينيّين في الغربة. كانت هذه المرة الأولى التي نعيش فيها فترات طويلة في بلدنا، كانت محادثة عميقة، جلسنا متجاورَين في الحافلة المتجهة نحو الأردن، ومن ثم تشاركنا في طلب تاكسي باتجاه عمّان، وتبادلنا الإيميلات".

أرشيف وآلة زمن

أجريت حديثي مع أسماء وسامي عبر برنامج "سكايب"، أنا في عكّا وهما في بوسطن. يدرسان في "جامعة هارفرد"، الجامعة التي حصلا منها على الجائزة الكبرى في مختبر الابتكار للعام 2014، عن مشروعهما PIVOT . هو تطبيق للهواتف الذّكية، يعمل على كشف طبقات زمنية متنوعة لأمكنة ومناطق محددة. تم تطبيقه بالأساس لجامعة "هارفرد" ولفلسطين، حيث يشمل معلومات تاريخية عن هذه الأمكنة، صور من فترات زمنية متعددة، مقاطع فيديو، روايات شفوية رقميّة، كلّها ترتكز على تفاعل المستخدم ووجوده في المكان المحدد: المستخدم في القدس مثلاً، والتطبيق مفعّلٌ، فيمر بجانب مكانٍ تاريخي موثّق ضمن التطبيق، فيصدر التطبيق إنذاراً للدلالة على وجود موقع موثّق بمعلوماته وصوره التاريخيّة فيه. يقوم المستخدم عندها برفع هاتفه باتجاه المكان، يوجّه عدسة الكاميرا نحوه، فيظهر التطبيق صورة قديمة ومعلومات عن المكان. أيضاً، يمكّن التطبيق المرء من القيام بجولات افتراضية في أيّ مكانٍ في العالم.
يشرح سامي جيتان: "مثلًا، تخيّلي أنّ لاجئاً فلسطينيّاً يعيش في الأردن أو لبنان أو فرنسا، ولا يستطيع زيارة فلسطين. صار بإمكانه أن يقرأ ويشاهد الأرشيف الذي نعمل على تجميعه وحفظه في التطبيق. خاصة أن مصدر الأرشيف مؤسّسات ومكتبات ومتاحف، وقد قمنا نحن بتحويل المعلومات إلى رقميّة. وبعد فترة، سوف نطلب من الناس أن يساهموا في بناء هذا الأرشيف. سندعو الفلسطينيّين إلى المساهمة ببناء أرشيفهم الخاص، بصورهم ومعلوماتهم عن المناطق. نريد أن نطلب من الناس أن يُخرجوا الوثائق التاريخية التي يحفظونها، ويرسلوها إلينا، ونحن بدورنا سوف نضيفها إلى الأرشيف كي يراها العالم كله، طبعًا بعد التأكد من أن المعلومات والمصادر صحيحة. لهذا، أطلقنا على المشروع الاسم Shoebox archiving، أي مشروع صناديق الأحذية للأرشفة، حيث أن معظمنا يحتفظ بالوثائق المهمة والصور فيها".
كانت "جامعة هارفرد" قد أحبّت فكرة أسماء جابر وسامي جيتان، واعتبرت المشروع قابلاً للتطبيق في كل العالم، وليس فقط في فلسطين وهارفرد. وهذا الهدف يشكّل جزءاً من مخططات الثنائيّ المستقبلية، إذ سيتوسع المشروع ليحتضن قصص العالم من فترات تاريخية عديدة. ولكن التركيز على فلسطين وتاريخها هو الهدف الأول. بعد تحقيقه، سيشمل المشروع مناطق أخرى، خاصة تلك التي دمّر تاريخها أو التي تعيش تحت تهديد التدمير المستمر.

أصل الابتكار قصّة

جاء ابتكار هذا التطبيق ليلبّي حاجةً شخصية لدى كلّ من أسماء وسامي. إذ وُلد والد أسماء في الناصرة قبل النكبة، ويعود أصله إلى قرية المزرعة الشرقية قضاء رام الله. ومن الناصرة، تهجّرت عائلته على يد العصابات الصهيونية باتجاه المزرعة الشرقية، وبقيت فيها حتى النكسة. في تلك الفترة، كان والدها يدرس في السعودية. وحين أراد العودة إلى الضفّة الغربية، منعه الإسرائيليون فخسر هويته وبقي في الأردن. وبعد أيلول الأسود، قرّر أن يذهب إلى أميركا. تقول أسماء: "عندما بدأنا بالذهاب إلى المدرسة، لم نكن نعرف الإنكليزيّة أبدًا، كنا نتحدث بالعربية في البيت فقط، ويحدّثنا والداي عن فلسطين التي كانت. دائمًا، كنت أتخيّل شكل فلسطين حين عاش فيها والدي. في العام 2009، كنت محظوظة بأني ذهبت إلى زيارتها مع أبي، أردت أن أرى كل شيء، أين وُلد وترعرع، ... كانت زيارة جميلة وحزينة، وذلك لأن كلّ لاجئ يشعر دائمًا بالفقدان، بأن هناك أمرًا ناقصًا وإنه خسر أشياء كثيرة. حين كان أبي لا يزال حيًّا، رحمه الله، كنت أشعر بأني أعرف كل شيء عن فلسطين. وحين نذهب إليها سوية، كنت أشعر بأني على معرفة بما يوجد تحت قدمي. لكن، بعد رحيله وزيارتي فلسطين وحدي، شعرت بغربةٍ مضاعفة. وعندما عدت إلى "جامعة هارفرد"، قررتُ أن أبني تطبيقًا عن قرية أبي والناصرة أيضًا، يُظهر شكل القرية والمدينة في الفترة التي عاش فيهما والدي. ومن هنا بدأت قصة التطبيق".
أما سامي جيتان فقد وُلد في السعودية لوالدين لاجئين وُلدا في عمان. انتقلا إلى اميركا، حيث عاشت العائلة بدايةً في ولاية فيرجينيا الغربية، وكان والده طبيب قلب، يتجول بين ولايات أميركية لا يعمل فيها أطباء أميركيون، بحسب الشروط. وهكذا، وصلت العائلة إلى ولاية كارولاينا الجنوبية، التي تعيش فيها عائلة أسماء جابر أيضًا. لكنهما لم يلتقيا ولم يتعرفا إلى بعضيهما في أثناء مكوث عائلتهما في الولاية ذاتها، فكان الجسر بين الأردن وفلسطين هو محطة الهوى.
درس سامي علوم الإنسان (الأنثروبولوجيا)، وعمل صحافيًا مستقلًا في الأردن. وبعد تعرّفه إلى أسماء، قررا أن يعملا سوياً على فكرة تطبيق الهاتف الذكي. يقول سامي: "كان سؤالي: كيف يمكن أن نحيي ذكرى والدها وبالوقت نفسه نتذكر القصّة الفلسطينيّة ونحافظ عليها من أجل أطفالنا في المستقبل؟ كيف يمكن أن ندمج بين التكنولوجيا والقصص والتاريخ؟".

التاريخ هو قصّتي أيضًا

بالإضافة إلى أن قصّة كل منهما هي دافع تجاه ابتكار تطبيق PIVOT (محور)، يرى سامي جيتان أنّ الهدف الأساسي من ابتكاره جاء من إيمانه بأنه يتوجّب على الناس أن يعرفوا الماضي، يتثقفوا منه، يتصلوا به، تفاصيله وتضحياته. يقول: "التاريخ ليس فقط ما حصل قبل 5000 سنة. حين أجلس وأفكر في كيف وصلتُ أنا إلى أميركا؟ أفكر بتاريخ والدتي ووالدي ومن ثم عائلتي وفلسطين، وأنا كمسلم عن الإسلام، وما هي التفاصيل العامة في قصتي أنا.. هذا هو التاريخ أيضًا". أما أسماء فترى أن عدد الناس الذين يحملون بين أيديهم كتباً قد انخفض، "صاروا يحملون الآيفون والآيباد، ولهذا، أردنا أن نبتكر شيئًا يجمع بين الماضي والتاريخ وبين التكنولوجيا".
اليوم، يعيش سامي جيتان وأسماء جابر في بوسطن. يكملان العمل على تطبيقهما الذكي، يجمعان أرشيفاً واسعاً من المعلومات والصور، ويتعلّمان من تجارب مؤسسات ومكتبات فلسطينيّة وعربيّة وعالميّة عن أفضل طرق بناء الأرشيف، ويحاولان تطبيقها في تطبيقهما. والهدف هو وصول هذه المعلومات إلى الناس في العالم.
اليوم، هما يبنيان مستقبلهما سوية، وقد بدأ بلقاء صدفة في المعبر جمع لاجئين فلسطينيين يعيشان في أميركا. لم تلحق أسماء بالحافلة، وسامي زارها معزيّاً لما رحل والدها. قرّرا أن يشاركا حياتهما سوية، مشاركة لم تقتصر على تفاصيل بناء بيتٍ فلسطينيّ في الشتات، وإنما أيضًا بالإجابة عن السّؤال: كيف يمكن لهذا البيت أن يعطي دفئًا لمن سُرقت بيوتهم قبل 67 عامًا؟ ولوّ بشكل مؤقت، إلى حين العودة. هذا الدفء الذي ينبع من قصة حب جميلة، تقول عنها أسماء: "قد ما هُمّه قسّمونا وشتتونا، منلتقي بالآخر في الوطن".

رابط الحملة:
https://www.kickstarter.com/projects/2127938117/pivottheworld

الموقع الإلكتروني:
www.pivottheworld.com