| 

أحدث الفوز التاريخي لليسار الراديكالي بالانتخابات اليونانية اصطفافاً واضحاً: أصدقاء الاحتلال الإسرائيلي نادبون، وأصدقاء الفلسطينيين مرحبون. فالبناء على تاريخ حزب "سريزا" جعل من المبرّر القول إن داعمين مخلصين للحقوق الفلسطينية باتوا يحكمون اليونان الآن.
كان رئيس الحزب أليكسيس تسيبراس في العام الماضي يقود تظاهرة المنددين بالعدوان الاسرائيلي على غزة. قبل ذلك، كان بين مودِّعي قوافل كسر الحصار عن القطاع. لذلك، يقول الفلسطينيون الآن إنهم ينتظرون أن تكون اليونان البلد التالي الذي يعترف بدولتهم، ليس فقط على مستوى البرلمان كما فعلت عدة دول آخرها إيطاليا، بل على مستوى الحكومة ليكون الاعتراف رسمياً وكاملاً.

قائد معركة التقشف

لم تقصّر الصحافة الاسرائيلية بالتحذير من الحكام الجدد لليونان. نبشت تاريخ وزير المالية، استاذ الاقتصاد اللامع، يانيس فاروفاكيس، واتهمته بـ "معاداة السامية" بعد تصريحاتٍ تعود لأواخر 2005. صارت الآن له شهرة عالمية واسعة، فهو يقود معركة اليونان الرافضة للتقشف. ما قاله وأثار حنق أصدقاء اسرائيل حينها أنه مقابل جرائم الاحتلال "باقي العالم لا يقول شيئاً، إنهم يقولون ما لديهم فقط حين يحمِّل بعض هؤلاء الفلسطينيين أجسادهم بالديناميت ويفجرون أنفسهم".
طبعاً، اليونان غارقة الآن في الملف الاقتصادي. ليس معروفاً عيار الخطوات التي ستتخذها، وبأي سرعة، لكن يجب ألا يتوقع أحد أنها ستعلن الحرب على اسرائيل! ولكن، هناك فرصة للتأثير على موقف أوروبا التي اخترعت اسرائيل وترعاها كأم مع واشنطن.

"بوديموس" إسبانيا

هذه الفرصة تصبح أكبر مع مواصلة اليسار صعوده في دولة مهمة أخرى هي اسبانيا، رابع أكبر اقتصاد في منطقة اليورو. هناك، يتصدر الاستطلاعات حزب "بوديموس"، بعدما ولد العام الماضي من رحم الاحتجاجات الشعبية ضد التقشف. هذا الحزب يعدّ النسخة الاسبانية عن "سريزا" اليوناني، وقائده هو استاذ السياسة الشاب بابلو اغليسياس. لديه مواقف صارمة ضد الجرائم الاسرائيلية. سيبقى الترقب على أشده، حتى إجراء الانخابات العامة أواخر العام الحالي.
سألت "السفير" خافيير كوزو، البرلماني الأوروبي ونائب رئيس لجنة الشؤون الخارجية هناك، عن التأثير الذي يمكن أن يحدثه صعود اليسار على السياسة الاوروبية تجاه القضية الفلسطينية. الرجل ينتمي لحزب "اليسار الموحد" الاسباني، ويقول إن تنامي قوة اليسار في المؤسسات الأوروبية "ستجعله قادراً أكثر على التأثير لتغيير الاتجاه، وسيكون لديه فرصة أكبر للضغط على اسرائيل كي توقف التطهير العرقي والتوسع العسكري وجرائم الحرب وإرهاب الدولة".

موجة من صحوة

في عداد الحزب اليوناني الحاكم، ينظر لصوفيا ساكورافا بوصفها الأكثر تشددا في دعم القضية الفلسطينية، وإدانة سياسات الاحتلال. تقول البرلمانية الأوروبية لـ "السفير" إن نجاح حزبهم هو البداية لمرحلة تسميها "الموجة من صحوة الوعي للشعوب الأوروبية". هذه المرحلة برأيها "ستخلق مناخا جديدا وسياسة جديدة" تجاه الصراع، وكنتيحة لها "ستكون اسرائيل أمام حكومات حاسمة وجادة في موقفها لدعم الشرعية الدولية".
لكن تفاؤل سياسيي اليسار ليس حال باحثين وخبراء مختصين بالقضية.
من موقعه، كمحلل مختص بالصراع العربي الاسرائيلي، يقول نيثين تريل لـ "السفير" إن "سياسة الاتحاد الاوروبي تتحول ببطء، لكن بشكل واضح، نحو موقف أكثر تشددا ضد استمرار الاحتلال الاسرائيلي وانتهاك قوانين الاحتلال". مع ذلك، يلفت الباحث في "مجموعة الأزمات الدولية" إلى أن "وتيرة التغيير في أوروبا بطيئة جدا، وبالتأكيد أبطأ بكثير من التطورات على الأرض في الضفة الغربية وقطاع غزة. فكما حال بقية المجتمع الدولي، تبقى سياسة الاتحاد الاوروبي هي رد فعل إلى حد كبير".
حتى مع صعود اليسار، وإمكانية أن يعزز موقعه في اسبانيا، يرى تريل أن ذلك سيكون جزءا من "التغيرات الصغيرة لكن الملحوظة". يخلص بالتالي إلى أن الأوروبيين سيبقون في الموقع الذي يتذمرون منه (ممول أكثر منه لاعب) لسنوات مقبلة.

ولكن، "هناك الأخرون"

في الناحية العملية، يؤثر دخول حكومة صديقة لأي طرف في عملية صنع القرار. التكتل الأوروبي 28 دولة، وقرارته تتخذ بالإجماع، ويمكن لأي دولة، في حال وجود مصلحة عميقة، استخدام "فيتو". الموقف الأوروبي الرسمي تعتبره السلطة الفلسطينية متقدما، لجهة اقراره حل الدولتين على حدود 1967، والقدس عاصمة مشتركة. تغيير هذا التوجه يحتاج إجماعاً، وتعديله كذلك الأمر. المسألة ذاتها تنطبق على خيار ممارسة الضغوط، عبر البيانات أو تفعيل قرارات مقاطعة المستوطنات المخالفة للقانون الدولي. القضية برمتها سياسية، مواقف ومصالح، فالقرارات الدولية المعلقة على الرف واضحة تماماً.
بالمقارنة مع آخرين، سيبدو الباحث تريل متفائلاً. حينما نسأل ناديا الفرخ، وهي رئيسة جمعية فاعلة في بروكسل لمصلحة الحقوق الفلسطينية، تقول إنها "متشائمة". فوز اليسار الراديكالي في اليونان، وصعوده في اسبانيا، "لا أرى أنه سيحدث فرقا كبيرا"، تقول رئيسة جمعية "التضامن البلجيكية الفلسطينية".
في شرحها لسبب تشاؤمها تقول "هناك الآخرون". تقصد أكثر من نصف حكومات الاتحاد الاوروبي، التي تنتمي لأحزاب اليمين الوسطي المخلصة علناً في دعم حكومة الاحتلال. لذلك فإن ربح حكومة أوروبية هنا، خسارة أخرى هناك، أمر "لا يغيّر" برأي الفرخ :"السنة الماضية خسرنا تصويت الحكومة البلجيكية"، في اشارة إلى فوز اليمين وتشكيله الحكومة بعد هزيمة الاشتراكيين.
درجة التشاؤم، يتشاركها أيضا الباحث المختص سيباستيان بوسوا. الرجل يعمل من بروكسل، وصدرت له عدة مؤلفات حول قضايا الصراع. يقول لـ "السفير" إن "كل ما يمكن أن يفعله فوز سريزا هو جعل الموقف الأوروبي يهتز قليلا، خصوصا الموقف الرسمي الذي لا يريد التحرك ضد اسرائيل. أنا متشائم جدا، فهناك فجوه هائلة بين الوضع المأمول والواقع على الأرض".
حينما تحدثنا إلى بوسوا، كان في طريقه لحضور "مؤتمر آخر للحوار بين الاتحاد الاوروبي وإسرائيل". يقول ذلك، قبل أن يستدرك: "أنا مندهش أمام كل هذه الارتباطات بين الاوروبيين وإسرائيل، ليس فقط اتفاقية الشراكة، بل كل هذه المؤتمرات. أعرف أن الفلسطينيين وداعموهم يعملون كل جهدهم، لكن لا مقارنة مع جماعات الضغط لمصلحة اسرائيل".