| 

في مشروع نجيب حكيم، "الوطن خارجه: فلسطين الصّغيرة عند خليج سان فرانسيسكو"، تحضر أرشفة للنكبة وموروثها في المهجر. في مشروعه المصوّر والمسجّل، نرى صوراً بالأسود والأبيض لفلسطينيّين يقطنون أميركا ونستمع إلى قصصهم عن فلسطين عبر تسجيلها الصّوتيّ. من خلال تفاصيلهم، نسمع حرقة النّكبة في صوت الجيل الأوّل ونفهم بُعدَها (الزّماني والجغرافي) في قصص الأجيال اللّاحقة - ونحجّمه.

"تصوّر هذا!"

تفاصيل الجيل الأوّل (في المهجر) هي الأكثر حزناً وغضباً. فنستمع إلى مَن عاش النكبة، ونحترق ونحزن ونغضب معهم - وكأنّنا نستمع للقصّة للمرّة الأولى، ونتمنّى نهايةً أخرى لها. نرى أمين أفتيم سابا مثلًا، يقف متّكئاً على الكنبة وراءه، يرتدي البدلة وينظر إلى خارجٍ ما. نرى ابتسامة حزينة (أو فماً حزيناً - لا أكىثر)، ونستمع إليه يحكي. يحكي عن اللّدّ وعن يافا. ولد في الأولى ويداوم على عمله كطابِع في الثّانية. يحكي عن ماض هانئ ويفصّل حديثه عن النكبة.
جاء الجنود وأخذوا طابعته أوّلاً. كانت من النوع الجيّد. رحّلوا أهل البيت، فسار هؤلاء من اللدّ إلى نعلين. يحكي عن مختار نعلين الذي بعث بجملٍ لتمتطيه أمّ أمين فلا تتعذّب سيرا على الأقدام. ثمّ يسرد قصّة إعدام صديق العائلة أمين حنحن. كان حنحن يحمل 2,000 جنيه استرليني معه عند طرده من منزله. كان قد خبّأها في لفافة شوكولاتة، لكنّ أحد الجنود وجدها وانتزعها منه. ضابطٌ ما رأى أمين يبكي فأعاد له نقوده. لكنّ الجندي عاد فوجده وانتزعها منه مجدّداً وأعدمه لئلّا يسمع بكاؤه. ثمّ يحكي عن امرأة هجّرت فاضطرّت إلى ترك أحد أولادها مربوطًا بحجر على حافّة الطّريق لعدم قدرتها على حمله وأخيه في الوقت ذاته. قالت: "لعلّ أحداً ما أخفّ حملاً، يأخذه معه. يتبنّاه". ويختم أمين: "تصوّر، هذا".

"كلّا، أنا لا أنتمي إلى أميركا!"

أمّا أمين موافي فينظر إلى داخل عدسة الكاميرا. عيونه حزينة كأرض برتقاله. موافي فقد عائلته وبيّاراتها في قلقيلية. كان يعلّم الرّياضيّات في عكّا عندما استولى الإسرائيليّون على الأرض وقتلوا مالكيها. منذ العام 1927، كان أبوه يملك وأعمامه أكثر من مئة فدّان من شجر البرتقال. كانوا يصدّرونه إلى بريطانيا ودول أوروبيّة أخرى. رفض أبوه وأعمامه الرّحيل عن أرضهم فعاد الجنود وقتلوا قطّة العائلة - "ليروهم ما سيحلّ بهم إن لم يرحلوا". وعادوا في المرّة الثّالثة ليجدوهم قابعين مكانهم - فقتلوهم. ووضعوهم في مقدّمة "الجيب" وأعدموهم بالرّصاص عند حدود المدينة. "وفقدنا كلّ شيء ما عدا بيتنا". "قلقيليا فقدت 25,000 فدّانًا من البرتقال وقتها". ومنذ النّكبة، لم يرَ أمين بيّارات برتقال عائلته إلّا مرّة واحدة.
وجيه سعادة عابسٌ في الصّورة وينظر خارجاً. يتحدّث بغضب، منزعج على الأرجح من أسئلة يراها بديهيّة. "اسمي وجيه ابراهيم سعادة. أنا من بيرزيت من محافظة رام الله… كلّا، أنا لا أنتمي إلى أميركا. كلّا! لا أنتمي… أميركا نظام رأسمالي يسرق مواطنيه… لست ضدّ البقاء في أميركا، لكن إن خيّرتني سأختار العيش في بلدتي... هناك أشعر بالرّاحة. هناك بإمكاني الإشراف على جميع الاتّجاهات عند جلوسي في الشّرفة. أدرس وأطبع وأستخدم حاسوبي وأكتب. عندما أنظر [حولي]، أرى كلّ ما رأيته منذ طفولتي، وذلك يعني لي الشّيء الكثير".
الجيل الثاني والثالث:
"أحنّ إلى ما لم نختبره".
مقابل جيل النكبة، نستمع إلى قصص مختلفة في تركيبتها يسردها الجيل الثّاني والثّالث والذين ولدوا أو تربّوا في أميركا. وهنا، قد تنجلي نبرةً أقلّ غضباً، أقلّ حزناً، أكثر بعداً (زماناً وجغرافيا). ليست أقلّ صدقا لكنّها مختلفة، ولا يمكن تشبيهها بالفقدان الأوّل "ببثّه" المباشر. فيتحدّث جمال دجاني (من الجيل الثّاني) من يافا، مثلًا، عن إحدى الإحياءات لذكرى يوم الأرض وفرحه بضرب واعتقال الجنود له، إذ رأى في ذلك مفخرةً له. لكنّ أبيه لم يكن يوافقه رؤيته: "كنت أتوقّع عناقًا من أبي لكنّه وافاني بصفعة". يقول ضاحكًا: "لم أفهم موقفه عندها، فأنّبته: أنتم فقدتم فلسطين والآن لا تريدون النّضال من أجلها!'"، فأجابه والده: "إنت بتعرفش أيّام العزّ". "وكأنّه يقول لي بأنّني لم أختبر ما فقدوه. وهي الحقيقة. لم أختبر ذاك الزّمن الجميل عندما كانت عائلة الدّجاني تسكن في مجمّعٍ واحد، ولا كنت أقضي الصّيف معهم في يافا ولا الشّتاء في أريحا… ولدت تحت الاحتلال… وهم الوحيدون الّذين عرفوا الحياة قبله". "أنا أحنّ إلى ما لم نختبره".
تأتي الصّور والأصوات لتجسر جزءاً من هذه الفجوة. عدا عن الأرشفة والتّأريخ، هنالك في مشروعٍ كهذا أيضًا محاولة لإضفاء جماليّة وآنيّة على الموادّ المأرشفة. أي الأرشفة هنا ليست توثيقاً تاريخيّاً فقط، وإنّما إعادة إحياء لهذا التاريخ بمختلف تفاصيله (ولو أنّها ليست شاملة) في ذاكرة زائريه وتفاعلهم معه. وكذلك، اختيار الأسود والأبيض للصّور يربط مضمون المسرد بالماضي ويستحضره أمام المستمع بانعدام ألوانه - الأسود والأبيض هما أيضًا من موروثات تلك الفترة. أيّ، أمام الفجوة الزّماكانيّة القاسية، أمام شرخ تجربة جيل النّكبة عمّن ورثوها خارج فلسطين، يبقى الصّوت والصّورة من أنجع الوسائل ضدّ النّسيان (خاصّةً في يومنا هذا وعودتنا كجنس بشري إلى الثّقافة الشّفهيّة والمصوّرة). وهو ما جعل حكيم يتبع التّجربة السّرديّة/الصّوتيّة بدلًا عن المكتوبة: "الاستماع إلى شخصٍ ما يروي قصّته… الاستماع إلى صوت الشّخص يحكي قصّته وقت النّظر إلى صورته، ... يقوّي الرّوابط الّتي يطوّرها المستمع مع الرّاوي". (نقلًا عن مقابلة لحكيم مع موقع "الانتفاضة الإلكترونيّة").
بالإضافة إلى ذلك، أرشفة قصص الجيل الأوّل من المهجّرين (بغضّ النّظر عن سنة تهجيرهم) يحفظ شيئاً ما من ازدواجيّة حياة الفقدان. فالمهجّر، كما ذكر دجاني، هو الوحيد الذي يحمل تفاصيل حياة ما قبل التّهجير وما بعدها. هو الوحيد الذي اختبر اثنيهما (لحسن حظّه أو سوئه). وقصصه أو قصصها هي ما يلهم التّخطيط لحاضرٍ مختلف، وما يحول ما بين الأجيال اللّاحقة وتسطيحها المكان - ببرتقاله ولفافاته وحيواته الصّغيرة.