اسمحوا لي أن أقول لكم إنني ممن يتابعون باهتمام الوضع في الشرق الأوسط منذ ثلاثين عاماً، وبالتحديد القضية الفلسطينية. وحالي كحال السواد الأعظم من الشعب اليوناني، أصبحت صورة ياسر عرفات جزءا لا يتجزأ من نظرتنا لواقع المنطقة ككل. ولا تنسوا أننا دولة عانت من الاحتلال الألماني النازي، وقدمت عشرات آلاف الشهداء من أجل تحرير بلدنا من نير الاحتلال. ولهذا السبب، كان الفعل الأول لرئيس الوزراء بعد تأدية اليمين أمام رئيس الجمهورية، وقبل التوجه الى مكتبه، الذهاب لزيارة ضريح الشهداء اليونانيين الذين أعدموا في منطقة كيسيرياني، في الأول من أيار 1944 على يد قوات الاحتلال الألماني.
كنت أول من صفق لتوقيع اتفاقية أوسلو، واعتبرت انها قد تمثل بدايةً تضع حدّاً لمعاناة الشعب الفلسطيني، وتوفر الأمن والاستقرار لإسرائيل. ولكن، مع متابعتي للعملية السلمية هذه، إن صحت تسميتها بالسلمية، اتضح أن كل ما فيها غير سلمي. لقد زرت فلسطين/ الأراضي المحتلة مرات عديدة، وفي كل مرة، حتى إبان حصار المرحوم ياسر عرفات، والاعتداءات المتكررة على غزة، كنت ولا أزال ألمس رغبة الشعب الفلسطيني وقيادته من دون استثناء بالتوصل الى حلّ عادل. وأكرر: عادل، يكفل لهم الحد الأدنى من الحياة الكريمة.
في المقابل، كنت وما زلت أتلمس عدم رغبة اسرائيل بالتوصل الى حلّ يضع حدّاً لهذا الصراع الدامي والمؤلم. وما اغتيال رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق اسحاق رابين إلا خير دليل على ذلك. لم أنس في أحد لقاءاتي مع ياسر عرفات، عندما وضع أمامي خارطة تبين الاستيطان الاسرائيلي في الأراضي المحتلة في العام 1993، أي في يوم توقيع اتفاقية أوسلو، حيث بينت زيادة الاستيطان بنسبة 70 في المئة. كان يصرخ ويقول لي: "هل هؤلاء يريدون السلام؟"، كان ذلك في اثناء حصاره في المقاطعة في رام الله.
لقد بات واضحاً للجميع أن لا سلام ولا استقرار ولا أمن وأمان في كل أنحاء الشرق الأوسط ما لم تحلّ القضية الفلسطينية. واقصد حلاً، لا أنصاف الحلول مثل ما سمّي بالعملية السلمية. إن استمرار سياسة التعنت الاسرائيلي، والدعم الأميركي لهذه السياسة، والتبني أو السكوت الاوروبي، ستخلق المزيد من التوتر وتنمية نزعة التطرف، وتخلق حالة من الإحباط لشعوب المنطقة، وتضعها أمام طريق مسدود قد يقودنا جميعا الى حالة من التوتر اللامشهود في تاريخ المنطقة.
لا شك أن انتصار حزبنا ("سريزا") جاء ليرسل رسالة مفادها اننا أمام مرحلة اسمها مرحلة الشعوب، لا مرحلة الاحتكار البشع والمقذع الذي أدى الى تهميش نسبة تفوق 80 في المئة من الشعوب الأوروبية، أي دول الجنوب الأوروبي، وجعلتها تعيش عند حدود خط الفقر، بنسبة بطالة فاقت الـ 30 في المئة . في هذا الوقت، زاد عدد المليارديريين الاوروبيين بنسبة 20 في المئة عن عام 2012، أي أن الفقير زاد فقراً والغني زاد غنى. هذا ما واجه به الشعب اليوناني، القيادات الأوروبية المتغطرسة التي تحاول أن تحوّل الشعب اليوناني إلى شعب يعيد عصر العبودية، واستخدامه لتقديم الخدمات، ونهب خيراته، وتحويل البلد الى محمية ألمانية يرتع فيها كبار رؤوس الأموال كما يحلو لهم. لا، هذا لن يمر. هذا ما قاله الشعب اليوناني في صندوق الاقتراع، وحكومتنا ستلتزم بتوجهات الشعب فقط، وليس بأي توجهات اخرى.
ما أريد قوله هنا هو أن حكومتنا، والحكومة الاسبانية قريباً، والإيطالية قريباً، والفرنسية والنمساوية، والبرتغالية، هذه الموجة من صحوة الوعي للشعوب الأوروبية، ستخلق مناخاً جديداً وسياسة جديدة تجاه الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية والصراع العربي الاسرائيلي، كما يحلو للبعض تسميته. وستكون اسرائيل أمام حكومات حاسمة وجادة في موقفها لدعم الشرعية الدولية. هل يعقل أن يحتفل الغرب كل عام بسقوط جدار برلين، ويسكت صامتا في الوقت الذي تتخذ محكمة لاهاي، محكمة دولية على أراض أوروبية، قرارا بإزالة الجدار الذي بنته اسرائيل بطول اكثر من 600 كلم، 80 في المئة منه مبني داخل الاراضي المحتلة للضفة الغربية، حسب المعلومات الأوروبية ووفق التقارير المقدمة من قناصل أوروبا المعتمدين بالقدس.
بالتأكيد، نحن وزملاؤنا في أوروبا نقف أمام مرحلة جديدة من العمل الدبلوماسي. العمل الديبلوماسي الذي يستند الى حقوق الشعوب، واحترام حق الشعوب في تقرير مصيرها، ووضع حد لسياسة الاستغلال، ونهب خيرات الشعوب. فعهد الاستعمار الذي ما زالت شعوب المنطقة تعاني من آثاره يجب أن يزول، وإلى الأبد.