| 

كتبت مورغن كوبر: "أولئك الذين لا يعرفون فلسطين إلّا من خلال إعلام الماينستريم، عليهم أن يباشروا في قراءة القصة من زاويةٍ مختلفة". وكوبر هي أكاديمية شارَكت إلى جانب كل من سينثيا فرانكلين وإبراهيم عودة في تحرير وتقديم العدد الخاص من مجلة "بيوغرافي" الذي يدور حول فلسطين.
رسالة كوبر، أعلاه موجّهة، خصوصاً، إلى أولئك الذين يهتمون بقراءة ما لا تقوله معظم وسائل الإعلام في الجانب الآخر من العالم. وما لا يقال يأتي ليناقض سرديّة الإعلام السائد ("ماينستريم") الذي رأت أن دوره هناك يقتصر على تقديم صورة نمطيّة مُعلّبة لا تحاكي الواقع الفلسطيني. الهدف إذاً هو محاولة الإضاءة على بعض جوانب حياة الفلسطينيين، الاستثنائية كما "العادية"، تحت الاحتلال.

"بيوغرافي"، فلسطين، والسيرة

لأكثر من ثلاثين عاماً، اعتُبرت مجلة "بيوغرافي"، الفصليّة، منتدىً مهماً لكتابة السير الذاتية المتخصّصة، بالإضافة إلى أنّها تتميّز بمقالات تبحث في البُعد النظري كما العام، إلى جانب الثقافي والتاريخي. وتقدم أبحاثاً عميقة تدمج ما بين الأدب والتاريخ والفنون والعلوم الاجتماعيّة، من هنا صلتها بالسير الذاتية.
في الثاني من شهر شباط الجاري، صدر عدد "بيوغرافي" الخاص بعنوان "الحياة في فلسطين المحتلة". والمجلة هي منشورٌ أكاديميّ صادر عن جامعة "هاواي" الأميركيّة. وإلى جانب الجهد الذي بذله المحررون الثلاثة: سينثيا فرانكلين، ومورغِن كوبر، وإبراهيم عودة، على مدى أكثر من عام، ساهم 19 كاتباً، معظمهم فلسطينيين، في كتابة المحتوى. ومن خلال عدسة الحياة اليوميّة للفلسطينيين، يعرّف هؤلاء معنى حياتهم، من الشتات إلى الهجرة والاعتقال والقهر.. والحنين.
من "الحدود، والرحلات، والوطن"، في الجزء الأول من المجلّة الذي يمضي في استكشاف أشكال المقاومة والإبداع التي تسمح للفلسطينيين بالتنقل من خلال العقبات الصعبة التي تحدّد حياتهم اليوميّة، إلى التركيز في الجزء الثاني على كيفية مقاومة العنف والاحتلال والاستعمار بالفن والتعبير الإبداعي. حمل الجزء الثاني عنوان: "الغزوات، والاعتقالات، والخيال المتمرّد"، فيما يشرح المساهمون في الجزء الثالث عن "التضامن المتبادل والعلاقات الثورية". فيشرح هذا الجزء عن طريقة الحياة التي تؤكّد، مرّة جديدة، أنّ التعاطف مع فلسطين محوريّ ويحتاج إلى تمتين. ويلفت الجزء الرابع الانتباه إلى العمل الصّلب الذي تؤديه حركة "المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات BDS"، باعتبارها الوسيلة الأنجع لترشيد تحرّك المجتمع الدولي تضامناً مع الفلسطينيين.
أما مقدمة المجلة فتقوم على أربعة أجزاء، وعنوانها: "ثلاثة مقاهٍ وعدد خاص". تراها تعكس آثار الاحتلال على الأكاديميين الفلسطينيين، فيناقش المحررون الثلاثة ما يعنيه أن تكتب سيراً ذاتية، بينما يقتل مئات الفلسطينيين في غزّة. إذ ان أجزاء المقدمة كُتبت قبل وخلال العدوان الإسرائيلي الأخير على القطاع، ما يبرز في الجزء الرابع من المقدمة التي خصّصت للإضاءة على حرب غزة.
كل موضوع في العدد يُطرح من زاوية وتجربة شخصيّة. فتحضر الدوافع التضامنيّة، كحال مورغِن كوبر المتزوجة من فلسطيني والتي تعيش في رام الله، حيث تشارك تجربة الاعتقال والحياة المذلّة في الضفة الغربية. كذلك، تحضر الدوافع الشخصية، مثل تجربة إبراهيم عودة مع العيش في مخيمات الشتات.

صداقات وتحالفات على طريق الجامعة

11 يوماً كانت مدّة زيارة سينثيا فرانكلين إلى الضفّة الغربية في أيار العام 2013. خلالها، شاركت في ندوة حول "تنمية مهارات أعضاء هيئة التدريس"، مخصّصة لتعزيز التواصل بين الأكاديميين والمثقّفين الفلسطينيين من جهة، والأكاديميين الأميركيين (غير المتخصصين في الشأن الفلسطيني – الإسرائيلي) من جهة أخرى.
هدف الزيارة كان واضحاً بالنسبة إلى فرانكلين: كمحرّرة مساهمة في "بيوغرافي"، "أردت أن أتعرّف إلى أشخاص يُمكن أن يكونوا مهتمّين في المساهمة عبر كتابة نصوص للمجلّة عن الحياة في ظلّ الاحتلال". ولكن الأمر لم يعد يقتصر على "العمل معاً"، لأنّ التحضير للعدد الخاص أتاح لفرانكلين أن تؤسّس صداقات وتحالفات مع الكتّاب المساهمين. "تعلّمت منهم: الحاجة الملحّة لإنهاء الاستعمار والاحتلال الإسرائيليين". فالفلسطينيون، داخل أراضي العام 1948، يواجهون قيوداً وصعوبات لناحية التعليم، وهو ما لمسَته في مختلف أنحاء فلسطين أيضاً خلال زيارتها لخمس جامعات هي: بيرزيت، بيت لحم، الخليل، القدس، والنجاح.
ويحدث مراراً أنّ حتى أولئك الذين يعيشون على مقربة من مؤسساتهم التعليمية، يستغرقون، يومياً، ساعات للوصول إلى حرم الجامعة. وتروي كيف أنّ الطلاب وأعضاء هيئة التدريس يقطعون مسافات طويلة لاجتياز جدار الفصل العنصري، وكيف أنّ الهدم العشوائي لمنازل الفلسطينيين يؤدّي، غالباً، إلى قطع الطرق، وتالياً عدم القدرة على الوصول إلى الجامعة.
منذ العام 1967، وبينما كانت إسرائيل تبني آلاف الوحدات الاستيطانية، غير الشرعية، في الضفّة الغربية، هدم الاحتلال منازل ومؤسسات ومرافق فلسطينية يصل عددها إلى أكثر من 28 ألفاً.
وإلى جانب تلك العوائق التي تحول دون حق الفلسطيني في التعلّم، هناك أيضاً الكلفة العاطفية والعصبية، تضاف إلى المذلّة والغضب والخوف، وثمن المقاومة – أو، بمعنى أدق: البقاء على قيد الحياة - وعنف الفصل العنصري والاستعمار والاحتلال.
"خلال زيارتي القصيرة إلى الضفة الغربيّة، أصبحت شاهدةً على طرق العيش في فلسطين المحتلة، وكيفية ارتباطها بالماضي"، بالإضافة إلى حالات العنف الطارئة التي تتطلّب الكتابة والتحرير على نحو عاجل، لأولئك الذين يعيشون في ظل الاحتلال.

قهوة سادة.. وسلاح

"المزيد من الموت في غزة، يعني المزيد من القهوة السادة".. (مورغِن كوبر).
ترمز القهوة السادة في المجتمعات الشرقية عموماً إلى كرم الضيافة والترحيب، قبل أن تصبح جزءاً من مراسم العزاء. وكانت مورغِن كوبر جاهلة تماماً لما يجري في هذا البلد عندما وصلت إلى مطار "بن غوريون" – اللدّ، في العام 2003. تقول: "أمضيت سنوات طويلة وأنا أحاول إقناع بعض الأميركيين، الذين لا يعرفون شيئاً عن فلسطين، أنّ هذا الشعب يقاوم بطريقة سلميّة. أنا أؤيّدهم. ولكن بعدما حضرت أولى الاحتجاجات والجنازات، تغيّر كل شيء. أنا الآن أؤمن بأنّ كل وسائل المقاومة مشروعة للشعب الفلسطيني المحتلّ، والمقاومة حقّ مطلق. لم أعد أثنِ على المقاومة السلمية".
حين وصلت سينثيا، وهي أميركيّة يهوديّة، إلى فلسطين، كان بإمكانها، لو أرادت، أن تحصل على الجنسيّة الإسرائيليّة خلال أسبوع واحد. في المقابل، سُمح لإبراهيم عودة، وهو لاجئ فلسطيني يحمل جواز سفر أميركي، بأن يزور بلاده كسائح فقط. ولذلك، وإلى أن تحين العودة، اختار إبراهيم ألّا يزور فلسطين.
يروي في مقدمته أنّ فلسطين هي "النقطة المحورية في الصراع العربي"، رابطاً الأحداث التي تجري في كل من فلسطين وسوريا والعراق وليبيا وتونس ومصر بالقول: "لن يكون بمقدور المرء أن يفهم، تماماً، النضال الفلسطيني من أجل التحرّر، من دون فهم البيئة التي يحدث فيها هذا الصراع، إلى جانب مصالح الدول الاقتصادية والجيوسياسية في مستقبل هذه المنطقة".
يكمل: "ويؤكّد هذه النتيجة ما جرى من انتفاضات في العالم العربي في العام 2010، وكذلك غزو واحتلال العراق في العام 2003. حالة الفوضى التي تعيشها الدول العربية، أضعفت الشرعية والنضال من أجل القضية الفلسطينية، وأدت طبعاً إلى تعزيز قبضة إسرائيل في المنطقة".

صمود

تقول فرانكلين، إنّ إنجاز هذا العدد الخاص، "علّمني الكثير عن الصمود"، وليس فقط صمود أولئك الفتية الملثّمين الذين يظهرون على غلاف المجلة، ويحملون العلم الفلسطيني في أبهى صور المقاومة، بينما تسقط الصواريخ الإسرائيلية على أرض فلسطين وناسها.
إذ يتجلّى الصمود أيضاً، من خلال المساهمين الذين يكتبون القصائد ويزرعون الياسمين في المعتقل، هؤلاء الذين يحفرون في الماضي ويبنون حاضراً جديداً، وأولئك الذين يحكون لأولادهم عن مستقبل أفضل، وينظّمون مسيرات ويؤيّدون المقاطعة. لقد رآهم المحررون الثلاثة جميعاً في فلسطين أحياناً في بيوت مختلفة وأحياناً في جسمٍ واحد.
يروي هذا العدد قصصاً عن الحياة اليوميّة التي يعيشها الفلسطينيون، أي حياتهم الاستثنائية. كما يحكي كذلك عن المساعي الصهيونية لنزع الشرعية والقضاء على ما تبقّى من حياة هؤلاء. وهكذا أيضاً، يتمّ ترميز المقاومة في سياق العدد، حيث يكتب المساهمون باللغة الانكليزية لمنشورٍ دوليّ صادر عن جامعةٍ أميركية.. ويتحدّى كذلك، الانقسامات القاتلة التي أوجدها الفصل العنصري، والاستعمار الاستيطاني، والتطهير العرقي، والاحتلال، ليقدّم رؤى لـ "الحياة معاً".. وتحرير فلسطين.
// كادر //

المساهمون

• الجزء الأول: "الحدود، والرحلات، والوطن"
نادرة شلهوب كيفوركيان، سارة لحمود | منفي في الوطن: العودة والوطن الفلسطيني
آلكس ويندر | بعد النكبة: يوميات قروي فلسطيني، 1949
ماجد شحادة | ليست نزهة: استعمار المستوطنين، والتنقل، وهوية الفلسطينيين في إسرائيل
لينا هشام الشريف | إقصاء
هنيدة غانم | الجدار: يوميات المقاومة – قضية قرية المرجة الفلسطينية 1949 – 1967
• الجزء الثاني: "الغزوات، والاعتقالات، والخيال المتمرّد"
مورغِن كوبر تحاور روان أبو رحمة | التمرّد العرضي
سينثيا فرانكلين تحاور رجا شحادة | نحو لغة جديدة في التحرّر
رفعت العرعير | غزة تكتب: رواية فلسطين
لينا هشام الشريف | اكتب ما تعرفه... أعرف أنّي فلسطيني
سونيا نمر | أحلم بـ "نيفرلاند"
سعيد عمر | "الغذاء ليس قضيتنا": انعكاسات الاضراب عن الطعام
• الجزء الثالث: "التضامن المتبادل والعلاقات الثورية"
ياسمين صالح حمايل، إصلاح جاد | من الضفة الغربية: رسائل وأعمال مقاومة
ريما نجّار | الحياة في أبو ديس تستمر بهدوء
يوسف الجمل | السفر كفلسطيني
سعيد عطشان، دارنيل مور | التضامن المتبادل
• الجزء الرابع: صياغة مستقبل عادل
عمر البرغوتي، فلسطين دويكات، والمحررين | الـ "أنا" في حركة المقاطعة: الإبداع الفردي والمسؤولية في سياق التطبيق العملي الجماعي