| 

ما إن وقّع الرئيس الفلسطيني محمود عباس على ميثاق روما الممهد للانضمام الى محكمة الجنايات الدولية في لاهاي، حتى أعادت عائلات يهودية - أميركية تحريك دعوى رفعت في العام 2004 ضد السلطة الفلسطينية و "منظمة التحرير الفلسطينية"، تطالب فيها بتعويضات مالية بقيمة مليار دولار أميركي.
ويتهم المدّعون السلطة و "المنظمة" بدعم هجمات يصفونها بـ "الإرهابية" وقعت في مدينة القدس خلال الانتفاضة الثانية (بين عامي 2001 و2004)، وخلّفت قتلى وجرحى بينهم إسرائيليون يحملون الجنسية الأميركية.
واندلعت الانتفاضة الثانية في 28 سبتمبر/أيلول 2000، إثر دخول ارئيل شارون المسجد الأقصى. وتوقفت فعلياً في 8 فبراير/شباط 2005 بعد اتفاق الهدنة الذي عقد في قمة شرم الشيخ. وفي تلك الفترة، استشهد 4412 فلسطينياً، وأصيب 48322، فيما قتل 1069 اسرائيليا وجرح 4500.

بين "العائلات" والسلطة

تستند "العائلات" إلى قانونٍ صدر في العام 2004 خاص بالمواطنين الأميركيين الذين يستهدفون بعمليات "إرهابية"، فيما السلطة تستند في دفاعها الى أن العمليات المشار إليها بالدعوى وقعت بين يناير/ كانون الثاني 2001 إلى الشهر نفسه من 2004، قبل صدور القانون. كما أنها لم تكن تستهدف الأميركيين بصفتهم مواطنين أميركيين. وأشارت السلطة إلى ضعف الأدلة التي تستند إليها عائلات الضحايا.
وإذ كانت هذه القضية مرفوضة في المحاكم الأميركية منذ العام 2004 نظراً لعدم الاختصاص إلا أن قاضياً في محكمة الاستئناف وافق بشكل مفاجئ على النظر في الدعوى! ما يشير الى وجود "تنسيق" خفيّ ما بين حكومة الاحتلال والعائلات لرفع الدعوى.
وبالنظر الى توقيت رفع الدعوى، فإنه يمكن الاستنتاج أن تل أبيب تقف وراء القضية، لثني القيادة الفلسطينية عن المضي قدماً في خطوتها بالتوقيع على ميثاق روما الممهد "للجنايات"، بعدما فشل مجلس الأمن بتمرير مشروع انهاء الاحتلال على الاراضي المحتلة في العام 1967 خلال عامين وبتفاوض.
كما جاءت الدعوى بالتزامن مع سلسلة إجراءات عقابية اتخذتها إسرائيل ضد الفلسطينيين، أبرزها حجز المستحقات الضريبية التي تجبيها إسرائيل عن السلطة وتقدر بـ500 مليون شيكل، ما أدى الى عدم قدرة الحكومة على الايفاء بالتزاماتها لا سيما في ما يتعلق برواتب الموظفين الذين يقدرون بنحو 81000 موظف.

ابتزاز سياسي ومالي

رأى خبير القانون الدولي رزق الشقير أن الدعوى التي رفعت تأتي في سياق الابتزاز السياسي للقيادة الفلسطينية لمنعها من الذهاب الى "الجنايات". وأيضاً، لتظهر إسرائيل للقيادة أنها تمتلك أوراق ضغط من خلال قوة علاقاتها مع الإدارة الأميركية حيث أن الدعوى رفعت في محكمة فيدرالية بعدما كانت مرفوضة منذ العام 2004.
وقال لـ "السفير" إن "القضية يصعب إثباتها من الناحية القانونية نظرا لقلة الأدلة". وهنا، استغرب شقير رفع الدعوى، متسائلا: "إن كانت إسرائيل تستطيع أن تعتقل من تريد في فلسطين، فلماذا تشتكي؟!"، في إشارة إلى ضعف الأدلة.
لذلك، ذهبت إلى طريق الابتزاز عبر الأموال "لأنها تعلم ان السلطة غير مستقرة مادياً، فطلبت من خلال العائلات تعويضات مالية وليس ملاحقة أشخاص. كما كانت في الوقت ذاته تحجز المستحقات الضريبية عن الفلسطينيين التي تقدر بـ500 مليون شيكل".

"الجنايات" كالحلّ الامثل

شدّد شقير على أهمية ملاحقة إسرائيل قضائياً في "الجنايات" الدولية للرد على الانتهاكات الاسرائيلية بحق فلسطينيين. وكان الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون قد أعلن أن دولة فلسطين ستصبح عضواً بمحكمة الجنايات منذ الأول من شهر نيسان/أبريل، بعدما وقّعت على ميثاق روما، بحسب بيان نشر باللغة الانكليزية على موقع هيئة الامم المتحدة.
والمحكمة الجنائية الدولية بدأت عملها في لاهاي في العام 2003، وهي أول محكمة جنائية دولية دائمة مكلفة بمحاكمة المسؤولين المفترضين عن عمليات ابادة وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب. وتأسست المحكمة بموجب اتفاقية روما التي دخلت حيز التنفيذ في الأول من تموز/يوليو 2002 وصادقت عليها 122 دولة منذ ذلك الحين. ومن بين الدول التي لم تصادق عليها: الصين وروسيا وإسرائيل والولايات المتحدة.
وبموجب مبدأ "التكامل"، فانه لا يمكن للمحكمة الجنائية الدولية التدخل في قضية إلا في حال لم يرغب القضاء الوطني أو لم يكن قادراً على النظر فيها بشكل ملائم، على أن تتعلق القضية بجرائم تدخل في نطاق اختصاص المحكمة الجنائية الدولية.
ولا يمكن للمحكمة توجيه التهمة إلى شخص إلا إذا كانت جرائمه ارتكبت على أرض دولة عضو أو إذا كان مواطنا من دولة عضو. ويمكن للمدعي العام فتح تحقيق بناء على طلب دولة عضو، ويمكنه أيضا أن يفتح تحقيقا بمبادرته الشخصية شرط أن يجيز القضاة ذلك. ولمجلس الأمن الدولي أيضاً الحق في تكليف المدعي العام بالتحقيق، وفي هذه الحالة يمكن لصلاحية المحكمة الجنائية الدولية أن تمتد لتشمل دولة غير عضو في معاهدة روما.

"صوريّة" في إسرائيل

للالتفاف على قوانين "الجنايات"، ولتظهر للعالم مدى الديمقراطية التي تتعامل بها، تعمد حكومة الاحتلال الى عقد محاكم صورية لقادة وجنودٍ ارتكبوا جرائم ضد الفلسطينيين تقوم خلالها بتبرئة "المجرمين" او على الأكثر تنفذ بهم أحكاما لا تتماشى مع جرائمهم.
ويشرح الخبير القانوني شقير إن هناك آلاف القضايا التي تدين اسرائيل موثقة لدى المؤسسات الحقوقية التي لم تحقق بها اسرائيل. كما طَلب من المؤسسات ضرورة تجهيز الملفات حتى يتم استخدامها عند الحاجة.
ولكن ماذا يجبر اسرائيل على التعاون مع "الجنايات" وهي ليست عضواً بها؟ يقول شقير ان "الجنائية" لا يوجد فيها "فيتو" كالحال في مجلس الأمن. وأيضاً، في حال تدخلت على مبدا التكامل وأدانت مجرمي حرب إسرائيليين، فإن المدعي العام يستطيع ان يصدر مذكرة قبض على المتهمين.
وتكمن الخطورة في أن الدول الموقعة على ميثاق روما ستعمل على ملاحقة المتهمين واعتقالهم في حال وصلوا الى تلك الدول، وهو ما تخشاه إسرائيل.
وأضاف أن إسرائيل إن لم تتعاون مع محققي "الجنايات" فإن ذلك سيكون دليل إدانة، مشيراً إلى أن عدم تعاملها مع المحققين لا يوقف أو يعيق التحقيق.
ويخطر على البال هنا، حادثة الوزير الاسرائيلي الاسبق ارئيل شارون حيث منع من زيارة بلجيكا، بعدما أعلنت بروكسل أنها بصدد مراجعة قانون تم اعتماده في العام 1993 يسمح لمحاكمها بمقاضاة المسؤولين الأجانب الذين يرتكبون انتهاكات لحقوق الإنسان على نطاق العالم. ومن بين القضايا، دعوى رفعها 23 من الناجين من مجزرة صبرا وشاتيلا في العام 1982 ضد شارون.
كذلك، تحضر حادثة وزيرة القضاء تسيبي ليفني في لندن العام 2011، حيث منع مدير النيابة العامة اعتقال ليفني من قضايا ارتكابها جرائم حرب ضد الانسانية في قطاع غزة ولبنان بدعوى انها جاءت في "مهمة خاصة".

عند الطلب

رأى الكاتب والمحلل السياسي أحمد رفيق عوض أن "الابتزاز" الإسرائيلي جاء حكومياً، وأنه تم ظاهرياً بأيدي عائلات يهودية اميركية، وتابع قائلاً: "انها دعوى سياسية ترفع عند الطلب".
وعن التبعات السياسية المتوقعة من إصرار القيادة بالذهاب نحو الجنايات، قال عوض لـ "السفير" إنه قد يؤثر على العلاقات مع أميركا، ويتسبب بتقليل المساعدات التي تقدمها للفلسطينيين.
يذكر هنا أن الولايات المتحدة الأميركية تعارض بشدة الخطوة الفلسطينية وتعتبرها "أحادية الجانب". وبيّن المحلل السياسي أن القضاء يحتاج الى وقت طويل لاصدار حكم في القضايا، مشيراً الى ان انتهاءها مرتبط بتحسن العلاقة السياسية بين اسرائيل والسلطة أو مع اميركا، وعندها الدعوى ستسقط.
وللوقوف أمام هذه الهجمة، "يجب أن تكثف الجاليات الفلسطينية في الخارج عملها في شرح القضية الفلسطينية وان تستعد السلطة الفلسطينية لبدائل وان لا تعتمد على اميركا فقط.. فالرد يكون إعلامياً وسياسياً ونضالياً وبتدويل القضية"، يقول المحلل السياسي.