| 

ما هو الطول المناسب الذي يجب أن يكون عليه لسان الصحافة الفلسطينية؟ سؤال يخطر على البال عند السماع بتهمة "إطالة اللسان" التي توجها السلطة الفلسطينية في الضفّة الغربية للصحافيين، وتحديداً ناقدي سياساتها.
تزايدت نسبة الانتهاكات بحق الصحافيين الفلسطينيين، حيث تجاوز عددها في العام 2014 الأربعين انتهاكاً. وتراوحت التهم الموجهة إليهم ما بين إطالة اللسان، "سب وقدح" الرئيس، التطاول على مقامات عليا، والتحريض. كل هذه التُهم توجهها الأجهزة الأمنية للصحافيين بسبب مقالاتهم ومنشوراتهم على مواقع التواصل الاجتماعي وبرامجهم التلفزيونية والإذاعية.

عقوباتٌ من قانون أردني

في الآونة الأخيرة، باتت هذه التهم تشكّل ظاهرة في المجتمع الفلسطيني نظراً لازدياد عدد المتهمين، حيث "ارتفع معدلها بشكل ملحوظ في أروقة المحاكم"، كما يقول المحامي في "المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان" وائل الحزام.
مصدر تهمة إطالة اللسان هو قانون العقوبات الأردني الصادر في العام 1960 والذي لا يزال ساري المفعول في الأراضي الفلسطينية، نظراً لغياب قانون عقوبات جديد. وتتحدث هذه التهمة عن إطالة اللسان على الملك، ولكن النيابة العامة تأخذها بالقياس على رئيس السلطة الفلسطينية.
عادةً، وبحسب الحزام، توجّه هذه التهمة إلى ثلاث فئات بشكلٍ خاص: الصحافيون، والنشطاء السياسيون ومعارضو السلطة، وأصحاب الرأي المستقل سياسياً الذين ينتقدون السلطة. ويعلّل سبب استهدافهم بالتهمة إلى وجود عدد كبير من المتابعين لهم، ونسبة عامة من الناس تثق بآرائهم وانتقاداتهم، لذلك، تعتبرهم السلطة مؤثرين في المجتمع، وهم مرشحون لقيادة أيّ حراكٍ ضدها.

"فركة أذن"

تنتقي الأجهزة الأمنية في الضفّة الغربية الأشخاص الفاعلين الذين ستوجه إليهم هذه التهم، فتقدّم شكوى بحقهم إلى النيابة العامة. وبحسب ما يقوله المحامي وائل الحزام لـ "السفير"، فإن معظم القضايا التي رُفعت ضد الصحافيين والنشطاء قدّمتها الأجهزة الأمنية ولم يتقدم بها المسؤولون الذين تمّ انتقادهم من قبل الصحافيين.
ويوضح الحزام أن القضاء الفلسطيني غير مستقلّ، ويتعامل في هذه القضايا تعاملاً سياسياً، "لأن المشتكي هم أجهزة أمن الدولة التي تُعتبر من السلطات التنفيذية صاحبة الولاية". ويؤكد الحزام أنه "لغاية الآن، لم تتم إدانة أي صحافي بهذه التهم، نظراً لصعوبة إثباتها بالنظر إلى ضعف الأدلة المقدمة من النيابة، ولأن القانون الأردني قديم ولا يسعف القضاء بإصدار إدانات".
وطالما يتعذّر صدور أحكام، فإن "ما يتم بحق الأشخاص المحالين للقضاء من النيابة هو عبارة عن (فركة دان)، أو محاولة لثني الصحافيين عن الاستمرار بالكتابة والانتقاد وتخويفهم"، حسبما يوضح الحزام.

"زينكو".. إلى خارج الوطن

طال قمع الحريات في الضفّة الغربية البرامج التلفزيونية أيضاً، حيث تم توقيف برنامج "زينكو" الذي يبث على فضائية "رؤيا" الأردنية، إثر الضغوطات التي تعرضت لها الفضائية من قبل الأجهزة الأمنية الفلسطينية التي اتهمت مقدمي البرنامج عبد الرحمن ظاهر ومحمود رزق بذمّ وقدحّ الرئيس والأجهزة الأمنية والسلطة الفلسطينية، ما تسبّب بخسارة مادية لهم تقدر قيمتها بـ 14500 دولار.
يشرح المخرج والممثل الفلسطيني عبد الرحمن ظاهر لـ "السفير": "خسرتُ عقود العمل التي كنت قد التزمت بها والتي تشكل مصدر دخلٍ لي في فلسطين، وها أنا الآن أتحمل عبء تكاليف الإقامة في الأردن. لا نستطيع العودة إلى فلسطين بسبب وجود أسمائنا على المعابر الفلسطينية للاعتقال فوراً بمجرد عودتنا إلى أرض الوطن، وقد تم تلفيق تهم خطيرة ليس لنا علاقة بها، بالإضافة إلى تهديدنا يومياً عبر اتصالات من أرقام مجهولة".
ويروي عن حاله: "أنا الآن بعيدٌ عن زوجتي وطفلي، وتوفي جدّي، وتزوجت شقيقتي، ولم أستطع أن أكون بين عائلتي في فلسطين بسبب هذه التهم التي لا أساس لها من الصحة. أستغرب كيف تُوجّه لنا تهمة الذم والقدح وإطالة اللسان ونحن ننتقد من يقومون بها ونسلط الضوء على همّ الوطن والمواطن من خلال برنامجنا!".
محمود رزق هو ممثل فلسطينيّ ومقدّم في برنامج "زينكو"، يشترك في قضية عبد الرحمن ظاهر، ويعاني مما يعاني منه عبد الرحمن، بالإضافة إلى توقفه عن الدراسة في "جامعة القدس" وتعطيل تخرجه لعدم قدرته على العودة إلى فلسطين.
يقول لـ "السفير": "البرنامج أثار سخط الأجهزة بشكلٍ عام وصنّاع القرار بشكل خاص، لأنه برنامج ساخر، وقد وجّه نقداً حادّاً للسلطة في الحلقة الرابعة، لذلك قاموا بحذفها من موقع يوتيوب".

رصاصة مقابل كلمة

عبد الله شتات (25 عاماً) هو ناشط شبابي في مجال الأسرى من محافظة سلفيت، وقد قام جهاز الأمن الوقائي باعتقاله 16 مرة. وفي المرة الأخيرة، أطلقت عليه الأجهزة الأمنية الرصاص الحيّ، في محاولة متعمدة لقتله، لكنه نجا. فتمّ اعتقاله والتحقيق معه على خلفية منشوراته على صفحة "فايسبوك" الخاصة به، حيث وجّهت له تهمة "إثارة النعرات الطائفية وبثّ الفرقة في صفوف الشعب الفلسطيني وتعكير الصفو العام، والتحريض على السلطة وقدح وذم مقامات عليا تحت مسمى إطالة اللسان".
يقول عبد الله لـ "السفير": "لدي بطاقة صحافيّ متطوع في شبكة "أنين القيد". وفي كل مرة يتم اعتقالي فيها من قبل الأجهزة الأمنية، أتعرّض للتعذيب الشديد، ما تسبّب لي بأمراضٍ دائمة، وتعطيل دراستي لسنوات طويلة".

الطول الدستوري للسان

مع تزايد عدد الصحافيين المتهمين بإطالة اللسان وقدح الرئيس، وانخفاض مستوى الحريات في المجتمع الفلسطيني، عبّر العديد من الكتاب والمثقفين عن استهزائهم بلغة القمع الجديد.
الكاتب الفلسطيني والباحث في التاريخ القديم أحمد الدبش، كتب ساخراً في مقالٍ عنوانه "الطول الدستوري للسان المواطن"، قائلاً: "نتساءل، ما هي أداة قياس الطول الدستوري للسان المواطِن؟ هل يقوم الرئيس عباس، بقياس ألسنة المواطنين بمسطرة خاصة للتأكُّد من طول اللسان؟ الإجابة بمنتهى المرارة؛ نعم، هناك أداة لقياس اللسان وطوله، وهي مدى اعتراف المواطِن بالاتفاقيات المُوقَّعة مع العدو، ومدى تقديرهُ لسُلطة الحكم الذاتي وتقديسه لرئيسها عباس. ولكن إن تمدَّد اللسان سنتيمترًا واحدًا وتحدَّث عن رفضه لأيّ مِما سَبَقْ، يقع تحت طائلة القانون بتُهمة إطالة اللسان!".
يشرح الدبش لـ "السفير" سياق الأمور: "أظهرت أجهزة أمن السلطة ضيقاً لافتاً إزاء النقد عبر مواقع التواصل الاجتماعي. ففي الشهور الماضية، شنَّت حملة مسعورة من الاعتقالات والمطاردات، وقمع الحُرِّيات ضد الإعلاميين الفلسطينيين، على خلفيَّة تعليق وُضِعَ على صفحات البعض الشخصية على فايسبوك. تتهمهم بإطالة اللسان، ونشر أخبار كاذبة، والتحريض على الوحدة الوطنية، وكتابة تعليقات تدعو إلى حلّ السُلطة".
ويضيف: "تُهمة إطالة اللسان هي تُهمة أمنيَّة قمعيَّة ابتكرتها الأجهزة الأمنيَّة لترهيب الشباب من أيّ حِراك ضد سُلطة الحكم الذاتي الإداري المحدود. فغدت تهمة "إطالة اللسان" سوطاً على رقبة حرية التعبير".

تهمة القرون الوسطى

يشرح البرفسور عبد الستار قاسم، أستاذ العلوم السياسية في "جامعة النجاح الوطنية"، لـ "السفير" أن تهمة إطالة اللسان هي "تهمة من القرون الوسطى المتخلفة الظلامية، حيث كانت شائعة في عهود القمع والاستبداد الظلامي". ويستغرب عبد الستار قاسم كيف يصف المسؤولين بالسلطة أنفسهم بأنهم ذوي مقامات عليا وهم يحتاجون إلى تصريحٍ من إسرائيل ليتنقلوا من مكانٍ إلى مكان، متسائلاً: "هل بقيت مقامات تمتُ إلى العلو بصلة؟ وإذا كان هناك من يعترف بإسرائيل ويطبِّع معها وينسق معها أمنياً، فإن من حقّ أيّ طفل فلسطينيّ أن يقذفه بحجر أو بكلام". ويختم قاسم: "المقامات العليا الفلسطينية تحت التراب، إنهم الشهداء، والمقامات غير العليا هي التي خانت دماء الشهداء".

لجنة الحريات تفضل الصمت

يعبّر رئيس "تجمع الشخصيات المستقلة في الضفة الغربية" خليل عساف عن استيائه من عمل "لجنة الحريات العامة" في الضفة وعدم فاعليتها، "مع أنه كان بإمكانها أن تقدم أكثر لحماية الحريات"، على حدّ تعبيره. وعلماً أن اللجنة هي إحدى لجان ملف المصالحة الفلسطينية، يشرح عساف لـ "السفير": "هناك مشكلة في بعض شخوص لجنة الحريات، فمنهم من فضّل الصمت والبعد عن المواجهة. لم تقدم هذه اللجنة سوى وثيقة قامت بصياغتها، لزم بموجبها وقف الاعتداء على الحريات، من دون متابعة لكيفية تطبيق السلطة لهذه الوثيقة. فإن كان لها من تطبيق، فهو يأتي انتقائياً بحسب الزمان والمكان والأشخاص".
ويتابع: "هناك تطاول من السلطة التنفيذية على كل شيء. فإن بقيت سياسة الاعتقالات السياسية وقمع الحريات قائمة بهذا النهج الانتقائي والانتقامي تحسباً لأشياء مجهولة، بالتأكيد ستتسبب بحقد عند المواطنين، وتلوح حرب أهلية نحن بغنى عنها".
ويحمّل عساف مسؤولية انتهاك الحريات للنخب السياسية والشخصيات اليسارية التي فضّلت الصمت على أن تتبنى موقفاً جدياً من المسألة، "لأنها بذلك تتسبب بإهانة كرامة المواطن الذي لن يكون فاعلاً في مقاومة المحتل أو الانتماء الفاعل في الوطن".
"الحرية سقفها السماء"، هكذا قال الرئيس الفلسطيني محمود عباس، فصدّقه كثيرون ليكتشفوا في ما بعد أن للحرية في فلسطين سقفٌ، السجن والمعتقلات وتهم كـ "إطالة اللسان". يبدو أنه كان يتحدث عن سماء غير تلك التي نعرفها.