| 

فتحت أطنان الركام المُتناثرة في أحياء قطاع غزّة وأزقّته، الباب واسعاً أمام المئات من العاطلين عن العمل لامتهان جمع أسياخ الحديد وحصى البناء والحجارة. قُدّر وزن هذه الأرتال بنحو ثلاثة ملايين طنّ، وجد فيها عشراتُ الشبان موادَّ بناء سحبوها من بين الكتل الإسمنتية، لإعادة تدويرها وبيعها لشركات التصنيع. هي فرصةٌ لتوفير قوت يومهم، بعدما تقطّعت بهم السبل منذ فرض الحصار الإسرائيلي على القطاع، صيف العام 2006.
وسط أكوام الحطام والدمار الذي يملأ أزقّة حي الشجاعيّة الواقع في شرق قطاع غزّة، يُفتّش الشاب إياد السميري عن قضبان الحديد، خاصةً في أسقف المنازل وأعمدتها التي طالتها آلة الحرب الإسرائيليّة مؤخراً. سيعمل في ما بعد على إعادة تقويمها وبيعها لشركاتٍ متخصصة في مجال جمع مواد البناء المدوّرة في غزّة.

فائدة للجميع

اعتاد السميري أن يتوجّه إلى المناطق التي تعرّضت لقصفٍ إسرائيليّ كثيف خلال الحرب، كحيّ الشجاعية وقرية خُزاعة. هناك، تتواجد عشرات المنازل المُدمّرة. يتفق مع أصحاب هذه المنازل على استخراج قضبان الحديد والخردة منها مقابل مبلغٍ من المال، ثم يبيع هذه القضبان الحديديّة لتجّار مواد البناء في غزّة.
يسعى الشاب إياد من خلال هذا العمل الشاق الذي أفرزته الحرب الإسرائيليّة على غزّة إلى توفير لقمة العيش لعائلته المكوّنة من تسعة أفراد. يُشاركه في العمل ثلاثة من أخوته الشباب. يقول إياد لـ "السفير": "نخرج كل صباح أنا وأخوتي على كارة ــ عربة يجرّها حمار ــ ونبحث عن المناطق التي تعج بالبيوت المهدمة والخردة. فإذا وافق أصحابها على استخراج الحديد من الباطون، نتفق معهم على مبلغ من المال لكلّ طنّ حديد، فنسترزق نحن، وندفع ثمن الحديد لأصحابه، والكلّ يستفيد من هذا العمل، بدلاً من أن تبقى البيوت المهدمة كما هي بلا فائدة".
يتقاضى صاحب المنزل المُدمّر قُرابة 300 دولار أميركي مُقابل كل طنّ حديد يستخرجه هؤلاء الشباب، فيما يبيعونه للشركات الخاصة بعد ذلك بمبلغٍ يتراوح ما بين 300 ــ 400 دولار أميركي. ويتأرجح العمل بين الفينة والأخرى بحسب الطلب، وبحسب توفّر مادة الإسمنت في القطاع، فبدون الإسمنت، يتوقف العمل كليًّا.

إعمارٌ لا بوادر له!

استهدف الاحتلال الإسرائيلي خلال حربه الأخيرة على قطاع غزّة ما يزيد عن ستين ألف منزل، بعضها بصورةٍ كليّة، وبعضها الآخر بصورةٍ متوسطة وطفيفة. وما زالت هذه المباني باقيةً في مكانها، لم تتم إزالتها ولا تم البدء فعلياً في عمليّة الإعمار. ما شكّل هاجساً للسكّان، خاصة أصحاب هذه البيوت الذين ينتظرون عمليّة الإعمار. في الفترة الأخيرة، باتوا يُطالبون الجهات المُختصّة بإزالة ركام منازلهم على الأقل، خوفاً من أن يُسبب أضراراً للمدنيين.
بحسب تقديرات وزارة الأشغال العامة والإسكان، فإن الحرب الأخيرة على القطاع خلّفت ما يُقارب ثلاثة ملايين طن من الركام، فيما تحتاج عمليّة إزالة الركام حوالي ثمانية شهور إنْ توفرت الأموال اللازمة.
ويستخدم الشبان الذين يعملون على استخراج الحديد من أسقف المنازل وأعمدتها أدوات بسيطة للغاية في عملهم. يستغرقون أوقاتاً طويلة في تكسير الأسمنت المُسلّح لاستخراج الحديد، ومن ثم يقومون بفرزه وتعديله تمهيداً لنقله وبيعه لمصانع وتجّار يعملون على إعادة تدويره وبيعه من جديد لاستخدامه في البناء.
لا تقل عملية تطويع قضبان الحديد وإعادة تشكيلها مشقّة عن مشقة رفع الركام، إذ تتطلب من العاملين في هذا المجال قدرةً كبيرة على الصبر والتحمّل عند التعامل مع لفائف الحديد المشوّهة المستخرجة من بين ثنايا الركام.

مئة شيكل في الأسبوع

لا يشكو العاملون في رفع أنقاض المباني المدمّرة مما يلحق بهم من تعب ومشقّة بقدر شكواهم من تفاقم الأوضاع الاقتصاديّة في القطاع، واضطرار مئات الشباب المتخرجين من الجامعات لامتهان أعمال يعتبرونها أقل من طموحاتهم وأحلامهم. ونتيجة لتراكم آلاف الأطنان من الكتل الإسمنتية المُدمرة بعد الحرب الأخيرة على القطاع، أقبل مئات الشباب العاطلين عن العمل على العمل في مجال إزالة ركام المنازل واستخراج ما في باطنها من قضبان حديدية وحصى بناء.
من بين هؤلاء الشاب محمد نبيل، وهو متخرج من كليّة إدارة المال والأعمال. يقول نبيل لـ "السفير": "لم أتخيّل يوماً أن يؤول بي المطاف للعمل في إزالة الركام واستخراج الحديد والحصمة .. كنت أحلم بأن أعمل في بنك أو مؤسسة كبيرة، لكن ندرة فرص العمل وارتفاع نسبة البطالة والفقر في غزّة أجبراني على العمل هنا. لو كنت قد وجدت وظيفة أقل شأناً من هذا العمل فلم أكن لأتردد في شغلها في ظلّ هذه الظروف".
لا يتعدّى مجموع ربح هؤلاء الشباب مئة شيكل إسرائيلي ــ حوالي 25 دولارا أميركيا ــ في الأسبوع الواحد. وعلى الرغم من مشقّة العمل وتدنّي الربح، إلا أنهم يرون أنه أفضل من "لا شيء". ولا يأبهون في الوقت نفسه من المخاطر التي قد تواجههم في العمل، كمخلفات متفجرة بين الركام، أو الجروح في أثناء استخراج قضبان الحديد.
وهي ليست المرّة الأولى التي يُمارس فيها الشاب محمد هذه المهنة. إذ يقول لـ "السفير" إنه امتهن جمع قضبان الحديد وحصى البناء بعد الحرب الأولى على قطاع غزّة في العام 2009. وكان يخرج من ساعات الفجر الأولى برفقة أصدقائه إلى المناطق التي تعرّضت للقصف، يجمعون الحديد والحجارة بمختلف أنواعها، ويبيعونها لقاء مبلغٍ زهيد جُلّه كان يُسدّد به رسوم دراسته الجامعيّة.

ومع ذلك، لا تصلح للبناء

بعد العام 2009، برزت شركات محلية عديدة عملت في مجال إزالة الركام وتكسيره وإعادة تصنيعه، في ظل منع الاحتلال الإسرائيلي دخول كل أنواع البناء، والإعمار إلى قطاع غزة منذ ثماني سنوات.
وبحسب آخر تقديرات لـ "اللجنة الشعبية لمواجهة الحصار"، فإن نسبة 90 في المئة من سكّان قطاع غزّة، خاصةً من فئة الشباب والمتخرجين، تعيش تحت خط الفقر. وهي أعلى نسبة يُسجّلها القطاع المُحاصر منذ العام 2006، فيما تصاعدت نسبة البطالة بشكل كبير فتجاوزت 65 في المئة، ووصل معدل دخل الفرد اليومي إلى نحو دولار أميركي واحد فقط.
أبو موسى هو صاحب واحدة من كسّارات الأسمنت المسلّح التي تشتري من الشباب حديد البيوت المهدّمة في غزّة. يشرح لـ "السفير" أن الحديد والحصمة (حصى البناء) المُستخرجة من المنازل المُدمّرة "لا يُنصح باستخدامها في بناء منازل جديدة، بل يتم بيعها للزبائن الذين يحتاجون بعض الحديد والحصمة لترميم منازلهم، أو بناء غرفٍ أرضيّة، وليس بنايات كبيرة، وذلك بسبب تدنّي جودة الحديد والحصمة المُعاد تدويرهما نوعاً ما عن الحديد والحصمة غير المُستخدمين من قبل".
ويؤكد أنه في ظل منع دخول الإسمنت لمصلحة القطاع العام في القطاع، فإن قطاع الإنشاءات شبه متوقف؛ إذ يقلّ الطلب على شراء الحصمة والحديد المدوّر، لحين دخول الإسمنت الذي يعتبر المادة الأساسية للشروع في البناء.
وهكذا.. لم تعد أكوام الركام المتناثرة في شوارع قطاع غزة وأحيائه السكنية شاهدة على قسوة العدوان الإسرائيلي فحسب، بل مثلت مصدر رزق لمئات العمال الذين تقطعت بهم السبل منذ فرض الحصار الإسرائيلي صيف العام 2006، وما أعقبه من ثلاث حروبٍ دمّرت عشرات المنشآت الاقتصادية والحيوية التي كانت توفر مصدر دخلٍ ماليّ لمئات العائلات.