| 

لم يكن العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزّة آخر مُعاناة تتجرّعها عائلة السيدة الفلسطينيّة فتحيّة النجّار، على الرغم من أنها فقدت ابنيها وثلاثة من أشقائها، ودُمّر منزلها عن بكرة أبيه. فالسيدة فتحيّة، بعد العدوان، وجدت نفسها حبيسة "كرافان" حديدي مُتنقّل سُلّم إليها لتؤوي نفسها ومن تبقّى من عائلتها فيه، بعدما سُوِّيَ بيتُها ومئاتُ البيوت الأخرى في قرية "خُزاعة" الحدوديّة بالأرض!
تبدو حياة النازحين بائسة في هذه القرية التي تعتّقت برائحة الموت، فقد تحوّلت من أجمل قرى مُحافظة خان يونس، في جنوب القطاع، إلى أكثر قرية تعجّ بركام المنازل التي استهدفتها الآليّات الإسرائيليّة خلال الحرب الأخيرة. وحدها "الكرافانات" التي سُلّمت لأهالي القرية، وفاقمت معاناتهم خلال موجات البرد، تحكي قصّة الصمود الذي تتمسّك به زهاء 500 عائلة تسكن القرية.
"الصورة أبلغ من الكلام".. هكذا كان لسان حال المواطنة الفلسطينيّة النجّار (62 عاماً) حين سألناها عن كونها تعيش في كرافانٍ حديدي لا تتعدّى مساحته ثلاثين متراً مربعاً، لا يقي برد الشتاء ولا لهيب الصيف. لتصوّر الكارافان، يمكن للقارئ (ة) تخيّل سفينة صغيرة تتدفّق إليها المياه من كل صوب وحدب. هكذا هي كرافانات النازحين في غزّة: فمع أوّل هطول للأمطار، اتضح حجم المعاناة التي يُكابدها قاطنوها، إذ غرقت منازلهم وغرقوا معها بعدما ظنّوا أن هذه الكرافانات ستكون ملاذاً آمناً لهم ولأطفالهم.

متى الإعمار؟!

تصف فتحيّة النجّار معاناة العيش في الكرافانات لـ "السفير": "حياتنا باتت كالهاربين من الدلف إلى المزراب. فقدنا بيوتنا الدافئة في الحرب، وها نحن نئن تحت وطأة برد الكرافانات، بانتظار وعود الإعمار التي يبدو أنها ذهبت أدراج الرياح".
خلال الحرب الأخيرة، أُجبر آلاف الفلسطينيين الذين يقطنون بالقرب من الحدود الشرقية للقطاع على النزوح من أماكن سكناهم، بعدما طالت المدفعيّة الإسرائيليّة منازلهم بشكل عشوائي. لمّا حطّت الحرب أوزارها، عاد هؤلاء إلى منازل مُدمّرة كليّاً، لكنهم آثروا البقاء صامدين في قراهم نظراً لعدم توفّر بديل آخر. استعاضوا عن منازلهم بالبيوت المتنقلة (الكرافانات) والخيام للاحتماء من برد الشتاء القارس، في ظل تأخر عملية الإعمار. لكن المعاناة تتفاقم يوماً تلو الآخر، خاصةً في فصل الشتاء.
على الرغم من المحاولات التي يقوم بها هؤلاء النازحين لتحصين كرافاناتهم وخيامهم بالبلاستيك والنايلون بحيث يمنعون تسرّب مياه الأمطار والبرد إلى صدور أطفالهم، فإن تلك الكرافانات المصنوعة من الحديد الضعيف تملأها الفراغات. تطايرت أسقفها مع الرياح، وتسربت مياه الأمطار إلى داخلها، وأغرقت أثاث الناس وملابسهم.
لكنّ الأشد مرارة من الغرق والبرد القارس هو قضاء ما يزيد عن ثمانية أطفال في قطاع غزّة نحبهم خلال موجة البرد السابقة التي أُطلق عليها عاصفة "هدى". جُلّهم كانوا من سكّان الخيام والكرافانات في جنوب القطاع. وبحسب المصادر الطبيّة الفلسطينيّة، فإن سبب الوفاة الأوّل هو البرد الشديد الذي عانى منه هؤلاء الأطفال الذين يعيشون في مراكز الإيواء.
تضامناً مع المعاناة التي يعيشها سكّان الكرافانات والخيام، انتفضت مجموعة شبابيّة في قطاع غزّة، فعمد الشباب إلى خلع ملابسهم والوقوف احتجاجاً بجوار سكّان هذه المناطق المنكوبة، في رسالةٍ إنسانيّة تقضي بضرورة الإسراع في عمليّة الإعمار، والوفاء بالالتزامات تجاه قطاع غزّة.

يبدعون في استبدال مواد البناء!

في ظل تأخّر عملية إعمار غزّة، ومُعاناة سكّان الكرافانات والخيام من أوضاعٍ قاتلة، استعاض بعض النازحين مؤخراً بالحديد والخشب وبعض المواد الأوليّة المتوفرة في القطاع عن مواد البناء التقليدية. حاولوا إعادة بناء منازل جديدة بدلاً من تلك التي دُمّرت خلال الحرب، وإيواء عائلاتهم التي ذاقت الأمرّين في النزوح.
لا تدخل المواد اللازمة لإعادة بناء ما دمّره الاحتلال خلال الحرب الأخيرة في غزة إلا بصورة مقننة جداً. ويرى أصحاب البيوت المدمرة أن هذه الآلية لن تنجح في إعادة بناء منازلهم التي مضى على دمارها أكثر من ستة شهور، ما دفع ببعضهم إلى استخدام ألواح الخشب والحديد والفلين لبناء منازل أخرى بدلاً من تلك التي فقدوها خلال الحرب، لإيواء عائلاتهم التي ذاقت مرّ التشرّد لفترة طويلة.
وبدا خيار استغناء النازحين عن الأسمنت ومواد البناء التقليدية في بناء منازل جديدة، أسلوب تحدٍّ لجبروت الاحتلال الإسرائيلي الذي يتحكّم بكمية مواد البناء التي يدخلها إلى غزة من خلال المعابر التجارية التي يسيطر عليها؛ إذ سئم النازحون من آلية الإعمار التي تجري حاليّاً، وبدأوا يشيّدون لأسرهم منازل جديدة مصنوعة من الحديد والخشب وبعض المواد الأخرى. وفي الوقت ذاته، فإن هذه المنازل تستجيب إلى حدّ ما للمعايير الجمالية والهندسية الحديثة.
ويعمل الغزّيون على تشييد هذه البيوت باستخدام ألواح الحديد "الصاج"، وخشب الصناديق التي تنقل عليها البضائع، ويستعينون بالنجارين والحدادين للمساعدة في البناء. وبعد بناء المنزل، يعملون على تغطيته من الخارج بالنايلون أو البلاستيك لمنع تسرب الهواء والأمطار للداخل.
يعتقد بعض النازحين في غزة أن هذه المنازل البسيطة تعدّ أفضل من "الكرافانات الحديدية" التي أثبتت عدم نجاعتها، وغرقت بفعل الأمطار في المناطق المدمرة شرق خان يونس. كما أن المنازل الخشبية لا تشكل خطراً على أصحابها في فصل الشتاء، على عكس البيوت الحديدية التي قد تصاب بـ "ماس كهربائي" بفعل مياه الأمطار.
ولإضفاء لمسة جماليّة على كرافانات النازحين بغزّة، وُمحاولة تلوين سواد ما خلّفته الحرب الإسرائيليّة، عمل عددٌ من الفنانين والهواة الفلسطينيين على تلوين جدران الكرافانات الحديديّة بألوانٍ زاهية، وتشكيل لوحات تبث "الروح" في بيوت النازحين المتنقلّة، وتمنح قاطنيها شعوراً بنسيان "ألوان الحرب القاسية".

تعليق مساعدات "الأونروا"

بحسب الإحصائيات الرسمية الفلسطينية، دمّر الاحتلال الإسرائيلي خلال عدوانه الأخير على غزة في السابع من تموز 2014 نحو مئة ألف بيت ومنشأة بشكلٍ كليّ وجزئيّ، منها 18 ألف وحدة سكنية. وأدّت الحرب إلى تشريد نحو 10 آلاف عائلة غزية، ولا يزال هؤلاء ينتظرون عملية إعادة إعمار منازلهم ليعودوا إليها مرة أخرى.
لحق النصيب الأكبر من الدمار بالأحياء والمناطق الشرقية لقطاع غزة، ومنها حيّ الزيتون، والشجاعية، وقرية خزاعة، والقرى الشرقية لمحافظة رفح، إذ استهدفت المدفعية الإسرائيلية هذه المناطق بشكلٍ عشوائي وعنيفٍ جداً، في سياسة حربيّة تُعرف بـ "الأرض المحروقة".
ومؤخراً، سادت حالةٌ من الاستياء الشديد في أوساط أصحاب المنازل المُدمّرة والنازحين في قطاع غزّة، جرّاء إعلان "وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ــ الأونروا" تعليق مساعداتها الماليّة الخاصة بالمواطنين الذين فقدوا منازلهم في الحرب الأخيرة على غزّة، ومن ضمنها بدلات الإيجار، وذلك بسبب "نقص التمويل".
بسبب ذلك، ستتفاقم معاناة النازحين الذين فقدوا منازلهم خلال الحرب، في ظل غياب رؤية واضحة لإعادة إعمار منازلهم، لا سيّما أنهم يعتمدون بشكلٍ رئيسي على المساعدات التي تُقدمها لهم "الأونروا"، كما بعض المعونات المُقدّمة من الجمعيّات والجهات الخيريّة منذ توقّف الحرب.

صرخة إعمار!

دفعت هذه الأوضاع المأساويّة في قطاع غزّة بالفنان الفلسطيني الكوميدي إسلام أيّوب، إلى إطلاق أغنيةٍ بعنوان "صرخة إعمار"، يُلقيها بكلماتٍ وأداءٍ ساخرين، ليُسلّط الضوء على ملف إعادة إعمار غزّة الذي تأخّر كثيراً، داعياً المسؤولين لوضع هذا الملف على سلّم أولوياتهم، خاصة مع دخول فصل الشتاء، وبقاء معاناة النازحين قائمة.
تُجسّد الأغنية التي تعرض بعضاً من مشاهد الدمار الهائل الذي حلّ بمنازل غزّة، مُعاناة النازحين في مراكز الإيواء والخيام. وتعالج بشكلٍ ساخر الأوضاع التي آلت إليها الأمور وزوبعة الحديث عن عمليّة إعادة الإعمار من دون تنفيذٍ فعليّ.
يتحدّث أيّوب عن تحدّي الناس في غزّة وصمودهم خلال العدوان الإسرائيلي الأخير، مُتسائلاً عما إذا كانت مُكافأة الصمود هي التشرّد وتأخير عمليّة إعادة الإعمار. فيقول في أغنيته: "شعب تحدّى العدوان، وتحدّى قصف الطيران، ليش إنتو بتعذّبوه، معقول شعبي كان غلطان؟".
كما يتطرّق إلى أوضاع أصحاب المنازل المُهدّمة والنازحين في الخيام و "الكرافانات" المُتنقّلة ومدارس "الأونروا"، مُعتبراً أن الوحدة الوطنيّة الفلسطينيّة وعمليّة إعمار غزّة هما من ضروب "الأحلام"، إذ يقول في أغنيته: "ناس بتسكن الخيام، وناس بتسكن مدارس وكرافان. أما الوحدة والإعمار، ممكن ممكن في الأحلام".
وبالكوميديا السوداء أيضاً، يُطلق الفنان الشعبي إسلام أيوب صرخةً موجّهة إلى كل المسؤولين للإسراع في عمليّة إعادة إعمار غزّة، وتوفير مأوى للنازحين، لا سيّما أن أصحابها ضاقوا ذرعاً بكثرة الوعود والمواعيد التي ما تلبث حتّى تذهب أدراج الرياح. يصف حياة الناس في غزّة بـ "الجحيم".