| 

من المفترض أن يعقد المجلس التشريعي الفلسطيني المكوّن من 132 نائبًا (84 نائبا في الضفة، و48 نائباً في غزة) جلسة كل أسبوعين، إلا أن جلسةً لم تُعقد منذ حوالي ثماني سنوات نتيجة الانقسام السياسي والجغرافي بين حركتي "فتح" و "حماس".
ويشرح مدير مؤسسة "مساواة" المحامي إبراهيم البرغوثي لـ "السفير": "ان إصدار عشرات القرارات بقانونٍ من قبل الرئيس محمود عباس، يؤكد أنه أصبح الجهة التشريعية والتنفيذية في آنٍ واحد. كما أن غياب التشريعي واكبه ارتفاع نسبة الاعتقال السياسي والتعسفي وانتهاك الحريات العامة، بما فيها الإعلامية والنقابية، وإصدار عشرات القرارات الإدارية من السلطة في رام الله وقطاع غزّة ضد الحريات العامة".
وبحسب بيانات وزارة المالية للعام 2012، فإن حجم نفقات المجلس تبلغ في الضفّة فقط أكثر من 10 ملايين دولار سنويا وتشمل نفقات تشغيلية وتطويرية وتحويلية ورواتب موظفين، بينما لا يُعرف حجم نفقات مقر المجلس التشريعي في غزة.

"حان وقت الشعب"

يأخذ المجلس التشريعي الفلسطيني شرعيته من المكانة التي منحه إياها القانون الأساسي الفلسطيني كمؤسسة دستورية مصدر سلطتها الشعب الفلسطيني. وبعدما أُنهك هذا الشعب تضحيةً على كل المستويات من أجل بناء دولة فلسطينية عاصمتها القدس، تراه اليوم معطّلاً غير موجودٍ إلا بالاسم على لافتة مثبّتة عند مدخل مبنى في ضاحية المصيون الراقية في رام الله.
تأسس المجلس التشريعي في 20 كانون الثاني/ يناير 1996، وجرت حينها أولى الانتخابات له في الضفّة الغربية وقطاع غزّة والقدس المحتلة، في ظل مقاطعة حركتي "حماس" و "الجهاد الإسلامي". وفي 25 كانون الثاني/ يناير 2006، أجريت الانتخابات التشريعية الثانية للمجلس، وتم تنصيبه في 18 شباط/ فبراير 2006 في موقعه بمشاركة كل الأحزاب والفصائل الفلسطينية، باستثناء حركة "الجهاد الإسلامي". في هذه الدورة، فازت حركة "حماس" بأغلبية 74 نائبا، بينما فازت منافستها "فتح" بـ45 نائبا.
وقد كان من المفترض أن يأخذ المجلس التشريعي شكلاً آخر في بناء الدولة فلسطينية، إلا أن دوره حُجّم حتى بات ثانوياً نتيجة الانقسام الداخلي، وعجزه عن سنّ القوانين التي تحصّن مؤسسة العدالة الفلسطينية.
برزت أهمية المجلس التشريعي مع نفاد شرعية المؤسسات الدستورية الفلسطينية، وخاصةً إثر انتهاء ولاية الرئيس محمود عباس في يناير/كانون الثاني 2009. وقد استدعى هذا الغياب المستمر للمجلس التشريعي إطلاق ناشطين في الضفة الغربية وقطاع غزة لحملة "حان وقت الانتخابات، حان وقت الشعب"، بهدف زيادة الضغط الشعبي لإجراء الانتخابات الفلسطينية. وقد نظم الناشطون في أواخر كانون الثاني الماضي، وقفةً رمزية أمام مقرّ المجلس التشريعي في رام الله، للإعلان عن إطلاق الحملة، في الضفّة والقطاع. حجة الناشطين في حملتهم أن تعطيل المجلس طال مهمات التشريع والرقابة والمساءلة للجهات التنفيذية.

"تغوّل" السلطة التنفيذية

نفقات المجلس ورواتب النواب لا تزال مستمرة، حيث يبلغ راتب النائب الواحد قرابة ثلاثة آلاف دولار، تضاف إلى مصاريف المكاتب المنتشرة في الضفّة الغربية وقطاع غزّة، مع العلم أن عدد النواب الذين يتقاضون رواتبهم هو 114 نائبا، إذ تم قطع رواتب 20 نائبا من أصل 27 نائبا لتمثيلهم "حماس" في غزّة.
ولفت مساعد الأمين العام للمجلس التشريعي لشؤون الجلسات واللجان نشأت القريوتي "السفير" إلى أنه "بعد شهر تموز/يوليو 2007، جرى تعطيل المجلس التشريعي، ولم يعقد بأعضائه كاملا. ما دفع بالكتل والقوائم البرلمانية إلى تشكيل هيئة عامة للمجلس ومجموعات عمل مختصة في الملفات المالية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية والاستيطان وغيرها".
وأوضح أن القرارات الصادرة بقانون عن الرئيس محمود عباس هي قرارات تم الاتفاق بين الكتل والقوائم البرلمانية ومكتب الرئيس عليها، على أن تُعرض على المجلس حتى تأخذ كل جهة دورها في ذلك، لكن ذلك "لا يتم بالشكل المطلوب"، وفق تأكيده.

المحافظ سيسجن على الشبهة!

يشار هنا إلى أهمية قانون يُدرس حالياً في أروقة الرئاسة الفلسطينية يسمّى بقانون المحافظين، يطلق أيدي المحافظين في العمل البلدي إلى أبعد مدى، ويجعل للمحافظ السلطة المطلقة في الاعتقال على الشبهات إلى أجل غير مسمى، بعيداً عن النيابة والقضاء.
أثار هذا القانون حفيظة المؤسسات الحقوقية، واستدعى توجيه "الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة ـــ أمان" رسالةً إلى الرئيس عباس تفيد أن مثل هذا القانون "مخالف للقانون الأساسي، وفيه تغوّل على صلاحيات السلطة القضائية بشقيها القضاء والنيابة العامة، وفيه مخالفة لصلاحيات المجلس التشريعي المناط به إصدار القوانين".
وقد أوضح المحامي سلام عواد (من نابلس) لـ "السفير" أن "هذا القانون المزمع رفعه إلى الرئيس لإقراره سيثير موجةً من الجدل. فالمحافظ سيكون له الحق بحبس أيّ شخص بحالة الشبهة، "شبهة بوجود خطر على حياة شخص" أو شبهة بنيّة شخص بارتكاب جناية.. فتكفي الشبهة أو الاشتباه على النية للتوقيف!".
في موقفها، أوضحت "أمان" أن "ما ورد في المادة 15 من القانون يخالف ثلاث قواعد قانونية معتبرة في كل دول العالم (إلا في فلسطين) وهي: المتهم بريء حتى تثبت إدانته، الشكّ يفسّر لمصلحة المتهم، والأحكام لا تبنى إلا على اليقين لا على الشك والتخمين". وأكملت: "ثم إن مدة التوقيف أو الحبس على ذمّة المحافظ لا حدود لها بمدة، وفيه تعدّ على الدستور، وعمل المجلس التشريعي".

"حلم الفئات المظلومة"

خلال ندوة خصّصت للبحث في تداعيات غياب "التشريعي" واتخاذ الرئيس عباس القرارات بقانون، شرح محامي "الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان" غاندي الربعي أن "القرارات التي لها قوة القانون أثّرت وستؤثر على حياة المواطن، وتخلق مراكز قانونية جديدة في الواقع الفلسطيني". وبيّن الربعي أن الرئيس، خلال العام الماضي، أصدر ثمانية قرارات بقانون تتعلق بالشأن القضائي. فمع غياب "التشريعي"، "لا محاسبة للحكومة ولا رقابة على أعمالها، ولا تمنح الثقة أو تنتزع منها، ولا يتم استجوابها".
وأكد الربعي أن "منظومة الحريات والحقوق تأثرت سلبا، حيث سُجلت مئات الحالات من الاعتقال التعسفي وادعاءات بالتعذيب، خلال سنوات غياب التشريعي".
وتشرح النائبة في المجلس التشريعي نجاة أبو بكر (عن كتلة "فتح" البرلمانية) في حديثها لـ "السفير" أن "إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية أصبح حلم الفئات المظلومة في الشعب الفلسطيني". وطالبت الفصائل الفلسطينية والمؤسسات القانونية بالضغط "حتى ينعم الناس بالقوانين التي تضمن حقوقهم وحريتهم".
أما النائب في المجلس التشريعي عن كتلة "حزب الشعب" بسام الصالحي فرأى من موقعه أنه "رغم مشاورة المجلس أحياناً في القرارات بقانون التي تصدر عن الرئيس عباس"، إلا أنها "لا تكون بالدقة التي تعكس مصالح الشعب كما لو أنها صدرت عن المجلس التشريعي". وقال إن "غياب الرقابة البرلمانية على السلطة التنفيذية أدى إلى تغوّل الأخيرة في الضفة وغزة، وفق التقارير الصادرة عن المؤسسات الحقوقية".