| 

عندما يتحدث المرء عن المحامي صلاح الدين الدبّاغ، يحضر إلى بال عارفيه محامياً مسكوناً بالقضية الفلسطينية التي عاشها شخصياً منذ أن كان طفلاً على مقاعد الدراسة في يافا ونابلس. حملها معه شاباً إلى نضال الطلاب في "الجامعة الأميركية في بيروت"، قبل أن ينتقل بها إلى القدس مسؤولاً مركزياً في "منظمة التحرير الفلسطينية". مرة أخرى، تراه يعود معها إلى بيروت مديراً لـ "الصندوق الوطني الفلسطيني" وعضواً في اللجنة التنفيذية لـ "منظمة التحرير الفلسطينية"، رفيق درب أبي عمار، وشريكاً لدوداً له.
خلال مسيرته، تعرّض المحامي للاعتقال أكثر من مرة، في الأردن وفي لبنان، وكاد أن يستشهد خلال الحصار الإسرائيلي لبيروت في العام 1982. في سجله، تنام ذكريات لا تنسى عن الثورة الفلسطينية يسردها لملحق "فلسطين" للمرة الأولى بعد صمتٍ طويل.


في يافا، ضد الانتداب

• أخبرنا عن طفولتك في فلسطين.
ولدت في يافا في العام 1936. والدي مصطفى الدباغ، كان يعمل مفتشاً في وزارة المعارف، ووالدتي بيروتية من عائلة المحمصاني. بحكم عمله، كان والدي يتنقل بين مناطق في فلسطين، وكانت عائلته المؤلفة من زوجة وصبيان تنتقل معه. وكانت مدينة نابلس إحدى هذه المناطق التي انتقلنا إليها بحكم عمل والدي. في نابلس، دخلت للمرة الأولى إلى المدرسة، قبل أن أنتقل لاحقاً إلى مدرسة أخرى هي "كلية النجاح" لمتابعة دراستي. وبالمناسبة، كان لوالدي بحكم عمله دورٌ في تسمية معظم المدراس الرسمية في فلسطين بأسماء عظماء العرب، فهو كان يعتبر أن تسمية المدراس بأسماء هؤلاء من شأنه أن يعزز الروح الوطنية والقومية عند الطلبة.
في تلك الفترة، كان الغليان ضد الانتداب البريطاني في أوجه، وقد وصلت تأثيراته الى طلبة المدراس. فكنا نخرج للكتابة على حيطان المدينة عبارات تحرض على الثورة ضد الانتداب البريطاني وتدعو إلى التمسّك بعروبة فلسطين. في مدرسة "النجاح"، كانت الأجواء عروبية بامتياز، وكان لدينا أساتذة لبنانيون يعلّمون في المدرسة، بالاضافة إلى الأساتذة الفلسطينيين. وكنا ننشد في كل صباح، وقبل دخولنا إلى الصف، نشيدَي "موطني" "ونحن الشباب". وأذكر في إحدى المناسبات الوطنية، قام طلاب القسم الثانوي بإيقافي على طاولة في أحد الصفوف، وطلبوا مني أن أنشد "موطني" منفرداً.
كانت نابلس مدينةً جميلة، وكانت أجمل ما فيها أسواقها القديمة التي كانت لها رهجة مميزة في أيام شهر رمضان، حيث كانت تزدان بالأضواء والشموع وتزدحم بالمتسوقين بعد الإفطار.
وبعدما أمضينا فترة من الزمن في نابلس، عدنا مجدداً إلى يافا حيث أدخلني والدي إلى مدرسة "العامرية"، وقد سميت كذلك نسبة إلى القائد العربي المعروف "عامر بن عبيدة الجراح" بناءً على اقتراح والدي أيضاً. كان هناك في يافا بائع ترمس يقف عند باب المدرسة، مازلت أذكر حتى الآن أنه كان أصلعاً وضخم الجثة وودوداً للغاية. لشدّة تعلق الأطفال به، بقي عالقاً في ذاكرة "شفيق الحوت" الذي كتب عنه في أحد مقالاته عن يافا.

• بأي ظرف وشعور غادرتم فلسطين؟
في العام 1946، بدأت أجواء التوتر تتصاعد بين الثوار الفلسطينيين والمستوطنين اليهود، وتطورت في ما بعد إلى اشتباكاتٍ مسلحة بين الطرفين، وأذكر أن والدتي تطوعت حينها للعمل كمسعفة إلى جانب الثوار. في شهر نيسان العام 1948، كان الغليان قد بلغ ذروته بين العرب واليهود الصهاينة، فقرّر والدي إرسالنا إلى بيروت للعيش عند جدي والد أمي ريثما تهدأ الأحوال في فلسطين. وبالفعل، انتقلنا بالباخرة إلى بيروت. وإن أنسى فإنني لن أنسى ما حييت كيف كنت كلما ابتعدت الباخرة بنا، أصعد إلى سطح الباخرة وأصوب نظري باتجاه يافا، وفي داخلي شعورٌ بأنني لن اراها بعد اليوم.
بعد انتقالنا إلى بيروت، بقي والدي في يافا وحده وظلّ فيها مع المقاومين الفلسطينيين حتى سقوطها بأيدي الجيوش الصهيونية، فخرج على متن مركبٍ كان متجهاً إلى بيروت. وكاد هذا المركب أن يغرق بسبب كثرة المسافرين على متنه، لو لم يأمر القبطان الركاب بأن يرموا أمتعتهم في البحر. وكان في حقيبة والدي التي ابتلعها البحر، بالاضافة إلى ثيابه، مخطوطة كتابٍ كان يعمل على تأليفه بعنوان "بلادنا فلسطين"، وهو يتحدث عن تاريخ فلسطين منذ القدم. ظلّ والدي حتى آخر يوم في حياته حزيناً على عدم تمكّنه من انجاز هذا العمل الذي كان سيضيف معلومات قيمة إلى تاريخنا الفلسطيني.

في بيروت: هكذا أصبحت محامياً

• في بيروت بدأت مرحلة جديدة من حياتك، ما هي المحطات التي تخللتها؟
في بيروت، أدخلنا والدي أنا وشقيقي إلى مدرسة "انترناشول كولدج" (IC). وكان معظم أصدقائي في المدرسة من المؤمنين بالقومية العربية، فتأثرت بهم وبدأت أنشط في صفوف الحركات العروبية في المدرسة. وأذكر أيضاً أننا كثيراً ما كنا نصطدم بالطلاب القوميين السوريين الذين كان لهم رأي خاص بالعروبة يختلف عن رأينا. وكانت أكثر النقاشات حدّة تدور مع أستاذ مادة التاريخ الذي كان قومياً سورياً، وكان يحاول دائماً اقناعنا بمبادئ حزبه. ولكن، ما يشار إليه هنا أنه بالرغم من الخلافات العقائدية بين العروبيين والقوميين السوريين، فإنهم كانوا يجتمعون عندما يكون النشاط متعلقاً بفلسطين.
وفي العام 1952، دخلت الى "الجامعة الأميركية" لدراسة الاقتصاد، وهناك انتسبت إلى "حركة القوميين العرب"، وبدأت نشاطاً طلابياً في "رابطة العروة الوثقى" التي كان تصدر مجلة تحمل اسمها. كتبت العديد من المقالات في هذه المجلة التي كانت تتمحور حول جغرافية الوطن العربي.
بعدما قامت إدارة "الجامعة الأميركية" بايقاف نشاط "الرابطة"، بدأنا نبحث عن إطار آخر لعملنا الثقافي فاهتدينا الى "النادي الثقافي العربي" الذي كان نشاطه متوقفاً منذ فترة طويلة، فجددنا رخصته وانطلقنا بالعمل الثقافي مجدداً من خلاله.
وفي "النادي"، بدأت قصة حب مع الطالبة في الجامعة الأميركية سلمى النجار، وكانت واحدة من الناشطات في معرض الكتاب العربي، فتوجت هذه القصة بالزواج في العام 1968. ثمار هذا الزواج، ثلاثة أبناء هم خالد وباسل وميّة. ولم يكن زواجنا أنا وسلمى في ذلك الوقت زواجاً عادياً، فنادراً ما كان يتم في ذلك الوقت زواج بين شخصين من ديانتين مختلفتين، وسط ترحيب الأهل وموافقتهم.
وفي الجامعة الأميركية أيضاً، توليت رئاسة "جميعة طلاب الاقتصاد" في كلية الآداب والعلوم، في العام 1957. وكان من ضمن نشاط الجمعية دعوة عدد من الاقتصاديين البارزين في لبنان والعالم العربي لإلقاء محاضرات على منبر الجامعة، وكانت لنا شجارات مع غدارة الجامعة في هذا السياق، نظراً لنشوء الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا، ما لم يرضِ أميركا.
وخلال هذه الفترة، شهدت الجامعة حادثاً مأساوياً. فقد تجمع حشد كبير من الطلاب للتظاهر ضد حلف بغداد، لكن الدرك اللبناني حاول منعنا من التظاهر بإطلاق النار علينا مباشرة. قتل الطالب حسان أبو اسماعيل، وأصيب زميل لي يدعى مصطفى نصر الله برصاصةٍ أقعدته. كان مصطفى صديقاً حميماً لي، وظليت ازوره حتى آخر يومٍ في حياته. بعد هذه المواجهة، طردت إدارة الجامعة عدداً من الطلاب وعلّقت انتساب البعض الآخر، بتهمة إثارة الشغب داخل الجامعة. وكنت من الذين جرى تعليق انتسابهم، فاتجهت الى دراسة الحقوق في "الجامعة اليسوعية". وبعد فترة من الزمن، تقدمت بطلب إلى إدارة الجامعة الاميركية لاعادة السماح لي بمتابعة دارستي فيها فقبل الطلب. وهكذا، عدت لمتابعة دراستي في "الاميركية" حتى نيلي شهادة في الاقتصاد. والى جانب ذلك، أكملت دراستي في "اليسوعية"، وحصلت على اجازة في الحقوق في العام 1961، ومن ثم الماجستير والدكتوراه.

في القدس: "وبعدما أسسنا م. ت. ف."

• رافقت "منظمة التحرير الفلسطينية" منذ بداية انطلاقتها. كيف تحضرك تلك الفترة؟
في العام 1964، بدأ أحمد الشقيري العمل على تأسيس "منظمة التحرير الفلسطينية"، وكان لهذه الغاية يجول على الدول العربية ويجتمع بالشباب الفلسطيني الذي كان يقطن في تلك الدول. وكنت من الذي اجتمع بهم في بيروت، إلى جانب كل من شفيق الحوت والدكتور وليد الخالدي وبرهان الدجاني ويوسف الصايغ وغيرهم. رحنا نناقش معه النظام الأساسي للمنظمة، وكان أحمد الشقيري ذا قدرة هائلة على الاستماع، الى جانب اسلوبه الجذاب في الحوار. ما جعلنا نرتاح إليه، ونقرر الانضمام الى الهيئة التأسيسية للمنظمة التي عقدت مؤتمرها الأول في مدينة القدس في العام 1964. وبعد الاعلان عن قيام "منظمة التحرير الفلسطينية"، جرى تعييني رئيساً لدائرة العلاقات السياسية الخارجية. ولأن المقرّ في القدس، انتقلت بحكم مسؤولياتي الجديدة للسكن في القدس.
كانت القدس في ذلك الوقت تابعة للإدارة الأردنية. وبسبب ارتباط الأردن بسياسة الأحلاف الغربية المعادية لحقوق الشعب الفلسطيني، جرت محاولة لوقف نشاطنا في القدس من قبل المخابرات الأردنية. وقامت الأخيرة بمداهمة مكاتب المنظمة في القدس واعتقال جميع العاملين فيها في شباط العام 1967. كانت التهمة الموجهة الي "القاء قنبلة صوتية على مركز محافظة القدس"، وهي تهمة لا اساس لها من الصحة. بعد اعتقالي، نقلت أولاً إلى مركز المحافظة في القدس، حيث التقى بي المحافظ، وراح يسألني عن موقفي من سياسة الملك حسين. وبعدها، تم نقلي إلى السجن المركزي في عمّان حيث وضعت مع رفيقٍ لي في زنزانة تحت الأرض، وكنت أرتجف طوال الوقت من البرد. وبعد حوالي أسبوع على اعتقالنا، جاء كبير المحققين للتحقيق معنا، وكان المحقق محمد عبد الرسول الكيلاني الذي كان مجرد ذكر اسمه كافٍ لإخافة المعتقلين. عندما شاهدني أرتجف، ظنّ أنني أرتجف خوفاً منه فارتاح لهذا المشهد، ولكنني سارعت إلى توضيح أنني أرتجف من البرد وليس لأي سبب اخر. فتغير وجهه وأصبح أكثر عدائية. لكنه ما لبث أن عاد إلى هدوئه وأمر باطلاق سراح جميع المعتقلين، بعدما علم ان والدي هو مصطفى الدباغ الذي كان قد ساعده في الانتقال من التدريس إلى سلك القضاء العسكري. وكان والدي قد أصبح في ذلك الوقت وكيلاً لوزارة المعارف في الأردن.

"ياخي على شو عمّال تشوف حالك؟"

• بعد نكسة حزيران، استقلت من مسوؤلياتك في المنظمة، وانقطعت عن ممارسة أي نشاط تنظيمي حتى العام 1980. كيف عدت إلى اللجنة التنفيذية للمنظمة؟
بعد هزيمة 1967، خرجنا من القدس وانتقلنا الى مصر حيث عقد مؤتمر لقيادة "منظمة التحرير الفلسطينية" وقع خلاله خلاف بين أعضاء في اللجنة التنفيذية كنت أنا من ضمنهم ورئيس "المنظمة" أحمد الشقيري. وكانت أسباب هذا الخلاف تعود الى اعتراضنا على سياسة الشقيري الذي كنا نرى أنه لا يقوم بما يكفي من خطوات من أجل تحقيق الهدف الذي اجتمعنا من أجله، وهو تحرير فلسطين. ولكنه في الواقع ومع الوقت، تبين لنا أن الشقيري لم يكن قادراً على فعل أكثر مما فعل بسبب الضغوطات التي كانت تمارس عليه من بعض الدول العربية التي كانت تعتبر نفسها وصية على "منظمة التحرير". أدّت خلافتنا مع الشقيري إلى استقالته من رئاسة المنظمة، وهو كان قد شعر خلال المؤتمر أن هناك اتجاه داخل المنظمة يقف وراءه بصورةٍ رئيسية الرئيس جمال عبد الناصر لتغيير قيادة المنظمة. بعد هذا المؤتمر وخروجنا من القدس إلى القاهرة، شعرت انه لم يعد هناك مجال للعمل مع منظمة التحرير الفلسطينية، خاصة أننا اصبحنا بعيدين عن الميدان الرئيسي للمواجهة. فقررت تقديم استقالتي من اللجنة التنفيذية.
بعد استقالة الشقيري، دخلت حركة "فتح" بقوة على خطّ "منظمة التحرير" وتسلم ياسر عرفات قيادتها. تعرفت للمرة الأولى على ياسر عرفات بواسطة زهير العلمي، وبعد ذلك توطدت العلاقة بيننا لتتحول إلى صداقة شخصية عميقة بالرغم من الخلافات حول الكثير من المواقف السياسية. وكان أبو عمار ذا قدرة على كسب الأصدقاء لا يضاهيه فيها أحد.
بعد استقالتي من المنظمة، بقيت عضواً في المجلس الوطني للفلسطيني، وعدت للاستقرار في بيروت حيث انصرفت للتدريس في كلية الحقوق في الجامعة اللبنانية وممارسة مهنة المحاماة، بعدما حصلت على الجنسية اللبنانية. وفي العام 1980، عقد "المجلس الوطني الفلسطيني" اجتماعه السنوي في دمشق، فالتفت إلي أبو عمار وطلب مني أن أتولى مسؤولية رئاسة الصندوق القومي لمنظمة التحرير. ترددت في بداية الأمر، واشترطت أن يكون تولي هذه المسؤولية باجماع جميع الفصائل الفلسطينية. وبالفعل أعلن ممثلو جميع الفصائل من دون استثناء مواققتهم على هذا الأمر، ولكن، مع ذلك، بقيت متردداً الى أن جاءني صلاح خلف (أبو اياد) وقال لي: "ياخي على شو عمّال تشوف حالك؟ نحنا عمّال نبعت الشباب تستشهد، وانت مسؤولية مالية مش قابل تستلم؟". تأثرت جداً بهذا الكلام وقررت بيني وبين نفسي القبول بهذه المسؤولية، ولكن قبل أن أحسم قراري ذهبت الى صديقي نمر المصري، وهو عضو سابق في المنظمة وكان معي في القدس. عرضت عليه الأمر فشجعني. وهكذا اعلنت قراري بالموافقة واصبحت رئيساً للصندوق الوطني لمنظمة التحرير الفلسطينية، واصبحت حكماً عضواً في اللجنة التنفيذية للمنظمة، كما انتخبت في ما بعد عضواً في المجلس المركزي الفلسطيني.

العلاقة مع عرفات.. تنظيمياً وشخصياً

• كانت لك محطات مميزة مع ياسر عرفات. ماذا يحضرك منها؟
لم تمض فترة طويلة على تولي هذه المسؤولية قبل أن يحصل اشكال بيني وبين ياسر عرفات كدت على أثره أن أقدم استقالتي. بدأت القصة عندما قامت الطائرات الإسرائيلية في العام 1981 بغارات على منطقة الطريق الجديدة دمرت خلالها عدداً من الأبنية من بينها مقار للمنظمة. وعلى إثر هذه الغارة، أعلنت المملكة العربية السعودية عن تبرعها بمبلغ عشرين مليون دولار أميركي لصالح المنظمة لكن أبا عمّار رفض تحويل المبلغ إلى الصندوق القومي الفلسطيني، وقال لي أن المبلغ المتبرع به يخص حركة "فتح" وحدها، وأبرز شيكا بالمبلغ باسمه الشخصي. رفضت هذا الطرح واصريت على تحويل كامل المبلغ إلى مالية الصندوق القومي وإلا فاستقالتي. حاول ياسر عرفات تسوية الامر، وعرض اقتسام المبلغ مناصفة بين الصندوق القومي الفلسطيني وحركة "فتح"، ولكنني رفضت هذه التسوية حتى وصل أمر الخلاف الى مسامع اعضاء اللجنة التنفيذية في المنظمة. وكانت اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير تضم ممثلين عن كل الفصائل الفلسطينية ومن بينها الفصائل المعارضة لعرفات. وفي أحد اجتماعات اللجنة التنفيذية، سئلت عن موضوع الخلاف ببيني وبين عرفات، فطلبت مهلة لحلّ الموضوع وإلا فأنني ساقوم بعرض موضوع الخلاف على اعضاء "اللجنة".. طال الخلاف بيني وبين ياسر عرفات وبقي كل منا على موقفه. وكتعبير عن استيائي، امتنعت عن حضور الاحتفال المركزي السنوي الذي تقيمه "فتح" في ذكرى انطلاقتها على جري عادتي في كل عام. وفي اليوم التالي، اتصل بي ياسر عرفات وعاتبني على عدم حضور. الاحتفال فأبلغته أن موقفه من موضوع التبرع السعودي يؤرقني ويمنعني من النوم. فضحك وقال لي: "خلص حلّيناها"، وطلب مني الحضور إليه في الليل حيث قام بتسليمي إيصالاً بتحويل كامل المبلغ الى الصندوق القومي. فاستلمت الايصال ولم أشأ ان اسأله عن السبب الذي دفعه الى تغيير رأيه، فما همّني كان النتيجة.
ومن المآخذ التي كانت لي أيضاً على سياسة أبو عمار هي قيامه بدفع أموال لمنظمات لبنانية مسلحة هي شلل ودكاكين اكثر منها أحزاب سياسية. وفي إحدى المرات، أتاني احد رؤساء هذه المنظمات مطالباً بحصته من الأموال. كان منظر الرجل يدلّ على أنه زعيم عصابة أكثر منه رئيس تنظيم سياسي. ولكن، مع ذلك، كان يجب تنفيذ قرار رئيس "منظمة التحرير" بدفع الأموال له. فكان ان دفعت له ثلاثة أشهر سلفاً رغبة مني في عدم رؤيته كل شهر في مكتبي. وعندما علم ابو عمار بالامر عاتبني وقال لي: "كل شهر بشهره يا اخ صلاح، حتى نضل مسيطرين عليه وعلى امثاله".
على الرغم من التباينات العديدة بيني وبين ياسر عرفات حول الكثير من المواقف السياسية والتنظيمية، فإنني لا استطيع إلا أن أسجّل لهذا الرجل تحلّيه بصفات القائد الشجاع في كل الظروف. وقد لمست ذلك بنفسي خلال الحصار الاسرائيلي لبيروت في العام 1982. في تلك الفترة، ومع اقتراب موعد خروج المنظمة من بيروت، بدأنا بتحويل الأموال الفلسطينية التي كانت موجودة في المصارف اللبنانية الى الخارج. وكنت ألتقي وإياه ليلاً في قاعة مسرح البيكاديلي في شارع الحمراء للتوقيع على المعاملات التي كانت تتم على ضوء الشمعة. ومرة، بعدما أنهينا توقيع المعاملات، قرر أبو عمار الذهاب إلى منطقة قريطم لحضور اجتماع كان يعقد في أحد المنازل وطلب مني مرافقته. وكان الوقت قد تخطى منتصف الليل، وكانت الكهرباء مقطوعة في الشارع. فاقترح علي الذهاب سيراً على الأقدام الى مكان الاجتماع، فعارضت الأمر خوفا على حياته، ولكنه اصر وقال لي: "المكان قريب". رضخت لطلبه ومشينا من دون مرافقين. وفي اثناء ذلك، مرت سيارة كانت تضيء مصابيحها فخفت أن يتعرف عليه من في داخلها وتكون العاقبة وخيمة، خاصة انه كان لاسرائيل جواسيس كثر في بيروت في تلك المرحلة. فأزحته الى الخلف، فنظر الي وقال: "لايصيبكم الا ما كتب الله لكم".
وفي إحدى المرات أيضاً، التقينا للتوقيع على المعاملات في منزل في منطقة الصنائع، وكانت الساعة الرابعة فجراً. وبعدما انهينا توقيع المعاملات، طلب مني المغادرة سريعا لأن المكان مستهدف. وبالفعل، غادرت المكان مسرعاً فيما غادر هو بعدي بدقائق قليلة، ولم تكد تمض على مغادرتنا عشر دقائق حتى قامت الطائرات الاسرائيلية بقصف المبنى الذي كنا فيه بقنبلة فراغية ادت الى تدميره تدميرا كاملا.

• ما هي علاقتك الشخصية والانسانية بياسر عرفات؟
على الصعيد الإنساني، كانت لياسر عرفات مواقف انسانية مميزة تدلّ على طيبته وتواضعه. ففي أحد أيام الحصار الإسرائيلي لبيروت، فؤجئت به يطرق باب منزلي ليلاً، وبرفقته نائب قائد قوات الثورة الفلسطينية خليل الوزير (ابو جهاد). صعدا الدرج إلى الطابق السابع بسبب انقطاع الكهرباء، وعندما دخلا، قبّل عرفات يد والدي، وراح يداعب أولادي ويمازحهم ناسياً كل مشاغله وهمومه.
ومرة أيضاً، قبل الحصار الإسرائيلي لبيروت، علمت أن ياسر عرفات متوعك صحياً فذهبت لعيادته وبرفقتي رجل الاعمال الفلسطيني رفعت النمر. وعندما وصلنا الى مقر اقامته في منطقة الطريق الجديدة، منعنا الحرس من الدخول، وقالوا إنه ليس موجوداً، فانصرفنا عائدين من حيث اتينا. وكان رئيس الحرس قد عين حديثا في منصبه، ولم يسبق له أن شاهدنا من قبل. وبعد عدة أيام، فوجئت بياسر عرفات يأتي الى منزلي ويقدم اعتذاراً عن الخطأ الذي حصل. ومن ثم قام بالاتصال بمقر قيادته طالبا ارسال رئيس الحرس الى منزلي ومنزل رفعت النمر ليقوم بالاعتذار عما بدر منه.

هرب من الإسرائيليين.. فاعتقلته مخابرات الجيش

• أخبرنا عن ظروف ملاحقة الاسرائيليين لك في بيروت، واعتقالك من قبل مخابرات الجيش اللبناني؟
بعدما قرّرت منظمة التحرير الفلسطينية الخروج من بيروت، بعث لي ياسر عرفات برسالة يطلب مني فيها أن أستعد للخروج. فرفضت هذا الطلب، وبعثت له بأن خروجي من بيروت يعني أنني اصبحت مستزلماً له، كون مصدر رزقي الوحيد في الخارج سيكون مرتبي الذي سأقبضه من منظمة التحرير.
في 14/9/1982، اغتيل رئيس الجمهورية المنتخب بشير الجميل. وفي اليوم التالي، اجتاحت اسرائيل بيروت الغربية، وبدأت حملة تفتيش عن قيادات "منظمة التحرير الفلسطينية" الذين بقيوا في بيروت. خفت على نفسي من الاعتقال، فلجأت إلى منزلٍ يخصّ أحد الأصدقاء من دون أن أخبر أحداً بمكان وجودي سوى أخي. وعندما جاء الإسرائيليون الى منزلي وسألوا عني، أجابهم أخي بأنني موجود في جونية. ولكنهم لم يصدقوه، واصروا على معرفة مكان وجودي. ظل اخي مصرّاً على اقواله، ومن ثم قام بالاتصال بي واخبرني بأن الاسرائيليين يبحثون عني. تملكني القلق بعد هذه المكالمة وخفت أن يكون تلفون اخي مراقباً. عندما حضر الشخص الذي كان ملكفا باحضار الطعام لي الى الشقة، اخبرته بما حصل. فاقترح علي الانتقال إلى منزل قريب من منزل ذويه في منطقة كورنيش المزرعة، كان الاسرائيلون قد قاموا بتفتيشه، ما يعني أنه قد أصبح مكاناً آمناً لن يعودوا إليه. نزلنا من الشقة التي كنت اختبئ فيها، ومشينا وسط الدبابات والحواجز الاسرائيلية الى المكان المقصود، وبقيت فيه حتى الانسحاب الاسرائيلي.
بعدما خرج الإسرائيليون من بيروت، عدت لممارسة حياتي الطبيعية في التدريس والمحاماة. وفي أحد أيام شهر كانون الثاني 1983، عند الساعة الرابعة فجراً، حضرت إلى منزلي مجموعة من المخابرات اللبنانية، وطلبت مني مرافقتها الى وزارة الدفاع في اليرزة. وقبل أن يأخذوني معهم، طلبت من زوجتي الاتصال بالضابطين إميل لحود وإداور منصور وإعلامهما بأمر اعتقالي. كانا يقطنان في مبنى في منطقة الروشة يملكه شخص من الجنسية الكويتية كنت وكيله القانوني في بيروت، فنشأت علاقة صداقة بيني وبينهم. صارح لحود زوجتي بأنه ربما يكون غير قادر على مساعدتي، وذلك بسبب علاقته السيئة بقيادة الجيش في ذلك الوقت. في اليرزة، كان التحقيق معي يتركز حول أموال الصندوق الوطني الفلسطيني التي كانت لاتزال موجودة في المصارف في بيروت. بالطبع، رفضت اعطاء المحقق أي معلومات عن تلك الاموال، وادعيت امامه بأنه لم يعد هناك أي اموال للمنظمة في المصارف اللبنانية. بقيت في السجن أكثر من 12 ساعة، ومع مغيب الشمس حضر العقيد ادوار منصور وقام باصطحابي بسيارته الى منزلي.
بعد هذه المحطة، عقد مؤتمر لمنظمة التحرير الفلسطينية في الجزائر قدمت على إثره استقالتي من الصندوق الوطني الفلسطيني، بعدما بات متعذراً علي اتمام مهامي من بيروت، وتفرّغت كلياً بعدها للتدريس والمحاماة.

أملاك "فتح" و"المنظمة" في بيروت

• ما هي قصة أملاك منظمة التحرير في بيروت؟
كان ياسر عرفات يرغب دائماً في توظيف أموال الصندوق الوطني الفلسطيني في لبنان، عن طريق شراء العقارات والأراضي وتسجليها باسماء أشخاصٍ لبنانيين، كون القانون اللبناني يمنع تملك أشخاص فلسطينيين في لبنان بحجة الخوف من التوطين.
وكنت أنا من المعارضين لياسر عرفات في هذا الرأي، ولذا لم يتم شراء اي عقار من قبل المنظمة في لبنان طيلة فترة رئاستي للصندوق القومي الفلسطيني، باستثناء شقتين سكنيتين في منطقة طريق الجديدة تم تسجليهما باسم مؤسسة "صامد" وليس باسماء أشخاص. أما حركة "فتح" فكانت لها سياسة مختلفة، إذ اشترت الكثير من العقارات في لبنان، وسجلتها بأسماء أشخاص لبنانيين. وعندما وقع الانشقاق في حركة "فتح" في العام 1984، قام المنشقون الذين كانوا مدعومين من سوريا بالطلب من كل الاشخاص اللبنانين الذين كانت توجد بأسمائهم عقارات بالتنازل عن هذه العقارات لصالح أشخاص آخرين موالين لتنظيم حركة "فتح الانتفاضة" الخارج عن قيادة ياسر عرفات. لبّى البعض هذا الطلب، وكان الاعتقال والسجن مصير من رفض، وذلك بتسهيلٍ من المخابرات السورية في لبنان. وكان من بين المعتقلين شخصٌ لبنانيّ سجّلت المنظمة باسمه مبنى في بيروت قبل أن أتولى رئاسة الصندوق الوطني الفلسطيني. رفض الشخص المذكور التنازل عن العقار المسجل باسمه ما لم أطلب أنا منه ذلك. وبالفعل، زارني في مكتبي مسؤول حركة "فتح الانتفاضة" أبو موسى، وطلب مني الايعاز للشخص المذكور بالتنازل عن ملكية المبنى لصالح تنظيم "فتح الانتفاضة". بالطبع، رفضت طلبه وأبلغته بأن المبنى يخص "منظمة التحرير الفلسطينية" بكامل فصائلها، وليس حركة "فتح" وحدها. وبالتالي، ليس من حق تنظيمهم الاستيلاء عليه. وكان أيضاً من نتائج الخلاف بين جناحي حركة "فتح" نشوء دعاوى قانونية بين الطرفين، وقد حاول كلّ طرف توكيلي كمحامٍ ضد الطرف الآخر، إلا انتي رفضت التوكل ضد أي منهما، وقلت لهم: "عيب تنشروا غسليكم الوسخ على صنوبر القضاء".