| 

مع بزوغِ فجرِ يومٍ جديد، ينهض الشاب عماد أبو يوسف ليبدأ رحلة البحث عن قوت يومه. يقصد الحدود الشرقية لقرية عبسان الكبيرة، الواقعة شرق محافظة خان يونس، في جنوب القطاع، مستقلاً دراجته الهوائية التي يحمل عليها أدوات صيده البسيطة، متحلياً ببعض الصبر الممزوج بالأمل في اصطياد واحد أو أكثر من العصافير الجميلة التي تنتشر في المروج الخضراء للمناطق الشرقية لقطاع غزة. وبالطبع، لا تخلو هذه الرحلة من المنغّصات الإسرائيليّة، ففي لحظة واحدة، قد يتحوّل عماد من صيّاد للطيور إلى فريسة سهلة المنال لجنود الاحتلال المتمركزين في الأبراج العسكرية المنتشرة على تخوم غزة.
"السفير" رافقت مجموعة من هواة صيد العصافير في رحلةٍ تعتبر خطرة هنا، لنقف برفقتهم على بينة من الأحداث، الظروف، والأجواء التي ترافق هذه الرحلات.

المدّ العمراني، والأمن

انطلقنا الساعة الخامسة فجراً تماماً، على صهوة "تكتك" صغير قادنا فيه أحد الشباب إلى ساحة الصيد. فهنا، لا مجال لأن تستقل سيّارة، إذ تعجّ المنطقة بركام المنازل التي دمّرها الاحتلال خلال الحرب الأخيرة على غزّة.
استغرقت الرحلة حوالي ثلاثين دقيقة، وما إن وصلنا، لم تزغ أعيننا للحظة واحدة عن آليّات الاحتلال العسكرية التي تراقب المكان عن كثب. ومع بزوغ أشعة الشمس، راح الصيّاد عماد ينصب شباكه بأسلوبٍ خاص، ولسانه لا يتوقف عن دعوة الله إلى ردّ خطر الجنود الإسرائيليين عنا، فلا يطلقوا النار علينا.. خاصةً أن تواجد الكاميرات الصحافية غير مستحبّ هنا، باعتبارها منطقة أمنية بامتياز.
في الآونة الأخيرة، امتهن عشرات الشباب في قطاع غزة صيد عصافير الزينة النادرة التي تتواجد غالباً بالقرب من الحدود الشرقية والشمالية للقطاع. وعلى الرغم من المخاطر الجمّة التي تحدق بهم، تراهم مضطرين لممارسة هذا العمل الذي يمثّل بالنسبة إليهم مهنة يجنون منها فتاتاً من القوت، في ظل ندرة فرص العمل في غزة. وفي الوقت ذاته، هم يطلقون العنان لشباكهم التي تعيدهم إلى هوايةٍ لطالما ارتبطت بهم منذ الصغر.
بينما بدأ عماد نصب الشباك على مسافة تتراوح ما بين 100-150 متراً من الحدود، وتجهيز "فخ" محكم للعصافير التي كانت تحطّ على السلك الفاصل ما بين القطاع والأراضي المحتلة، بدأنا بالتقاط بعض الصور خلسة، وكانت أعيننا تراقب عمل عماد تارة، وجيبات الاحتلال تارة أخرى. يستقر الحال على ذلك، فيروح عماد يروي لنا أن "اصطياد العصافير بالنسبة إلي هو هواية أحبها وأمارسها منذ الصغر، حيث كنت أرافق والدي أثناء خروجه لصيد العصافير في الأراضي الزراعية القريبة من منزلنا في هذه القرية الريفيّة، وتعتبر هذه المهنة مصدر رزقنا الوحيد، على الرغم من تذبذب الصيد من موسم لآخر".
يوضح أن العصافير، بعد الزحف العمراني في القرى الشرقية في القطاع، لم تعد تجد لها مكاناً مفضلاً تحطّ فيه، ما دفع الصيّادين للتوجه نحو الحدود الشرقية لاصطياد الطيور هناك، خاصة أنها مناطق خالية من المنازل وتتوفر فيها البيئة الملائمة للطيور المهاجرة إلى القطاع في فصل الشتاء.

عصفور جاسوس

يشرح أبو يوسف طريقة صيد العصافير، على النحو التالي: "نقوم بنصب شبكة مخصصة لاصطياد العصافير، تميل للون الأبيض أو الأخضر، ونضع مقابلها حبوباً وماء، ونوصل بها حبلاً محكماً بطريقة معينة لجذب الشبكة وقلبها على العصفور المراد صيده عندما يحطّ على الأرض ليأكل. كذلك، نضع بجانب الشبكة عصفوراً يعلو عصى خشبية، ويسمى هذا العصفور (حرّيك)، يكون مدرّباً على التغريد والحركة بشكل متواصل كي يجلب العصافير الأخرى لمكان الاصطياد". يكمل: "حين ترى العصافير هذا العصفور (الحرّيك) يرفرف فوق العصا الخشبيّة ويُغرّد، تستجيب لندائه فوراً، وتحط بالقرب منه عندما ترى الحبوب والماء، فهي منهكة من السفر، وتحتاج لالتقاط أنفاسها والراحة والغذاء، وهنا تقع في الشباك".
لضمان جذب انتباه العصافير التي تنتشر في المنطقة إلى شبكة عماد، تراه يعمل بطريقة ذكيّة على وضع عدّة عصافير أخرى في أقفاص بالقرب من الشبكة. فمثلاً، يضع طائر حسّون يغرّد بشكل جميل في قفص كي يجذب أبناء جنسه إلى الشبكة، وهكذا يفعل مع بقيّة أنواع العصافير التي لا تهتدي إلى الشباك بسهولة.

"الجردي" و"البلدي"

لطالما تردّد عمّاد في مواصلة نصب شباكه بالقرب من الحدود لاصطياد العصافير والمتاجرة فيها بغرض الإنفاق على أسرته، خاصة بعد عمليّات إطلاق النار المتكررة صوبه من جنود الاحتلال. لكن ضيق العيش، وحالة الفقر التي تُعاني منها أسرته، تدفعه إلى الاستمرار في هذا العمل المحفوف بالمخاطر.
ويعتمد صيّادو العصافير في غزّة على موسمين رئيسيين للاصطياد، الأول يحلّ بقدوم فصل الشتاء، وهو موسم هجرة العصافير من المناطق الباردة إلى الأقل بروداً، ومنها فلسطين. يطلق على هذا الموسم اسم "الجردي"، وتنتشر فيه عصافير "الحسون، التفيحي، البسبوس، النعار"، وجميعها رخيصة الثمن باستثناء الحسون.
أما الموسم الثاني فلا ينتظر فيه الصيّادون هجرة الطيور إلى فلسطين، بل يتم اصطياد العصافير التي هاجرت مُسبقاً وتكاثرت خلال فصلي الربيع والصيف، وأبرزها طائرا "الحسون" و"الخُضّر". يُطلق صيّادو غزّة على هذا الموسم اسم "البلدي"، كناية عن مكان تكاثر تلك العصافير، أي بلدها الأصلي فلسطين.
الفارق في الصيد بين الموسمين كبير جداً. ففي "الجردي"، يكون الصيد وفيراً جداً، إذ تهاجر العصافير إلى فلسطين بالآلاف، وعلى شكل "رفوف"، بلغة الصيّادين، بينما في "البلدي" يكون الصيد شحيحاً، ومقتصراً على الطيور التي نجحت في التزاوج والتكاثر بعد هجرتها إلى فلسطين.
لا ترتبط هذه المهنة بعمر معيّن، حيث يمارسها الكبار والصغار، ويتخذها بعضهم للتجارة والكسب، وبعضهم هواية.
وتعتبر عصافير الخضر والتفيحي أكثر الأنواع التي يتم صيدها في الوقت الراهن، إلا أن أسعارها زهيدة جداً، حيث يبلغ سعر الواحد منها 2 شيكل (حوالي نصف دولار). أما صيد الحسون فيعتبر مُراد جميع الصيادين، لكنه نادر الاصطياد، وأحياناً يصطاد عماد طائراً أو اثنين منه طوال الأسبوع. يتراوح سعره ما بين 200-300 شيكل (50- 75 دولاراً)، وأحياناً يرتفع السعر أكثر تبعاً لجمال لونه وعذوبة صوته.

على عجالةٍ، قمنا

في أثناء حديثنا مع عماد، بدأ جنود الاحتلال الإسرائيلي المُتمركزين في الأبراج العسكريّة المنتشرة على السياج الفاصل بإطلاق النار بشكلٍ تحذيري، إيذاناً بضرورة مُغادرة المكان فوراً. على عجالة، غادرنا المكان خشية أن يصاب أحدنا بالرصاص.
انطلقنا مع عماد إلى سوق العصافير، بغرض بيع حصاد يومه وقد بلغ عدد الصعافير التي اصطادها ثمانيّة: سبعة من نوع خضّر، وعصفور حسّون اعتبره الشاب جوهرة صيده. بعد ما تكبده من مشقة وعناء في هذا اليوم، باعه بسعر 300 شيكل (حوالي 75 دولاراً)، والخضر بلغ سعر الواحد منه 2 شيكل (نصف دولار).
وعلى الرغم من إصابة صديق عماد، الشاب محمد، بطلقٍ ناريّ رماه به جنود الاحتلال في قدمه خلال رحلة صيدٍ سابقة، إلا أنه يُصر على الاستمرار في هذا العمل برغم الخطورة. فقد أصيب تسعة شبان على الحدود الشرقية لقطاع غزة خلال ممارستهم هواية صيد العصافير خلال العام 2014، بحسب تقارير حقوقية. يعرف عماد ذلك، ويقول لـ "السفير": "هذه المهنة هي مصيدة موت من أجل الرزق في ظل الظروف القاسية التي نمرّ بها، لكن لا يوجد عمل أخر نوفر فيه لقمة عيش لنا".