| 

أذكر جيدًا متى سألت بصوت عالٍ: "لماذا تحضروننا إلى هذا العالم؟". ولربما يسأل المرء نفسه مثل هذا السؤال، البسيط والمعقّد في آن، بجديةٍ مطلقة، حين يصطدم بوجعٍ ما، غالبًا ما يكون شخصياً، رغم كثافة أسئلتنا اليومية والمرتبطة بالهمّ العام والجمعي حول السبب من وراء إنجاب الأطفال إلى هذا العالم. فهو عالمٌ يخطو كلّ يوم خطوة نحو الخراب، نتاج الاستعمار والأنظمة القمعية وآلياتها العسكرية والاقتصادية، والحروب، والقتل، والعنف، والموت، والفقر، والأمراض، وكلّ شيء يُوجّه بوصلته نحو قتل الإنسان، روحًا وجسدًا.

لربما يرتبط السؤال المطروح أيضًا، والذي يرتكز عليه تقريرنا هذا، بشعورٍ باطني بأنه "لا أمل من هذا العالم ولا حتى من البشر"، وأنّ الواقع الذي نعيشه اليوم هو أبدي. وهو شعورٌ شرعي في حال نظرنا إلى التاريخ قليلاً، ولنقل التاريخ القريب إلينا، منذ احتلال فلسطين في العام 1948 حتى يومنا هذا، وما تلى احتلالها من مجازر بحق الإنسان، في فلسطين وخارجها، ومن شتات الإنسان الفلسطيني خاصة والإنسان عامة في بقاع هذه الأرض.
من خلال هذا التقرير، نسلط الضوء عبر سؤال "لماذا نحضر أطفالًا إلى هذا العالم؟"، على الجوانب الشخصية والفلسفية والوجودية والفكرية والسياسية عمومًا، وخاصة في السياق الفلسطيني، وذلك من خلال حوارات أجريناها مع أمهات وآباء فلسطينيين في الوطن والشتات، عن الأسئلة ما قبل القرار، لو كان قرارًا، وعن ارتباط الإنجاب بالمكان والتاريخ.. عن القلق المرافق لمسار التربية، وعن الأمل.

"نشعر بمسؤولية أخلاقية"

في رام الله، التقيت بدايةً مع د. علاء العزّة، أستاذ الأنثروبولوجيا الثقافية والاجتماعية في جامعة بيرزيت، ووالد "نالة". وفي إجابةٍ عن السؤال، حدّثنا علاء بدايةً عن المستوى الأول، وهو الجانب العاطفي والتجربة الشخصية التي تحرّك الرغبة نحو الإنجاب. ثم يكمل: "برغم ذلك، حين نتابع ونرى الأحداث بالعالم ومستوى الدم والموت في العالم العربي، وحين أرى خطورة كوني أحضرت طفلة إلى العالم، في لحظة من اللحظات أفكر: شو اللي عملته أنا؟! نشعر بمسؤولية أخلاقية عن إحضار طفل إلى عالمٍ مليء بالموت والأزمات والعنف، بمعناه الدموي المباشر، بالإضافة إلى كلّ العنف البنيوي الموجود في الحالة الإنسانية عمومًا". يتابع علاء: "بالتالي، على المستوى الشخصي، يبدأ الفرد بالتساؤل عن جديّة ما فعل. وفي الوقت ذاته، أفكر وأحاول قدر المستطاع توفير حياة أفضل وأكثر كرامة لها من تلك التي عشتها".
قبل أن نتحدث عن الحالة الفلسطينية، تطرّق د. علاء العزّة إلى منظومة الدولة والحديثة التي تنشأ على فكرة السلطة على الأجساد وتطويعها، وإعادة نمذجتها وتحقيق الغاية القصوى من السلطة السياسية عليها. وهو نوع السلطة الذي يتحدّث عنه ميشيل فوكو، ويحوي ضمناً نوعاً من أنواع المقاومة. وفي الحالة الفلسطينية، يقول علاء: "يبدو أنّه خطابيًا أصبح لدينا منظومة نقيضة للخطاب الاستعماري الذي يقوم على فكرة التهديد الديموغرافي. لدينا منظومة بديلة، حيث إن فعل الانجاب نفسه، ضمن البلاغة السياسية وليس في الواقع، وفي الحديث عن الجماعة الوطنية، يعتبر شكلاً من أشكال المقاومة لمشروع يقوم على الإقصاء الكامل للأجساد. وهي منظومة الاستعمار الاستيطاني التي ترتكز على فكرة التخلص من أجساد المستعمرين وليس تحويلهم فقط إلى صامتين وإخضاعهم، وهذا كله كأنه بمحاولة للرد على خطاب التهديد الديموغرافي".
وفي حديثنا عن السياق الاقتصادي والاجتماعي لقرار الانجاب، قال د. علاء: "هنالك تغييرات طرأت على المجتمع الفلسطيني، في 48 و67 بعد أوسلو. وخلال المحاولة لإنتاج الانسان الاقتصادي، نرى أن الإنجاب أصبح مربوطًا بقرار، والقرار يحتاج إلى حسابات اقتصادية بعيدة عن البساطة الفلاحية التي تنص على "اللي بيجي، بيجيب رزقه معه". حجم العائلة يصغر، وهنالك قرارات تأتي ضمن المنظومة الاقتصادية الاجتماعية الأساسية، التي تؤثر على الأجيال وتُحدث تغييرات، وكل الإمكانيات المادية تصبح جزءًا من اتخاذ القرار على عملية الإنجاب".
يرى د. علاء العزّة أن القلق تجاه الطفل منوط بفكرة أنه خلال محاولات توفير حياة أفضل له، هنالك خوف من أن يتحول إلى مستهلك. إلى هذا الخوف، يضاف "الخوف من أن تخسر طفلك بسبب الواقع السياسي، بمعنى أن احتمال خسارة الإنسان بسبب كونه سياسيًا هو وارد، واحتمال أن تخسره ولو لم يكن سياسيًا واردا أيضًا. نعيش بتناقض، من جهة نريد ذوات سياسية لها مواقف، وفي الوقت ذاته لا نريد خسارتها كبشر لا تملك ذوات سياسية".

"الحرب هي إيقاع حياتنا الدائم"

وُلد محمد مجدلاوي (محاضر جامعي من غزّة، ولاجئ من قرية سمسم)، على طريق بيروت - دمشق، إبّان الحرب الإسرائيليّة على لبنان. خرج أبوه من غزّة في العام 1964، وانخرط بالثورة الفلسطينية، بينما كانت أمه تدرس في بيروت السبعينيات. بعد ولادته، ذهبت عائلته من بيروت إلى الجزائر من ثم عادت إلى سوريا، وكانت قد مرّت حياة لجوئهم بكلّ من لبنان، الأردن، قبرص، بلغاريا، وليبيا.
حين وصل إلى غزّة، بعد العام 1996، كان في الخامسة عشرة من عمره. منذ تلك الفترة، تراه يتنقل بين غزّة وخارجها. ساندرا، رفيقة دربه، من غزّة أيضاً، وكانت قد وصلت قبل أيام من إجراء هذه المقابلة إلى القطاع وافدةً من الضفة الغربية مع ابنهما الذي يبلغ من العمر 50 يومًا، وكان هذا اللقاء الأول ما بين الأب وابنه ورد.
أنجبت ساندرا ورد في الضفّة الغربية، وذلك بعدما كان الزوجان في عمّان، وكان من المفترض أن يعودا سويةً إلى غزّة. لكن السلطات المصرية أغلقت معبر رفح. فطلب محمد من زوجته أن تذهب إلى الضفّة، وهو بدوره سيذهب إلى مصر، إلى أن يتمكّن من الدخول إلى غزّة. وكانت قد أنجبت زوجته ابنهما أثناء وجودها في الضفة، ومنذ 40 يومًا يحاولان الحصول على تصريح يمكّن الأم وابنها من الدخول إلى غزّة، إلى أن حصلا عليه والتقى ورد بوالده للمرة الأولى قبل أيام، حيث كان السياج الحدودي بين الأراضي المحتلّة في العام 1948 وقطاع غزّة هو حاضن اللقاء الأول.
لسؤال "لماذا نحضر أطفالاً إلى العالم؟"، قال مجدلاوي ان لا إجابة محددّة لديه. يرى أن سيرورة الحياة هي أن "كل مرحلة تأخذك إلى تلك التي تليها"؛ الزواج ومن ثم الإنجاب. ويضيف: "منذ أن يتكوّن الجنين داخل الرحم، يصبح طرفًا رئيسيًا بكتابة سيناريو الحياة، وتعرف أنه سيحملك إلى ميدان اشتباك جديد مع الحياة، غير فردي. وفي الوقت نفسه، ستنقل له الأسئلة ذاتها: من نحن؟ من أين؟ وإلى أين أنتمي؟". هذه الأسئلة ترافق مجدلاوي في كلّ الوقت، وخاصة أمام كلّ مشروع تقدّمه له الحياة، بحسب تعبيره، وخاصة لكونه لاجئًا، فيشرح: "اللاجئ يرسم صورة ذهنية لفلسطين، ينتمي إليها حتى لو لم يرها، فنحن نسافر الكرة الأرضية كلّها كي نصل فلسطين".
وصل ورد (طفل محمد وساندرا) قبل 48 ساعة من إجراء حوارنا هذا إلى غزّة التي تصل الكهرباء فيها حوالي 4 ساعات خلال كلّ 24 ساعة، وفي ظلّ أزمة الغاز، وفي فترة الشتاء والمنخفض الجوّي الذي لم تشهده غزّة منذ سنوات. ما اضطر مجدلاوي على الخروج مع أقربائه بحثًا عن غاز لتدفئة البيت. يقول: "هذه هي المشاكل اليومية التي تحتلّ الذهن، نحن في حالة اشتباكٍ مع قضايا أساسية كالكهرباء والغاز، وهذا ما يدفع بالإنسان، للأسف، إلى ألا يرغب بتربية ابنه ضمن هذه الظروف، ويبدأ بتهميد الطريق لشتاتٍ جديد بحثًا عن أمان لابنه".
يتابع مجدلاوي: "الفلسطيني بعد الثورات العربية، اكتشف انه كائن فيزيائي، لا تستقبله المطارات ولا يستطيع المرور عبر الحدود، وأصبح يفكر بإصدار أوراق تضمن وجوده على الكرة الأرضية. هذا أكبر هاجس لدى الآباء الشباب، هنالك شعور بأنهم يريدون أن يُجنبوا أبناءهم الظروف التي مرّوا بها هم".
عاش محمد المجدلاوي الحرب الأخيرة على غزّة، ومرّت عليه بصعوبة أكثر من "المعتاد"، وذلك بسبب تفكيره بالسؤال: "ماذا كان سيحصل لو تأخرت الحرب بعض الشهور مثلاً؟". عندها، كان ورد ليكون قد وصل الحياة، "كنت سأصاب بشيء يشبه الهستيريا وأنا أفكر بذلك"، يقول. ويضيف: "اليوم، سؤال البقاء والحياة هو المطروح، لم يعطونا فرصة التفكير بشيء ثانٍ. سواءً أنا أو غيري، كلّ الوقت نعيش هاجس الحفاظ على بقاء وحياة أطفالنا. لهذا يعيش الفلسطيني حالة استثنائية، لو نظرنا على السياق التاريخي بمعناه الشخصي، فالحرب هي السياق اليومي الذي يمشي بالتوازي مع حياتنا؛ الحرب ليست فترة خلال الحياة وتنتهي، إنها إيقاع الحياة الدائم، الثابت والوحيد في حياتنا، وأيّ شيء آخر هو المتغيّر، حتى الأرض تتغيّر".

"أحبّ أنّ أحلم بأنهما سيعودان"

تعيش هانية عسود، مديرة "نسيج – موارد للتنمية الشبابية المجتمعية في الوطن العربي"، مع عائلتها في عمّان منذ عشر سنوات، وكانت قد أنجبت ابنها غسّان وابنتها سلمى في رام الله، قبل أن تنتقل العائلة إلى عمّان. على مستوى شخصي، لم يكن لدى هانية حلم إنجاب أطفال، بالعكس، كان لديها إحساس دائم بأنه لا يمكن إحضار أطفال إلى حياة صعبة وبشعة، وأنها لا تريد إيلامهم أو إيلام نفسها معهم. ولكنها ترى أن وجود شريك غير تقليدي بنظرته للحياة والارتباط وتربية الأطفال، ساهم بالتشجيع نحو اتخاذ هذا القرار مع زوجها.
تشرح: "على المستوى الشخصي كامرأة، كان لدي شعورٌ بأن أكثر المراحل إحساسًا بالاكتمال تكون بالترابط الروحاني مع الطبيعة الأم والمحيط والأرض وفكرة الخصوبة، خلال خلال فترة الحمل"، وتابعت هانية: "بالمقابل، إحضار الأطفال إلى العالم هو أمر صعب جدًا، وصعوبته تزداد تصاعديا كلما كبر الأطفال.. حين تراهم يكبرون ويعيشون الحياة ويواجهونها، وهم يسألوننا أيضًا: ليش أخدتوا قرار تجيبونا على الحياة؟ إجابتنا هي بأنه غالبًا القرار أناني، يخصنا نحن، لأننا نحن من قرر خوض التجربة، التي هي علميًا يُطلق عليها اسم "الحاجة للاستمرارية". بالنهاية، قرار الإنجاب هو شخصي للوالدين، وحين يأتي الأطفال، تصبح حياتنا بمثابة مساحة لفعل كلّ شيء جيد كي يكون لديهم حياة حقيقية".
في حديثنا عن المستوى الفلسطيني، تطرقت هانية إلى إحدى القضايا التي تمت مناقشتها في العائلة، وهي مسألة حصول ابنها وابنتها على بطاقات هوية فلسطينية، خاصة أنهما يحملان جنسيات أميركية. تناقشا حول إيجابيات وسليبات هذه الخطوة، خاصة أنهما إذا حملا الهويات الفلسطينية، فلن يتمكنا من زيارة كلّ فلسطين، بالمقارنة مع بقائهما على الجنسية الأميركية فقط، التي تتيح لهما أن يتحركا براحة أكثر. عن ذلك، تقول هانية: "كان القرار بأن يحملا الهوية الفلسطينية، وبأن يكونا جزءًا من التسجيل الفلسطيني، بما في ذلك من أهمية بالنسبة إلينا".
القلق الذي تعيشه هانية عسود كأم، يرتبط بالوضع الفلسطيني الحالي. والسؤال الدائم يدور حول رغبتها بأن يعيش ولداها في فلسطين، والخوف من أن تتغيّر مشاعرهما تجاه فلسطين إذا عاشا بها. أي، احتمال كراهية الوضع نتاج الحالة السياسية عمومًا مقارنة بشعور بالكرامة والفخر التي عاشتها هانية خلال فترة الزخم السياسي والحزبي والنضالي في فترة ما. تقول: "احتكاك ابني وابنتي المباشر مع الاحتلال يكون عندما نعبر الجسر ما بين الأردن وفلسطين. وعند كل عبور للحدود، يكونان أوعى وأنضج، يشعران بالفخر والكرامة، إلا أن فكرة الحياة داخل الأراضي الفلسطينية، وبذلك التعاطي مع الشرطة والسلطة والوزارات والأوراق والفساد، تشعرني دائمًا بالخوف من أن يكرها البلد يومًا ما نتاج هذا التعاطي".
عن قلقها الإضافي، تقول هانية: "عندي قلق على الحُلم الفلسطيني، هذا الحُلم الذي يتبخر من قلوب الكثير من الفلسطينيين، الذين تتحول قلوبهم مع الوقت إلى القسوة على فلسطين والقضية وأنفسهم. طوال الوقت لدي قلق على هذا الحُلم، أن يختفي من داخل ابني وابنتي، حتى لو تفكيري هذا يبدو مثاليًا. أحبّ أنّ أحلم بأنهما بمرحلة ما سيعودان إلى فلسطين ويعيشان هناك.. كأن على مدار 67 عامًا، هنالك تفاصيل تطورت داخل الجينات الفلسطينية، وساهمت بتعزيز الشعور بالانتماء إلى فلسطين، بغض النظر لو كنت تعيش فيها أو بعيدًا عنها".

"أبنائي أهم من فلسطين"

في عكّا، ذهبت لزيارة بيت عبير بكر وعلاء حليحل. وصلت في وقت نوم طفليهما، شذا ومحمود. عند بداية حديثنا، قال علاء إنه يرى أن الأطفال هم أمر غريب، وأن الإنسان يستطيع أن يعيش حياته بلا أطفال وأن يكون سعيدًا، "ولكن لحظة وصول الطفل، مستحيل أن تكون حياته سعيدة من غيره". يصفهما بالسعادة المحتملة التي من الممكن أن يحققها الإنسان، "وممكن ألا يحققها". ويضيف: "مشروع الإنجاب هو أكثر قرار عقلاني اتخذته في حياتي. أنا وعبير عشنا 5 سنوات بلا أطفال، وأنا لم أرغب بإنجاب أطفال أبدًا. الرغبة بعدم إنجاب أطفال نابعة من منطلق الحاجة للاستقلالية، وهي أنانية شرعية بأن يطور الإنسان حياته من دون أن يقضي كل وقت فراغه مع الأطفال. أن يقرأ ويكتب متى ما يريد". يعتبر حليحل أن المشروع الأناني ينتهي مع ولادة الطفل، ويبدأ مشروع التضحية. ويعتبر أن الوالديّة هي فوق العقلانية والقدرة على محاربتها.
هنالك مقولة يرددها الكتّاب والشعراء مفادها أن "كلّ كتاب جديد هو بمثابة طفل"، عن هذه المقولة يعلّق حليحل: "هذا كلام فارغ"، ويضيف: "محمود ابني يساوي 3000 رواية على الأقل، لا شيء يقترب من ولادة ابن أو ابنة، لا رواية ولا مسرحية. أنا مستعد لأن أقطع يديّ الاثنتين وأتوقف عن الكتابة، مقابل أن أجلس مع أطفالي. وهذا كلام يقوله إنسان لم يرغب بأطفال من قبل".
عبير بكر، هي محامية ورفيقة درب علاء حليحل وأم للطفلين. بدأت بالحديث عن الإحساس الأول الذي انتابها فور معرفتها بالحمل الأول: "حسيت بإحساس داخلي، كأنه من الحبّ قلبي صار يوجعني"، وتضيف: "مع الحمل، يبدأ رابط عاطفي قوي. ومع الولادة، اكتشفت قدرتي الهائلة على الحبّ، التي لم أعرفها من قبل". وتابعت عبير: "قبل الحمل، وكلما اصطدمنا بخطاب العنصرية، كان رد فعلي الأول: بدي أحبل!". ولكن هذا الشعور تلاشى فورًا مع وصول الطفل الأول. بموازاة السؤال الأول، يحضر سؤال: ليش بدي أخلف؟ ولأي مجتمع بدي أجيبهن؟ خاصة أن العالم عنصري عمومًا وعنيف، خاصة تجاه المرأة، كاحتمالات الاعتداءات الجنسية عليها.. هذا القلق نابع من المجتمع اليوم ومن عملي كمحامية ومن القصص التي أسمعها".
عن مخاوفها، تقول عبير: "أخاف أن يكون أولادي عنصريين، المجتمع يُوّلد عنصرية. وفي المقابل، لا أريدهم أن يعتقدوا أن بيتنا هو المجتمع فقط. أريدهم أن يعيشوا مثلما عشت ويكتشفوا العالم، وبنفس الوقت أنا خائفة من هذا العالم".
يرى علاء أن وظيفته كأب، هو الذي يعرّف نفسه كـ "أب، أديب، وفلسطيني"، هو بإعطاء وتوفير ثلاثة أمور لابنته وابنه، وهي: حبّ إنساني، أيّ أن يسمع الأطفال يوميًا جملة "أنا بحبك"، الأمر الثاني هو الأمان، أي أن يعود الطفل إلى بيتٍ لا عنف فيه ولا إهانات، بيت يعطي احتراماً للإنسان، والأمر الثالث هو الثقة بالنفس. أما عن مخاوفه، فيقول: "العالم صعب ويتحول إلى أصعب والمغريات عديدة، خاصة في عصر التكنولوجيا وارتباط الإنسان بالأجهزة كل الوقت. هذا الإنسان، كيف سيستطيع التركيز على قراءة كتاب يضمّ 200 صفحة؟ المخاوف ليست من الجريمة والعنف الذي يزداد فقط، إنما أيضًا على المبنى الإنساني للإنسان، والذي عليه أن ينتج معلومة تعود بالفائدة على المجتمع".
عن تحديات تربية الأطفال، تقول عبير بكر: "التحدي الكبير مع ابنتي هو أن أخلق منها إنسانة متواصلة مع إنسانيتها، صادقة وواقعية. هذه الأخلاقيات الأساسية والمفقودة اليوم، خاصة في ظلّ التراجع بالمسؤولية وغياب الجدية، وسوف تصبّ هذه الأخلاقيات بمسار حياتها الذي ستختاره".
يرى علاء حليحل أن الإجابة عن سؤال "لماذا ننجب أطفالاً إلى العالم؟" لدى غالبية الناس هي لأنهم يشعرون بفراغ، وأن أغلب الناس غير مشغولة بالهمّ الوطني أو الثقافي، ويتساءل: "من اليوم مشغول بالمسرح الفلسطيني؟ أو بقضايا الأسرى غير ذويهم؟".
في العلاقة ما بين الإنجاب والمكان، فلسطين، لا يرى علاء حليحل أن هنالك أي عامل وطني في عملية الإنجاب. ويضيف: "أقولها بوضوح وصراحة: شذا ومحمود، أبنائي، أهم من فلسطين كلّها"، ويتابع: "لو خطفوا شذا أو محمود وطلبوا مني أن أبوح بسّر ما، سأقوله بلا تأتأة لأحافظ عليهما".
في حديثنا عن الجانب الاقتصادي والاجتماعي وكذلك الخطاب السياسي، يرى علاء أن الوضع الآني يجعل التقليل من إنجاب الأطفال جزءًا من الحلّ. ويضيف: "أستطيع أن أربي طفلين أكثر مما يمكنني أن أربي 4 أو 5 أطفال. أضف إلى ذلك أن شعار "الأرحام سلاح"، ومقولة "أطفال فلسطين مشاريع شهادة"، هما نتاج أفكارٍ فاشية. ممنوع ولو للحظة أن نفكر بأن أبناءنا هم مشاريع شهادة. لا خيّا! ولا أخوك يموت ولا ابني يموت. يجب أن يتجسد همّنا بالمقولة: نحن نحبّ الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا".
وختامًا لحديثنا، وفي تعليق على وحشية العالم الذاهبة بالتوسع، قال علاء حليحل: "لهذا، وظيفتنا تصبح أهم، وظيفتنا في الحفاظ على هذه الجزيرة الطيّبة كي تكبر.. كلما أصبح العالم أصعب يجب أن نحضر إليه ناسًا أفضل".