| 

"على مدى 4 أيام متتالية، سعى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لأن يأتي مع زوجته ساره إلى منزلي لتقديم العزاء باستشهاد ولدي محمد، وقد رفضت... كانوا يتوسلون إليّ لاستقبله، ولكن كيف يمكنني أن أتقبل العزاء ممن قتلوا ابني؟"، تساءل حسين أبو خضير مستذكراً ما قال إنها واحدة من أصعب أيام حياته.

في بيت أبو خضير، اليوم

مع مرور خمسة أشهر على حادثة اختطاف ثلاثة مستوطنين إسرائيليين للفتى محمد أبو خضير من أمام منزله في بلدة شعفاط، شمال القدس الشرقية، وقتله حيّاً بسكب البنزين على جسده، ما زالت التفاصيل ماثلة في ذهن والده وكأنها وقعت الآن. يقول حسين، في المنزل الذي انطلقت من أمامه ما باتت تعرف بهبّة القدس في الثاني من تموز/ يوليو الماضي، "خرج قبيل موعد صلاة فجر اليوم الرابع من رمضان إلى الجامع الملاصق لمنزلنا. جلس على السور المحيط بالمنزل كعادته. وصلت سيارة للمستوطنين، توقفت عند الإشارة الضوئية المقابلة للمنزل. وعندما رأوه وحيداً، عادوا إليه ونزل منها اثنين".
يعمل حسين ككهربائي، وله محل لبيع الأدوات الكهربائية في المكان ذاته الذي اختطف منه ولده. وربما يكون ذلك من سوء حظه، لأن موقع عمله بات يذكره دوماً بما حدث مع "أحب أبنائي إلى قلبي". ولكنه، في الوقت ذاته، هذا الموقع ربما يكون الخطوة الأولى على الطريق لما يأمل أن تكون إدانة للمستوطنين الثلاثة على اقترافهم هذه الجريمة التي اعتبرتها الحكومة الإسرائيلية "عملاً إرهابياً". إذ استعان حسين بشريط تفاصيل حادثة اختطاف ابنه الذي التقطته كاميرا مراقبة ماثلة على باب محله، لإثبات أن ابنه اختطف من قبل مستوطنين، ولرؤية الدقائق الأخيرة من حياة ابنه أيضاً.
"خرج اثنان منهم من السيارة وسألاه عن الطريق إلى تل أبيب، مثلما اعترفوا في التحقيق. وعندما أيقنوا أنه صغير الجسد وتمكن السيطرة عليه، هاجماه. عندها، بدأ بالصراخ ولكنهم أدخلوه إلى السيارة"، يستعيد حسين الجريمة وقد اغرورقت عيناه بالدموع.
يكمل: "شاهدهم ثلاثة شباب تواجدوا في المنطقة. طاردوهم حتى مدخل شعفاط، ولكنهم لم يتمكنوا من اللحاق بهم. اتصل الشباب بالشرطة وجاؤوا إلينا لإبلاغنا، فاتصلت مباشرةً بالشرطة الإسرائيلية، وأبلغتهم بأن ابني قد اختطف. ولكن الشرطة، التي أعطيتها رقم الهاتف النقال الخاص بابني وكان بإمكانها خلال دقيقة معرفة مكانه، ماطلت في التحرك".
يعتقد حسين أنه "لولا هذا التصوير، لكانت الجريمة قد سجّلت ضد مجهول. ربنا كريم، كانت هناك ثلاث كاميرات في المكان صورت عملية الخطف من عدّة جهات. وبدون نقاش، كان التصوير يدين الإسرائيليين". لمّا جاء أفراد من الشرطة الإسرائيلية إلى منزله، أطلعهم حسين على التصوير الذي التقطته الكاميرات، وهو يظهر صوراً واضحة للخاطفين وأرقام لوحة السيارة التي كانوا يستقلونها ونوعها ولونها.
الجدير بالذكر هنا أن منزل أبو خضير يقع في الشارع الرئيسي بين القدس وشمال المدينة. من أمامه، يمرّ القطار الإسرائيلي الخفيف الذي يربط القدس الغربية بمستوطنتي "بسغات زئيف" و"النبي يعقوب"، شمال القدس الشرقية. تستعين الشرطة الإسرائيلية بـ 25 كاميرا مثبّتة لمتابعة راشقي الحجارة الفلسطينيين، ولكنها ادعت أن هذه الكاميرات لم تكن تعمل خلال عملية الاختطاف... "بينما إذا ما قام عربي بضرب حجر، فإن هذه الكاميرات تعمل! أنا اتهم الشرطة الإسرائيلية بالمشاركة في عملية الخطف لأنها كانت تحقق معنا نحن وليس مع من قاموا بعملية الاختطاف... إنهم شركاء في الجريمة"، قال حسين. ويتمتم: "المستوطنون اخذوا ابني إلى دير ياسين، وقيدوا يديه ورجليه، وسكبوا عليه البنزين، وأحرقوه وهو حيّ".

القطار كرمز.. فالدهس

بعد استشهاد محمد، تحوّل القطار الخفيف إلى رمزٍ لإسرائيل استهدفه مقدسيون بالحجارة وبعمليات دهس كانت فردية الطابع. فمع تأكّد خبر مقتله على أيدي المستوطنين، سارع عشرات الشبان لتدمير مواقف للقطار الخفيف في شعفاط، قبل أن يصبح عرضة لهجمات شبه يومية بالحجارة. ما عطّله لما يزيد عن 10 أيام، فيما استعانت الشرطة الإسرائيلية ببالونات مراقبة من الجو لتحديد مواقع راشقي الحجارة، وغالبيتهم من القاصرين.
وتقول معطيات "نادي الأسير الفلسطيني" إن الشرطة الإسرائيلية اعتقلت في الفترة الممتدة ما بين الثاني من تموز وحتى نهاية العام الماضي، ما يزيد عن ألفي فلسطيني في القدس، علماً أن نسبة تقارب 25 في المئة منهم من القاصرين.
ولم تقتصر المواجهات بين الفلسطينيين والقوات الإسرائيلية على بلدة شعفاط وحدها، وإنما اندلعت في جميع أحياء المدينة وزاد من زخمها الاقتحامات الإسرائيلية للمسجد الأقصى والحرب الإسرائيلية على غزة. وكذلك، الهجمات على القطار الخفيف لم تقتصر على الحجارة، وإنما تعدتها إلى عمليات الدهس.
في الثاني والعشرين من تشرين أول / أكتوبر، هاجم الشهيد عبد الرحمن الشلودي (من سلوان) بسيارته موقفاً لركّاب القطار في حيّ الشيخ جراح، ما أدّى إلى سقوط قتلى وجرحى إسرائيليين. وتبعه الشهيد إبراهيم العكاري (من مخيم شعفاط) في الخامس من تشرين الثاني / نوفمبر بعملية مشابهة في موقعٍ قريب، أدّت أيضاً إلى سقوط قتلى وجرحى. وفيما لم تتبنَ أيّ منظمة فلسطينية هذين الهجومين، أكد الأمن الإسرائيلي على إنهما كانتا فرديتين... ولكنهما لم تكونا الوحيدتين.
في الثامن والعشرين من تشرين أول / أكتوبر الماضي، أطلق الشهيد معتز حجازي (من الثوري) النار على عرّاب الاقتحامات الإسرائيلية للمسجد الأقصى الحاخام يهودا غليك في القدس الغربية، فأصابه بجروح بالغة. وفي 18 تشرين الثاني / نوفمبر، هاجم الشهيدين عديّ وغسان أبو جمل (من جبل المكبر) كنيساً في حيّ هار نوف المقام على أراضي دير ياسين في القدس الغربية، فاسقطا قتلى وجرحى إسرائيليين.
أقرّت أجهزة الأمن الإسرائيلية بأنه لا يمكنها التنبؤ بالعمليات الفلسطينية اللاحقة، خاصةً إذا ما كانت فردية. في المقابل، تواجه عائلات منفّذي العمليات الفردية الفلسطينيين خطر هدم منازلها في القدس، استناداً إلى قانون الطوارئ الصادر ابان الانتداب البريطاني لفلسطين في العام 1945، بعدما أعطت المحكمة العليا الإسرائيلية، مؤخراً، الضوء الأخضر لهدم هذه المنازل بداعي "ردع الفلسطينيين عن تنفيذ هكذا عمليات".
ولكن الهدم لم يطل منازل المستوطنين الإسرائيليين الثلاثة، إذ تقول إسرائيل إن القانون الإسرائيلي يخلو مما يسمح بهدم منازلهم.

أمّه أنقذته

لقد أغضبت جريمة القتل البشعة أبناء القدس كما أغضبت والداه. يومها، "غاب صوابنا، أحرقوا الشهيد وأحرقونا معه، أنا وأمه وإخوته، كانت حالة هستيرية لم نكن نشعر بأي شيء، وكلما زادت الأيام، نزداد يأساً من محاكمهم، لا أمل في المحاكم الإسرائيلية لأنها محاكم غير عادلة، تحكم لصالح الإسرائيلي وضد العربي ولنا باع طويل مع هذه المحاكم"، يقول حسين.
ويضيف: "لمدة 4 أيام، وصور القتلة واضحة في الكاميرات، حاولت المخابرات والشرطة تلفيق تهم باطلة للشهيد ولنا. حتى أنهم قالوا مثلاً إن هناك مشاكل عائلية بيننا! لم يبقوا تهمة إلا وحاولوا إلصاقها بنا، إلى أن قمت بعرض الصور على محطات التلفزة. هم (الإسرائيليون) أخذوا أشرطة التسجيل وأعادوها محروقة كي لا نستخدمها، لولا أننا كنا نصوّر أثناء عرضها عليهم، لكانوا أخفوا الإثبات وأتلفوه لإخفاء الجريمة".
ولفت حسين إلى أنه، قبل يوم من خطف محمد، كانت هناك محاولة لخطف طفل من عائلة زلوم. حضرت الشرطة وقوات من الجيش الإسرائيلي، ولكنهم لم يفعلوا شيئاً رغم أن رقم لوحات السيارة كان معهم، وهي السيارة ذاتها التي استخدمت في اختطاف محمد. ولكن الشرطة لم تحرك ساكناً، هي متعاونة مع الخاطفين".
يذكر أن محاولة اختطاف الطفل يحيى زلوم تمت بينما كان يسير مع والدته في حيّ بيت حنينا، حيث نجحت والدته في إنقاذه من عملية اختطاف مؤكدة. وقد وقع الحادث قبل يوم واحد من خطف محمد، ويكشف حسين أنه كان قد حذّر والده من محاولة مستوطنين اختطاف أطفال فلسطينيين انتقاماً لمقتل ثلاثة مستوطنين في جنوب الضفّة الغربية.
يشرح حسين: "قرأت رسالة على فايسبوك عن محاولة اختطاف الطفل زلوم، وقلت للأولاد، بمن فيهم محمد، إنه حدثت محاولة خطف وأن ينتبهوا، ولكننا لم نتوقع أن يأتوا الساعة الرابعة صباحاً، لا يمكن أن تتوفر لديهم هكذا جرأة من دون حماية الشرطة، خاصة وأننا نتحدث عن شهر رمضان، وفي بلدة فلسطينية... لذلك، أنا متأكد من أن الشرطة والمخابرات غطوا عليهم، فقد حاولنا على مدى 4 أيام إقناعهم بواسطة الصور بأن الخاطفين هم مستوطنون، وهم كانوا يقولون إن ما جرى كانت مشاكل عائلية، ويسألوني في التحقيق أسئلة تافهة مثل من هم أصحابك وهل هناك مشاكل خاصة مع أحد". لذلك، ينوي حسين "بعد الانتهاء من محاكمة القاتلين، أن أقاضي الشرطة الإسرائيلية لأنها كانت متخاذلة ومتآمرة مع القتلة".

أنزلوا الصورة

ما زال القتلة معروضين أمام القضاء الإسرائيلي من دون صدور أحكامٍ ضدهم، ولكن العملية عمّقت الشرخ ما بين الفلسطينيين والإسرائيليين في مدينة القدس. كردّ فعلٍ غاضب على الجريمة، بدأ الفلسطينيون المقدسيون بتعميق مقاطعتهم للمحال التجارية في القدس الغربية. ويقول حسين: "الكثيرون جداً يقاطعون منذ ذلك الحين وحتى اليوم الأسواق الإسرائيلية والمحال الإسرائيلية والقدس الغربية، كانت هذه نقطة فاصلة بين العرب واليهود، لا يمكن أن نعيش معاً في هذه البلاد". يوضح أكثر: "ازدادت مشاعر أننا لا نريد احتلالاً... استشهاد محمد أنقذ الكثير من شباب القدس الذين كانوا تائهين، لقد تولد جيل جديد وطني واثق بأن لا إمكانية لاستمرار الاحتلال، إذ لا إمكانية للتعايش مع الاحتلال".
عمد شبان إلى تعليق ملصق ضخم بصورة الفتى أبو خضير على واجهة منزله، وإقامة نصب تذكاري في المكان الذي اختطف منه أمام المنزل. فاعتبرت إسرائيل أن الملصق مسبّب للهبة الشعبية في المدينة: "أجبرونا على إنزال صورة كبيرة للشهيد وضعناها على واجهة المنزل وهددنا بدفع مخالفة عالية إذا لم نزيلها. لم استجب لطلبهم، فتوجهوا إلى المحامي وهدّدوا مجدداً بدفع مخالفة قيمتها خمسمئة دولار يومياً. اعتبروا أن الصورة تؤجج الانتفاضة، وأن لها تأثير على الشبان لرشق الحجارة".
سرح حسين قليلاً، ثم نظر إلى صورة لابنه معلقة داخل منزله، وقال: "محمد فتى خلوق. كان عمره 16 عاماً، وهو مجتهد في المدرسة. كان يحب المزاح، يساعد الناس، وفي بداية رمضان شارك في إنارة شوارع شعفاط ابتهاجاً بقدوم الشهر الفضيل. وكان في فرقة دبكة تشارك في الأعراس ومهرجانات المدارس، وكان يحب الناس ويساعدني في المحل التجاري. لا أحد يعرف محمد إلا بكى عليه. استشهاده فتح صفحة جديدة، وأتمنى على السلطة الفلسطينية أن توظف هذا الاستشهاد كما يليق".
أنزل حسين الصورة مضطراً عن واجهة منزله، ولكنه أبقى النصب التذكاري الذي كتب فيه: "هنا تم خطف وقتل وحرق شهيد الفجر الطفل محمد حسين أبو خضير على يد مجموعة من المجرمين الصهاينة".
بالنسبة إلى الكثير من المقدسيين، فإن كلّ شيء بدأ من هنا.