| 

لا تتوافر معلومات كثيرة حول السلوكيات الصحيّة المحفوفة بالمخاطر بين الفئات الشابة في منطقة الشرق الأوسط، وخصوصاً في الأراضي الفلسطينية المحتلّة. ولكن، في شهر كانون الأول الماضي، نشر الباحثون سلوى مسعد، وريتا كرم، وريان براون، وبيتر غليك، ومحمد شاهين، وسيبستيان لينماير، وأمية خماش، الدراسة الأولى في شأن السلوكيات الصحية المحفوفة بالمخاطر في ما يخص تعاطي المخدرات والسلوكيات الجنسية بين الشباب الفلسطينيين، في الدورية الطبية العالمية The lancet، "ذي لانست" (المبضع).
ننشر هنا نتائج الدراسة(*).

مخاطر جنسية

كشفت نتائج الدراسة أن تعاطي المخدرات وممارسة الجنس خارج إطار الزواج شائعان حتى في الأوساط الاجتماعية المحافظة. وحددت أن مادتي الحشيش والماريجوانا هما أكثر المواد التي يتم تعاطيها داخل الأراضي المحتلة. وينتشر تعاطي تلك المواد بشكل خاص في مخيمات اللاجئين وفي القدس الشرقية. كذلك، سجلت الدراسة أن الجنس الفموي والجنس الشرجي هما أكثر السلوكيات الجنسية شيوعاً، بينما سجّل الجماع المهبلي انتشاراً أقلّ من الممارسات الجنسية الأخرى خارج دائرة الزواج. ويمارس بعض الشباب الجنس مع عاملات الجنس، ويزرن بيوت الدعارة في الضفّة الغربية، بما فيها القدس الشرقية وأراضي 48. وأكد معظم المشاركين في الدراسة أن الشباب لا يستخدمون دائماً وسائل الحماية والوقاية خلال العلاقة الجنسية.
وتفترض النتائج، وفق معدّي الدراسة، أن تعاطي المخدرات وانتشار الممارسات الجنسية غير المحمية خارج إطار الزواج أكثر شيوعاً مما هو مفترض. ويشير الباحثون إلى أنه لا يمكن استبعاد فرضية أن يبالغ بعض المشاركين، أو أن يقللوا من معدل انتشار تلك الممارسات، غير أن تلك الفرضية لا تقلق كثيراً الباحثين. إذ يجد الشباب المشاركون في الحلقات الحوارية ضمن الدراسة أن معدّل انتشار السلوكيات الجنسية غير المحمية وتعاطي المخدرات فعلاً مرتفع.
وتثير الممارسات الصحيّة المحفوفة بالمخاطر قلقاً في الأراضي الفلسطينية المحتلّة بسبب قلّة الوعي للمضاعفات الصحيّة المحتملة. فتسلط تلك النتائج الضوء على الحاجة إلى إدراج الصحة الجنسية الإنجابية في الأجندة الوطنية وفي برامج المؤسسات المعنية الوطنية. وتستخدم نتائج تلك الدراسة، في المستقبل، لتعزيز البحث في شأن أسباب وانتشار السلوكيات المحفوفة بالمخاطر وأنماطها على شريحة أوسع من الفئات الشابة، إذ من الممكن ألا يمثل المشاركون في تلك الدراسة عموم الشباب الفلسطينيين.

العدوى المنقولة جنسياً

بعد عرض نتائج الدراسة، قد يكون من المفيد الإضاءة على أنواع العدوى المنقولة جنسياً، والتي يحتاج الشباب إلى توعية حولها. إذ تشير أرقام "منظمة الصحة العالمية" إلى تسجيل 448 مليون حالة جديدة سنوياً من أنواع العدوى المنقولة جنسياً والتي يمكن علاجها بين الفئة العمرية 15-49 عاماً في جميع أنحاء العالم. ولا يشمل هذا العدد حالات الإصابة بالإيدز.
يوجد أكثر من ثلاثين نوعاً من الجراثيم، الطفيليات، والفيروسات التي تنتقل عبر الإتصال الجنسي بين البشر. وتنتقل بعض أنواع العدوى، مثل فيروس نقص المناعة البشرية، من الأم الحامل إلى الجنين أو من خلال نقل الدم. وتشمل أنواع العدوى الفيروسية الشائعة فيروس العوز المناعي البشري الذي يسبب الإصابة بالإيدز، وفيروس الهربس البسيط من النمط 2، وفيروس الورم الحليمي البشري الذي يؤدي إلى ظهور التآليل ويزيد من خطر الإصابة بسرطان عنق الرحم (يوجد لقاح ضده)، وفيروس إلتهاب الكبد ب (يوجد لقاح ضده). وتسبب جرثومة اللولبية الشاحبة "treponema pallidum" الإصابة بالزهري (syphilis). كما تصيب بعض أنواع العدوى الأشخاص من دون ظهور عوارض بينما يعاني بعض المصابين من عوارض مثل الشعور بالألم، الحكّة، وظهور رائحة كريهة للأعضاء التناسلية، وغيرها.
تشكل أنواع العدوى المنقولة جنسياً أحد أسباب العقم عند النساء التي يمكن الوقاية منها، كما يؤدي عدم علاج بعض أنواع العدوى عند المرأة الحامل إلى مشاكل عند الجنين.
ترتكز سبل تشخيص الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية، أو الزهري، أو الكبد (ب) على إجراء فحوص الدم. ويستلزم الكشف عن أنواع العدوى الأخرى استشارة طبيبٍ أو مركز متخصص. وتختلف العلاجات وفق نوع الإصابة فيتم، على سبيل المثال، وصف المضادات الحيوية مثل دواء البنسلين لعلاج مرض الزهري.
تشمل معايير الوقاية من الإصابة بالعدوى المنقولة جنسياً استعمال الواقي الذكري خلال الإتصال الجنسي، عدم مشاركة الإبر عند استعمال المخدرات، وإجراء فحوص الكشف الدورية.
يذكر هنا أن العالم احتفل في الأول من شهر كانون الأول 2014 باليوم العالمي للإيدز تحت شعار "سد الفجوة بين من يمتلك فرص الوقاية والعلاج وبين من لا يمتلكها". وتلحظ أرقام منظمة الصحة العالمة وجود خمسة وثلاثين مليون متعايش مع فيروس نقص المناعة البشرية. وقد سجّل العام 2013 مليوني إصابة جديدة، وتوفي مليون ونصف مليون شخص بسبب الفيروس في العام 2013.

تعريف بالدراسة والمجلة

يذكر أن الباحثين نفذوا هذه الدراسة بالاعتماد على نمطٍ نوعيّ (qualitative)، أي يرتكز على التعمّق في فهم بعض السلوكيات وأسبابها. وهي ليست دراسة كمية (quantitative)، اي أنها لا ترتكز أكثر على الإحصائيات والأرقام والمعدلات، وتعتمد عينة أكبر من تلك المعتمدة في الدراسة النوعية.
وقد شملت الدراسة 83 فرداً (42 ذكرا، 41 أنثى) ضمن عشر مجموعات. ويتراوح متوسط أعمار المشاركين فيها العشرين عاماً، ويتوزعون على بيئات مختلفة (مدن، أرياف، ومخيمات لاجئين). وقد هدف هذا البحث العلمي إلى دراسة انتشار السلوكيات الصحية المحفوفة بالمخاطر (الممارسات الجنسية، وتعاطي المخدرات) وأنماطها لدى الشباب الفلسطينيين في الضفّة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، والأراضي الفلسطينية المحتلة. وقد حصل الباحثون على موافقة لفظية مستنيرة من الأفراد الذين يتجاوزون الثمانية عشر عاماً، وعلى موافقة أهالي المشاركين دون الثمانية عشر عاماً. كما موّلت "معاهد الصحّة الوطنية" الأميركية (NIH) تلك الدراسة.
يذكر أن مجلة "ذي لانسيت" الطبية هي واحدة من أعرق المجلات العلمية في العالم، تصدر منذ العام 1823. إذ يشير موقع "ويكيبيديا" إلى أنها تمتلك "عامل تأثير" (مقياس متخصص في الشأن العلمي) هو الثاني عالمياً بعد مجلة "ذى نيو إنغلند جورنال أوف ميدسين". وتجدر الإشارة هنا إلى أن رئيس تحريرها منذ العام 1995 ريتشارد هورتون (مواليد 1961 - وهو أستاذ فخري في "كلية لندن للصحة والطب الإستوائي"، وجامعة "أوسلو"، وكلية لندن الجامعية")، تعرّض لحملة شنها ضده اللوبي الصهيوني على أثر نشر المجلة تضامناً طبياً مع غزة عبر "رسالة مفتوحة للأفراد في غزة" في الثاني من شهر آب الماضي، وقّعها عشرون ألفا وثلاثة وستون طبيبا وباحثا علميا من مختلف أرجاء العالم.

(*) Perceptions of drug use and sexual behaviours of adolescents in the West Bank, occupied Palestinian territory: a qualitative study