| 

كان الموج يلطم السفينة، ينكسر لكنه يعود، هناك بعيداً قرب أسفلها. أضواء الميناء القريب بددت عتمة الليل قليلاً، وجعلت ما يحدث مجرد حركة ظلال قاسية. من سطحها، كان المنظر كئيباً للغاية. مع وخزات الهواء الرطب المحشو بالبرد، صارت إدامة النظر في ذلك المشهد الميئّس غير محتملة.
ماذا لو كان ثمة بعض المنسيين تحت؟ ماذا لو كانوا متروكين، هناك بعيداً في الظلمة، ينتظرون أن تلمحهم بالصدفة سفنٌ عابرة؟ ماذا لو كانوا يبذلون أقصى قدرتهم كي يبقوا عائمين، ليومٍ كامل؟ ماذا لو كانوا هكذا فعلاً لأيام؟ وكانوا كذلك لخمس ليالٍ بالضبط. ما رواه أحد الناجين جعل المشهد فوق الاحتمال. كانت الأمواج تلطم بلا توقف، كما لو أنها رسلٌ بعثها اليأس. كانت تجأر كقطيع كلابٍ مذعورة لجذب انتباه السفينة.
في منتصف أيلول، غرق أكثر من 400 لاجئ، كانوا يحاولون الوصول إلى سواحل إيطاليا. لم يغرق مركبهم من تلقاء نفسه، رغم أنه كان متهالكاً ويبحر بشقّ الأنفس. لقد تم إغراقه عمداً، ليتفرج من فعل ذلك على عويل المرميين في البحر، قبل أن يغادر تاركاً إياهم لمصيرهم.

مهمة توثيق الموتى

على خط الهاتف، في الطرف الآخر، كان يتحدّث موظفٌ في شركة ساهمت في عمليات الإنقاذ. شركة تجارية، تسيّر سفن شحن. لم يعرف أحد بوقوع الحادث، الجريمة، إلا بعد أربعة أيام. تلقت سفينة الشحن الفرنسية إخطاراً من خفر سواحل مالطا، بعدما صادف مرورها بالقرب من الموقع. مكان الحادث كان بعيداً، في المياه الدولية، تفصله مسافة أكثر من 550 كلم عن سواحل مالطا.
الموظف كان ينقل معطيات أوردها ربّان السفينة في التقرير الذي أرسله للشركة. حالما صارت السفينة في الموقع الذي زوّدت باحداثياته، أرسلت زورقاً في مهمة البحث والانقاذ. كانت التعليمات التي وصلتهم توصي بألا يتم نقل الجثث. قيل لهم إنها كثيرة، والأبدى هو محاولة إيجاد ناجين. بدا للبحارة في قارب الإنقاذ الصغير، كما لو أن الأوان قد فات. شعروا أنها مهمة تصوير أكثر منها إنقاذ: كلما تقدّم القارب، كانت تطل أمامهم عشرات الجثث. كانوا يناورون الموج، ويلتفون، كي تمرّ الكاميرا لتوثق كل تلك الوجوه الطافية.
بعد ساعات من السير في بحر الموتى، ظهر بصيص حياة. كانا شقيقين، لا يزالان يتشبثان بحافة الوجود. أنقذ الزورق محمد وابراهيم عوض الله، وذهب بهما تواً إلى السفينة الأم. أوصلوهما إلى أيدي المسعفين، ثم عاد الزورق إلى مهمته المستحيلة. مرّت ساعات وساعات ولا أثر لحياة ناجية أخرى. حلّ الظلام. في هذه الحالة، يتوقف البحث بواسطة الزورق، لأن الرؤية تكاد تكون معدومة.
انتقلت مهمة البحث لتجري عن سطح سفينة الشحن. يتم تشغيل كاشفات الضوء التي تسلّط على سطح الماء المحاذي للسفينة. يصير الاعتماد على ما يمكن رؤيته وسماعه، رغم ضجيج شديد يسببه صوت المحرك والموج المتلاطم. فوق ذلك، سفينة الشحن ترتفع ما يزيد على ثلاثين متراً فوق الماء. كل هذا يعني، يقول الموظف، أن العثور على أحد الناجين هو "شيء مثل معجزة".

حينما تتحدث المعجزات

كاشف الضوء مرّ على جسمٍ يتحرّك ويلوّح ويصرخ. رمى البحارة حبل النجاة فوراً. التيار الذي يخلفه الموج المرتطم بالسفينة أفشل المهمة عدة مرات. أخيراً، أمسك الجسم المتحرك بالحبل. شدّوه، غير مصدقين أن هذا يحصل فعلاً. كان شاباً في حوالي الثلاثين. يقول الموظف: "لم نستطع إلباسه أيّ شيء. بسبب البقاء الطويل تحت الشمس والماء المالح، زالت بشرته". كان الناجي الثالث هو مأمون دغمش. الثالث والأخير الذي وجدته السفينة، فعمليات البحث توقفت بعد ساعات.
لماذا يتحدث مأمون معنا عن تفاصيل ما حدث له؟ حتى الطلب منه أن يعيد روايتها، بعد معرفة الجحيم الذي أتى منه، يبدو نوعاً من التعذيب المخجل. يقول أنه لا بأس في الكلام، فلديه دافع: "حتى لو سمعني واحد في المئة من الناس، أحكي كي لا يخطئ أحد. أقسم بالله، الواحد يأكل خبزة مع زوجته وأولاده أحسن من كل أوروبا واللي فيها. أوروبا كذبة كبيرة والناس صدقتها". يذهب مأمون إلى هذا الاستنتاج بعدما سمع كلام لاجئين سبقوه. لا يعرف أين يذهب، وصار يسألهم طلباً لنصيحة: "لا تسأل أحداً إلا ويقول لك الأوضاع صعبة. في مالطا عذاب، إيطاليا صعبة، ألمانيا يقولون لك لا يوجد عمل، الدنمارك فيها عنصرية. هل تحرز هذه المخاطرة؟ أن يضحي الواحد بأهله من أجل قصة كلها كذبة".
فقدان الأهل ليس لازمةً أراد أن يستخدمها في موعظة. فقد بدأ كل شيء مع قصة يأسٍ مكرّرة، تنشد خاتمة سابقاتها السعيدة. مئات اللاجئين أرادوا الهرب من شواطئ مصر إلى السواحل الايطالية، وأن تنقذهم السفن حالما يصيرون على مقربة منها، أن يصلوا فتنفتح أمامهم أبواب أوروبا.
كانوا أكثر من أربعمئة لاجئ. بحسب تصنيف مأمون، أكثر من نصفهم جاؤوا من قطاع غزّة. بعضهم كان ينتظر في مصر، وآخرون عبروا إلى هناك عبر الأنفاق أو مرضى فتح أمامهم معبر رفح. نسبة معتبرة كانت أيضاً من السوريين، والقلّة الباقية من مصر، وجنسيات أخرى.
بدأت رحلتهم في السادس من أيلول الماضي. تنقٌل بهم المهربون من قاربٍ إلى آخر. قالوا لهم أن الأخير سيوصلهم إلى إيطاليا. بعد يوم إبحار، جاء إليهم قارب صغير، يقوده رجال هم جزء من شبكة التهريب ذاتها. كانوا يصلحون مضخته المعطلة، ثم فاجأوا اللاجئين طالبين منهم الانتقال إليه. المركب أصغر وأشد تعاسة من قاربهم. رفضوا ذلك باصرار. أراد المهربون أن يرسلوهم إلى أتعس قارب ممكن، ويعيدوا الآخر معهم إلى مصر. يقول مأمون إنهم فكروا بأن المركب سيغرق بمجرد أن يصيروا عليه. قالوا للمهربين إنه إذا كان هذا خياراً اجبارياً، فهم يفضلون أن يعودوا بهم إلى مصر.
اتصل ريس مركب اللاجئين بأحد رؤس شبكة التهريب. يقول مأمون إن الرجل المصري أبدى تعاطفاً معهم، وطلب منهم أن يُسمعوا صوت رفضهم لكي يصل "المعلّم". بدا أن الأمور مشت، وفضل المهربون تسليك الاستعصاء. قال سائق المركب إنه طُلب منه انتظار إشارة ثم السير ببطء، وهذا ما حصل. لم يكن يحسّ بالأمان، وسرّب توجسه لمن حوله. قال لهم: "هددوني بأنهم سيؤذون زوجتي وعائلتي وأهلي في مصر. بقي لنا يومان حتى نصل، وما يحصل لكم يحصل لي".
لم يكن مأمون الوحيد من أفراد عائلته على القارب: "كان معي أخي محمد، وابن خالي وزوج أختي محمد الجروشة مع ابنه منير الجروشة، عمره خمس سنوات". كان الأربعة يجلسون فوق سطح غرفة القيادة، في مساحة صغيرة لا تتجاوز الأربعة أمتارٍ مربّعة. من هناك لمح مأمون مركباً يتجه إليهم بسرعة. كانت قد مرّت قرابة خمس ساعات منذ عادوا للابحار. كان المركب أكبر من قاربهم، وحالما وصل، باشر ركابه الصراخ بالشتائم والتهجم. سائق قارب اللاجئين طلب منهم الهدوء، وخرج محاولاً التفاهم مع الوافدين.

جريمة قتل جماعي

يقول مأمون إنه رأى اسم القارب بوضوح: "كان مكتوباً عليه الحاج عاشور رزق، دمياط، رقم 109". كان الوافدون رجالا مصريين، يتجاوزون العشرة، وبعضهم مسلح ببنادق كلاشينكوف. من دون مقدمات، قذفوا السائق بقطعة حديد أصابته. اتجه مباشرة إلى حجرة القيادة، وأدار المحرك محاولاً الفرار منهم. عاجلوه بالالتفاف عليه، قبل أن يصدموا قارب اللاجئين من خاصرته، ثم أخذوا يدفعونه معتمدين على أقصى قوة محرّك مركبهم. لم يتوقفوا حتى انقلب القارب. تأكدوا من إغراقه، ثم غادروا.
"لن أستطيع الوصف مهما حاولت ان أصف"، يقول مأمون متحدثاً عما رآه بعدما نجح في العوم. الناس متناثرون في كلّ مكان. عويل النساء وصراخ الأطفال لا يتوقف. أول ما فكر فيه مأمون كان ابن اخته منير. كان في حضنه قبل أن ينقلب كل شيء. وجد أخاه وزوج أخته، ثم عثروا على الطفل. حاول الثلاثة مساعدته بلا جدوى: "نفخت فيه، لم أعرف أن اساعده. لم نعرف ثلاثتنا كيف نساعده". مات منير بعد لحظات، وبقي مع والده ساعات وهو جسد بلا روح.
حينما يعود أمين ليتذكر ما تلى ذلك، يبدو وكأنه يتحدث عن شخص آخر: "أنا لا أجيد السباحة، فقط أمشّي نفسي. كان هناك سباحون كثيرون، لكنهم غرقوا. ربنا أعطاني طاقة وصارت تأتيني أفكار لمساعدة الناس". لم يترك الصدمة تسيطر عليه. تحرك مع بعض الشباب مباشرة إلى جمع الناجين، وإلباس النساء والأطفال ما يتوفر من ستر النجاة. طلب من الآخرين مساعدته في جمع ما تبقى من ماء وطعام، وكله كان قليلاً في الأساس: "جمعنا سبع قناني ماء وعشر علب حلاوة، وحوالي كيلوين تمر".
لم ينجح في العوم سوى ثلث اللاجئين، فبقي عائماً حوالي 150 شخصاً. اقترح مأمون أن "يضموا" على بعضهم في مجموعات، بضع عشرات في كل واحدة، إذ لم تتوفر للجميع ستر نجاة. استقرت الأمور على هذه الحالة مبدئياً. مجموعات متشابكة، بالأيدي والأرجل، وانتظار أن يتدخل القدر. حالة التشابك مكّنتهم من النوم بالتناوب لدقائق، لكن الصباح كان يكشف لهم أن بعضهم قد غرق. الأعداد تناقصت يومياً.
كانوا يرون أحياناً سفناً تعبر من بعيد. قرّروا في اليوم الثاني التحرّك والاقتراب مما ظنّوه ممراً للسفن. في المكان الذي تحركوا إليه صار الموج عالياً، وتفرقت المجموعات. كانت الجثث في كل مكان. الاعياء تمكن منهم: "كنت أشعر بأن نصفي السفلي بات مشلولاً تماماً". اقترح مأمون أن يجمعوا بعض الجثث، ويربطوها، كي يمكن لهم الاستراحة عليها. حاولوا، لكن الفكرة لم تنجح.
نفد الماء والطعام. الحل الوحيد كان شرب البول، وهو ما جربه مأمون قبل أن يتشجع الآخرون. كان يستخدم عبوة ماء فارغة، ويخلطها بماء البحر. مع اليوم الرابع، لم يبق عائماً سوى حوالي 40 شخصاً.

الهلوسة القاتلة

أحد أسباب الغرق كان الهلوسة. هذه الحالة تصيب الإنسان مع تدنّي نسبة السوائل في الجسد، واشتداد الملوحة. صارت الهلوسة تنتشر شيئاً فشيئاً، والناس تتخيل أنها تمضي في حياتها العادية. هناك من كان يتصرف وكأنه في مكتبه، ويطلب من الآخرين التزام النظافة. أحدهم قال إنه يعرف كافتريا قريبة، وآخرون صاروا يوصونه بأن يجلب لهم حاجيات.
لاح الفرج أخيراً في اليوم الرابع. رأى الناجون طائرة أخذت تحوم فوقهم: "صرنا نسمع أصوات آخرين ونحن نصرخ، أعطانا ذلك أملاً أكبر بأن هناك ناجين آخرين لأننا سمعناهم يصرخون عليها أيضاً". لكن الطائرة حامت فوقهم ثم رمت بالوناً وغادرت. لاحقاً، جاءت سفينة شحن، لكنها بقيت بعيدة وأنزلت قارباً.
حلّ الليل، ولم يأت أحد. إلى جانب شابين آخرين، بقي مأمون مع أخيه الذي بدأ يهلوس. من قلب الظلمة، جاءت المعجزة: "وصلت سفينة كبيرة، رأتنا بقوة الله، وصلنا أنا وأخي بمعاناة شديدة".
بعد عدة محاولات، أمسك مأمون بحبل النجاة الذي رمي لهم. كان يمسك أيضاً أخاه الذي تمكنت منه الهلوسة: "كانوا يشدونني، وأخي دفعني بقوة مبتعداً. قال لي: أريد أن أذهب في مشوار. كنت أفكر أني عندما أصل إلى السفينة، سأقول لهم أن هناك واحد عايش وسيأتون به". طمأن طاقم السفينة مأمون الذي لم يكن يستطيع الوقوف. أغمي عليه بعد دقائق، ولم يستفق إلا على سرير مستشفى في مالطا.
لم يعد أمين من مشواره. كان يقول لأخيه قبل الهلوسة أنه يريد أن ينجب ولداً، وأن يحتفل بميلاد ابنته. كل الناجين كانوا 11 شخصاً، نقلوا إلى جهاتٍ مختلفة بحسب وجهة السفن التي صادفتهم. ثلاثة في مالطا، اثنان في ايطاليا، وخمسة إلى اليونان. بينهم طفلة عمرها سنتان، تركها والداها في عهدة من كانوا يلبسون ستر نجاة.
يقول مأمون أنه طوال تلك الساعات السوداء لم يفكر بأنه سينجو: "كنت أفكر فقط بأهلي، كيف سيصلهم خبري. كيف ستصعب عليهم الحياة بعدها".
واليوم، يروي مأمون ما حدث على أمل أن يسمعه "واحد في المئة". ما يزعجه أنه رأى آخرين يفعلون العكس، ويقومون بترويج أرعن. يقول إنه قابل في مالطا لاجئين فلسطينيين، يقصدون منتزهاً أو يقفون بجانب سيارة حديثة. يلتقطون صوراً ويرسلونها مرفقة بعبارات السعادة في العيش الجديد، رغم أنهم في حالة بائسة: "أقول لهم، حرام عليكم. حينما يرى شباب هذه الصور، سيقولون لماذا نعيش نحن في غزة؟".
جمع المهربون من المركب الذي أغرقوه حوالي مليون دولار، بعدما دفع لهم كل لاجئ ما بين ألفين إلى ثلاثة آلاف دولار. هذا المبلغ، لسخرية القدر الأسود، أمّنه الكثير من الغزاويين الهاربين من المعونة التي دُفعت لهم لإعادة اعمار بيوتهم بعدما دمّرها العدوان الاسرائيلي الأخير على القطاع المحاصر.