| 

من أهمّ الإنجازات التي حققتها الانتفاضة الأولى، بمعزل عن إدخال كلمة عربية إلى مفردات السياسة العالمية في القرن العشرين، هو تغيير الصورة "السلبية" عن الفلسطينيين وطرحهم كشعب للمرة الأولى في الإعلام الغربيّ.
مرّت صورة الفلسطينيين بتحوّلات جذريّة في الإعلام الغربيّ: من صورة اللاجئ المغلوب على أمره (1948)، إلى الإرهابي (1970)، فاللاجئ والإرهابي معاً. وأتت الإنتفاضة الأولى كنقطة تحوّلٍ في حجم التغطية الإعلامية للفلسطينيين ونوعيتها. وعلى الرغم من الرقابة الإعلامية الكبيرة التي مارستها إسرائيل على الصحافيين الأجانب والإسرائيلين، إذ كانت معظم التقارير التلفزيونية تصوّر بإذن إسرائيلي وغالباً بمرافقة جنود إسرائيليين، إلا ان هذه التقارير أظهرت جانباً آخر يتناقض مع الرواية الإسرائيلية: شعبٌ أعزل يقف أمام آلة وحشية.


صورة الفلسطيني قبل 1988

هيمنت صورة اللاجئين الفلسطينين "المغلوب على أمرهم" في الإعلام الغربي، خصوصاً بعد النكبة 1948، وهي صورة صامتة لا يرافقها سرد أسباب هذا اللجوء وقصصه، من وجهة نظر الفلسطينيين. ولم يستخدم الإعلام الغربي، بما فيه الأوروبي، مصطلح "فلسطيني" حتى الستينيات، إذ تمّت تسمية الفلسطينيين بـ"عرب فلسطين"، "العرب الفلسطينيين"، أو "السكّان العرب في فلسطين". تغيرت التسمية في 1960 إلى "الأردنيين" و"عرب إسرائيل".
على نقيض صورة الضحية، هيمنت على التغطية الإعلامية الغربية وخصوصا الأميركية في السبعينيات صورة "الإرهابي"، كما استخدم مصطلح "فدائي" بلا ترجمة. يقول إدوارد سعيد في مقاله عن الانتفاضة الأولى (1990): "على الرغم من حرية الصحافة، اقتصر الفلسطينينون على الإرهاب والتطرّف من دون تحديد دقيق أو مراجعة نقدية".
من جهتها، ميّزت صحيفة "لو موند" الفرنسية بين المقاتلين الفلسطينيين داخل فلسطين وخارجها. وسمّت العمليات داخل فلسطين بـ"المقاومة " فيما أدانت "بالإرهاب" باقي العمليات التي حدثت في الخارج. في المقابل، أصرّ الإعلام الأميركي على وصف الفلسطينيين "بالإرهابيين" حتى منذ ما قبل الانتفاضة الأولى. فمثلاً، نشرت مجلة "التايمز" في 14 أبريل 1980: "صورتهم (الفلسطينيين) الشائعة في الغرب: حشد من الإرهابيين واللاجئين". كما بنت إسرائيل على صورة "الإرهابي" لتقدّم روايات في إعلامها والإعلام الغربي مفادها أن الدول العربية والفلسطينيين "الإرهابيبن" يشكلون خطراً على وجود "اليهود" في دولتهم الصغيرة "المحاصرة بالأعداء".
بعد حرب 1967، لم تعد الرواية الإسرائيلية مقنعة مع هزيمة الجيوش العربية، ووصفها كـ"كفؤة وغير نظامية"، في المقابل وصف الجيش الإسرائيلي بالتفوق. هنا، بدأ الإعلام الغربي بمعالجة القضية الفلسطينية كمشكلة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وليس بين الدول العربية وإسرائيل، خصوصاً أن إسرائيل كانت تواجه شعباً أعزل هذه المرة، وليس جيوش الدول العربية.

التغطية الإعلامية أثناء الانتفاضة

كان حجم تغطية الانتفاضة الأولى في الإعلام الغربي كبيراً. وأجريت دراسة قارنت تغطية سبع محطات في ثلاث دول مختلفة من العام 1987 إلى العام 1989، هي الشبكات الأميركية الرئيسية الثلاث (ABC، CBS، NBC)؛ هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) والتلفزيون المستقلّ للأنباء (ITN) في المملكة المتحدة؛ وقناتان ألمانيتان (ARD وZDF). وجدت هذه الدراسة أن تغطية وسائل الإعلام هذه كانت واسعة، ومستمرة طوال فترة الانتفاضة. وفي المضمون، أوضح داماتو (1991) في دراسة له حول التغطية الأميركية والرأي العام، أن أخبار الانتفاضة كانت" لا تقاوم، وبثت بانتظامٍ في نشرات أخبار التلفزيون الأميركي.. لقطات لشباب فلسطينيين يضربون بالهروات وأعقاب البنادق، ولآخرين يتم اعتقالهم وإطلاق الرصاص عليهم بأيدي الجنود الإسرائيليين".
طبعت "نيويورك تايمز" و"واشنطن بوست"، بحسب "ميديا واتش" (1988)، ما معدله قصتان يومياً عن الانتفاضة في الفترة ما بين ديسمبر 1987 وأبريل 1988. ووصف المحتوى الإعلامي لهاتين الصحيفتين، بحسب إيفنسن وترايس (1991) بـ"الحاسم تجاه السياسة الإسرائيلية". بعض هذه المواد (المقالات، الافتتاحيات، الأعمدة، والرسوم الكاريكاتورية) اتهم اسرائيل بممارسة إبادة ضد الفلسطينيين كالهولوكوست، وآخرون قارنوا معاملة إسرائيل للفلسطينيين بسياسة الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. وكذلك، استخدمت "تايمز" في 11 يناير 1988 اقتباسات من الثورة الأميركية للتغطية: "لا تهمّ الحياة أو الموت، إذا لم يكن لدينا حقوقنا". وقد وثّقت "بيغ سيفري برس" (1988) عدداً من الرسوم الكاريكاتورية التي انتقدت بشدة استخدام إسرائيل للرصاص الحيّ ضد الفلسطينيين العزل.
بحسب زاهرنا (1995)، صوّر الفلسطينيون في الانتفاضة الأولى للمرة الأولى كـ"أفراد". كما ارتبطت صورة الفلسطيني بالقيم الإيجابية، مثل الشجاعة والثقة بالنفس. وللمرة الأولى مثلاً، تقتبس مجلة "التايمز" عن فتى فلسطيني عمره 17 عاماً في قصة نشرتها في 25 يناير 1988 قوله: "فليكن معلوماً للإسرائيليين أننا أقوياء". وفي روبيرتاج مدته 14 دقيقة لبرنامج "مراسلون" عرضته قناة "لا سانك" الفرنسية في 8 ديسمبر 1989، صوّرت القناة جنوداً اسرائيليين يحققون مع طفلٍ فلسطينيّ لا يتجاوز عمره 12 سنة، ويقوم الجندي بضربه، فتتدخل الأم ويصرخ الجندي بالأم.
أما حجم التغطية التلفزيونية فيمكن الاستدلال عليه مما رصده الباحث داماتو (1991) في أميركا، فقد "وصل إلى 200 دقيقة خلال شهر يناير 1988، احتوت على أكثر من 375 قصة إخبارية، وكذلك روبيرتاجات عديدة بثت في برامج وثائقية في وقت الذروة على الشبكات الأميركية الرئيسية الثلاث" .

أبرز الصور.. فالكاميرا 8 ملم

تزامنت أهمية الصورة في الانتفاضة الأولى مع التطوّر التكنولوجي للكاميرات، فقد كانت قد ظهرت حينها كاميرا 8 ملم، التي تميزت بخفتها وسهولة استخدامها ونوعيتها.
عبرها، نُقل مشهدان هيمنا في الإعلام الغربي وصنعا وجه الانتفاضة الأولى. الأول هو مشهد تكسير العظام، سلسلة من حوالي دقيقة واحدة يظهر فيها جنود إسرائيليون يركلون بأرجلهم والحجارة شابين فلسطينيين مكبّلين على الأرض. وقد جاء هذا المشهد بالتزامن مع تصريح اسحاق رابين بضرورة تكسير عظام راشقي الحجارة، وقد تم تصويره في 25 فبراير 1988 من قبل فريق عمل إسرائيلي لشبكة "CBS". بث هذا المشهد من دون تعليق، وكانت الصور كفيلة بإدانة إسرائيل.
المشهد الثاني هو مجزرة المسجد الأقصى في 8 أكتوبر 1990. إذ قتلت الشرطة الإسرائيلية وحرس الحدود يومها، 21 فلسطينيا داخل الحرم الشريف.
مع الانتفاضة الأولى، بدأت مفردات توصيف الاستعمار تفرض نفسها بالتدريج على الصحافة الأوروبية. فمثلاً، بدأ الصحافيون الفرنسيون بتوظيف مصطلحات مثل "المستوطنين"، وربط انتفاضة الشعب الفلسطيني مباشرة باحتلال 1967. فبثت TF1 تقريراً في 12 كانون الأول 1987 حول الانتفاضة، وصف الصحافي فيه الوضع بأنه "الأسوأ منذ بداية احتلال 67". كما طرح الإعلام البريطاني، وخصوصاً BBC بحسب شيف وياري (1990)، مفهوم العصيان المدني ضد الاحتلال والجيش الإسرائيليين.
ويعتقد الكثيرون أن صور الأطفال الفلسطينيين والمشاهد التي تكررت في الإعلام الغربي كانت مسؤولة بشكلٍ مباشر عن تدهور صورة إسرائيل في الخارج، وحتى في الولايات المتحدة. وأشار استطلاع "مؤسسة غالوب" في 14 شباط 1988، إلى أن نسبة 43 في المئة من الأميركيين وصفت التكتيكات الإسرائيلية بـ"القاسية جداً"، ونسبة تقارب 30 في المئة منهم عبرت عن نقص شعبية إسرائيل. وبعد عام من الانتفاضة واعتراف رئيس "منظمة التحرير" ياسر عرفات بإسرائيل في جنيف، رفعت الولايات المتحدة مقاطعتها الطويلة للمحادثات الرسمية مع المنظمة في ديسمبر 1988. واعتبر هذا الرفع تغيرا دراماتكياً في السياسة الأميركية، بحسب صحيفة "نيويورك تايمز".. خاصةً أنه قد حلّ في عهد رونالد ريغان الذي اعتبر "منظمة التحرير الفلسطينية" إرهابية.