| 

لم يجالسني أبي يوماً ليقول لي من أكون. اكتفى بأحاديث قصيرة على مقعدٍ خشبيّ عند عتبة بقالته التي قلّما يرتادها أحد، وهو رافعٌ رجليه بملل على اسكملة صغيرة. أحاديث عن العدوان الثلاثيّ، ونهفات أهل القرية في منتصف القرن، لم تخلُ من ضحكاته الساخرة التي ترغرغ عينيه، حتى على أمورٍ غير مضحكة بتاتاً، كوقوع أبو فلان عن جحشه، أو انهيار الطابون على رأس بعض النسوة في عزّ نميمة، ما جعلني أتوصل إلى نظرية سسيولوجية تؤكد اختلاف جودة النكات من جيل إلى آخر. أبي، الذي يكبرني بثمانيةٍ وأربعين عاماً، والذي يتذكّر الإنكليز واندحارهم ووعدهم لليهود الذين سرقوا أرضه، لم يقل لي يوماً من أكون.

• موجدا
أمس، استعدت مع صديقتين، بحماسةٍ خارقة للعادة، في سهرة استعراض تلقائي لفيديوهات أغانٍ قديمة، ذكرى أغنية بثّتها القناة الإسرائيلية الأولى أيام الطفولة؛ أيام لم تلتقط هوائياتنا غير هذه القناة والقناة الرسمية الأردنية وقناة سعد حداد. تظهر فيها الفتاة التركية المعجزة "موجدا"، القادمة الجديدة، وهي تبكي وتغنّي لأمها التي هجرتها.. أظننا كنا نكن لها إعجاباً كبيرًا، وهي تستعرض صوتها الجميل بشعرها الأملس الأسود الطويل الملموم، من دون أن نسمعها تقول لأمّها، إلا البارحة، بعبريةٍ رديئة: "أمي.. أنا سعيدة في إسرائيل".

• جولدشتاين
السابع والعشرون من شباط من العام 1994، صادف ذكرى ميلادي. قبلها بيومين بالضبط، قتل باروخ جولدشتاين 29 مصلياً فلسطينياً في المسجد الإبراهيمي في الخليل. ربطت مع أمي منديلاً أسود على سطح بيتنا، واكتفت بغرس شموعي التسع على سطح كعكةٍ صغيرة. لم نغنّ. ولكني لم أكن لأمانع حفلة ميلاد صاخبة وبيتاً مبهرجاً تحت السقف الذي أعلن أصحابه الحداد.

• "لزّيق صدام"
"لزّيق صدام"، الشريط اللاصق النايلونيّ الداكن، الذي استعمله الناس خوفاً من تسرّب الغاز الكيميائي الذي يوشك صدّام أن يرميه فوق رؤوسنا، يؤطّر شبّاكين يطلّان على حديقة أمي الخصبة وشجرتَي الرمّان والجوّافة المثمرتين. أبي يحاول عبثاً أن يضع الكمّامة على وجهي الصغير في زاوية "العقد" الذي بناه جدي قبل مئة عام، وولدت فيه. كانت الكمامة تثير فيّ البغيضة والرعب، ولكني كنت أحب غلافها الذي اخترته بنفسي؛ حاملاً صورةً لمرادونا وهو يركل كرته السحرية. في تلك الأيام، طوّرت هوايةً في رسم صاروخ "سكاد"، ولكني لم أطوّر أيّ كره يذكر تجاه عدوه.

• نبضات قلبها
لم تجالسني أمي يوماً لتقول لي من أكون. اكتفت بنصب خزانة ملابس كبيرة في عقر العقد، بيتنا، جاعلةً منها حائطاً يكوّن من الغرفة الواحدة اثنتين. وعلى خلفيتها الفنيرية، علّقت ملصق "يوم الأرض" الأول، بصور شهدائه الخمسة، وملصقاً لبيروت وهي تعبّد طريقها بالجماجم، و"جمل المحامل" لسليمان منصور. أمي التي ترعرعت في حضنٍ شيوعيّ، والتي طوّرت خللاً عضوياً في نبضات قلبها كلما تعصّرت أعصابها من مشاهدة الأخبار، لم تقل لي يوماً من أكون. ولم تمانع أن أقوم بتشويه عينيّ الرجل الجمل الذي يحمل فلسطين فوق ظهره، بالحبر الأزرق.

• إيديكو للشلل
في ذكرى هي الأقدم والأكثر تشوهاً، ومن شاشة التلفاز حيث مثلت بوضوح شخصية "موجدا"، نجمتنا الإسرائيلية المحببة، أذكر مشهداً يكسر فيه جنودٌ مفاصل شابٍ على صخرة في منطقةٍ وعرة. أذكر آخر يطرقون فيه وجه شاب في أبواب حديدية لمحال مغلقة، يدمونه. وأذكر الصوت الخارج من لطم أمي على فخذيها، ودعواتها المملّحة بالدموع، والتي تتكرّر كشريطٍ صوتيّ أبديّ، وكأنه موسيقى تصويرية لأرشيف الانتفاضة الأولى: "ريت إديكو للشلل، الله يزلزل الأرض من تحت أقدامكو، الله ينكس علامكو".
في الذكرى الأقدم، في قاع الشريط، عند الجزء الذي شرخته السنون وغطاه مخزون الذاكرة اللانهائي الذي تبعه؛ الكعكة المحرومة من الغناء والأغنية العبرية الحزينة وشكل الكمامة الحقير وعيْنا الفلسطيني المشوهتان. هناك بالتحديد، عند مشهد الانتفاضة الأولى، كرهت إسرائيل للمرة الأولى، من دون أن يجالسني أبي أو تجالسني أمي ليقولا لي من أكون.