| 

في ظل التصعيد الاسرائيلي الأخير وما تشهده المنطقة من عنف ككل، قد تبدو العمليات الفردية التي شهدتها البلاد مؤخراً على أيدي من وُصفوا بالمقاومين أو الفدائيين الجدد، وكأنها تبشّر بانتفاضةٍ ثالثة، ربما تكون قد بدأت كما يعتقد البعض. إلا أن هذه ليست المرة الأولى التي تظهر فيها مثل هذه العمليات الفردية، وقد شهدنا في العامين 2008 و2009 عمليات شبيهة استخدمت في حينها الجرّافات على غرار الاستخدام الأخير للمركبات. ولكن، وبغض النظر عن ذلك، فهذه العمليات تلحّ على الذهن كي يتعامل مع سؤال حول فكرة الانتفاضة، وأشكال المقاومة التي ستعتمدها وبالتالي تعرّف بها. فهل يسلّم الفلسطينيون نهائياً بعدم إمكانية الانتفاضة الشعبية، فتتقلص الانتفاضة حقاً وتدريجياً من انتفاضة شعب إلى انتفاضة فصائل، فانتفاضة أفراد؟

فراغ ثنائية العنف-اللاعنف

أثارت العمليات الأخيرة، وخاصةً عملية الكنيس في القدس، نقاشاً واسعاً بين الفلسطينيين، بيد أن هذا النقاش بمعظمه أظهر الكثير من البلبلة والخلط ما بين شرعية استخدام العنف ومدى أخلاقيته ونجاعته. وقد تكون هذه البلبلة مفهومة على خلفية حالة الانقسام التي يعيشها الفلسطينيون اليوم، وغياب الإجماع حول أساليب المقاومة المطلوبة (وليس الشرعية).
وفيما تنقسم القيادة الفلسطينية على نفسها بين مستنكرٍ للعنف وراعٍ للعمليات المسلّحة، يوضح المحاضر والناشط د.مازن قمصية أن "المقاومة تكتيك، وليست غايةً بذاتها. فلا توجد هناك وسيلة واحدة للتحرّر، ولم ينوجد استعمار في العالم يقاوَم إما بالطرق السلمية حصراً أو بالمسلحة حكراً. من ناحية دولية وقانونية، كل الطرق شرعية. وأيضاً من ناحية تاريخية، تواجدت أساليب المقاومة المختلفة في كل مراحل النضال. قد يحصل تصعيد على مستوى المقاومة المسلحة لظروفٍ أو لأخرى، ولكن هذه كانت دائماً الجزء الأصغر من العمل المقاوم، في حين أن المقاومة بمعظمها كانت شعبية وغير مسلحة، إن كان في 1929 أو 1974 أو 1988". وترفض الباحثة ليندا طبر ثنائية "العنف واللاعنف" هذه من أساسها، موضحة أن "العنف لم يكن مقياساً لأساليب النضال، ولكنه أصبح بسبب التشويه الذي أصاب ماهية المقاومة الشرعية. السؤال الذي يجب ان نسأله في الحقيقة ليس حول ما إذا كان هذا الأسلوب أو ذاك عنيفاً أم لا، إنما: هل يحمل رسالة واضحة سياسياً؟ وهل تقف خلفه استراتيجية شاملة وجامعة للتحرر الوطني؟".

المساواة.. والناس

ليس من المستغرب أن يحتفي الفلسطينيون بالانتفاضات الفردية، في وقتٍ أصبحت فيه ذروة المقاومة الفلسطينية - أي المقاومة الشعبية - من ضمن البلاغيات في خطاب السياسيين. ففي حين يذكر لأبي مازن تعهّده بألا تكون انتفاضة ثالثة، لم تحاول الفصائل المسلحة، وعلى رأسها "حماس"، المساهمة في تعزيز حالة من المقاومة الشعبية، تشرك المجتمع بالنضال، وتحاكي تجربة الإنتفاضة الأولى. وتبيّن طبر: "في الانتفاضة الأولى، كانت هناك أحزاب قوية تحمل مشروعاً شاملاً للتحرّر. كانت هناك محاولة لتأسيس رؤية بديلة تعمل ليس فقط على مقاومة الإستعمار إنما أيضاً على مقاومة النظام الرأسمالي والنظام الأبوي وكسر الهرمية الاجتماعية والاقتصادية بين الفلسطينيين. البعض يعتقد أن الانتفاضة الأولى كانت عشوائية أو عفوية، ولكنها حقيقةً كانت نتيجة عملٍ استمر 14 عاماً لتحضير البنية التحتية للانتفاضة ولمأسسة المقاومة الشعبية". وتوضح: "أقيمت اللجان الشعبية والأطر النسائية والعمالية، وكان هناك عمل اقتصادي لخلق جسم جديد مبني على المساواة، وتم تحريك وتحفيز الناس للاعتماد على النفس وتشكيل بدائل عن سلطات الاحتلال. هذا ما تعنيه المقاومة الشعبية بالضبط، أن يعيد الناس القوة لأنفسهم، وأن يكون هناك ما يحفّزهم للعمل من أجل التحرّر بمعناه الأشمل".
في العام 2000، ترى طبر أنه "لم يكن هناك جسم سياسي يحمل هذا الفكر والوعي، وتعسكرت الانتفاضة ولم تركّز على العمل الجماهيري، ولو أن الناس حاولوا المشاركة. الأحزاب بمعظمها لم توفّر بديلاً، ولم تحاول تنظيم الناس حول مشروعٍ نضالي. لهذا، رأينا أن النماذج الأخيرة للمقاومة الشعبية ظهرت خارج الأحزاب السياسية، وكانت بمبادرة أناس وطنيين أخذوا زمام المبادرة وأقاموا لجان المقاومة الشعبية والاعتصامات الأسبوعية ضد الجدار ونظموا التظاهرات والمسيرات وعمموا حملة المقاطعة وخرجوا بنماذج أخرى جديدة. الناس فعالين ولا ينتظرون الأحزاب، وهناك تجارب مختلفة ونضال يتأسس على الأرض".

جيلٌ تعب وجيلٌ ينهض

يلخّص الكتاب الصادر عن "مؤسسة الدراسات الفلسطينية" حول المقاومة الشعبية في فلسطين (ليندا طبر وعلاء العزّة، 2014) إلى القول بأن سيطرة الجانب العسكري والعمليات الاستشهادية على مشهد الانتفاضة الثانية أدّت إلى الحدّ بالمجمل من رؤية آفاق أخرى للمقاومة، وتحديداً المقاومة الشعبية غير المسلّحة. من جانبه، يقول قمصية الناشط منذ سنوات في الحراك الشعبي ضد الجدار: "صحيح أنه لا توجد حركة شعبية شاملة كما في الإنتفاضة الأولى، إلا أن المقاومة الشعبية مستمرة بأكثر من موقعٍ ومستوى، وعلينا أن نبقى هذه الجمرات مضيئة. الحركات موجودة في النبي صالح وببلعين وفي العديد من القرى، ربما ليس بمستوى عام وليس في كل المناطق، ولكن هذا طبيعي بنظري.. فنحن بين انتفاضتين، وهناك جيل تعب وجيل جديد يستعد للنهوض. يوجد غليان في الشارع الفلسطينيّ اليوم، وإحباط شديد، وهذا الإحباط سيشكّل ضغط بنهاية الأمر، وسيحدث هبّة شعبيّة. بعض الأشخاص أخذوا زمام الأمور بأيديهم، وقاموا بعمليات كردّ فعل على الهجمة الإسرائيلية الشرسة بحق القدس والأقصى. ولكن، هذه تبقى حالات فردية. إذا يستمر الوضع هكذا، أتوقع أن تأتي انتفاضة جديدة تكون عارمة توازي حدّة القمع الإسرائيلي الذي شهدناه بغزّة والتهديد المحدق بالفلسطينيين في القدس ومناطق 48".
وفي حين لم تنجح الهجمة الإسرائيلية الأخيرة، على حدّتها، بإخراج القيادة الفلسطينية عن طورها، حاول الفلسطينيون تنظيم الاحتجاجات بأماكن تواجدهم. أطلقت مبادرات جديدة ومؤثرة، كمحاولة مجموعات شبابية عبور حاجز قلنديا للوصول إلى القدس، والتزام مئات الطلاب في مناطق 48 بارتداء الحطّة الفلسطينية احتجاجاً على مقتل الشاب خير حمدان في الداخل. وفيما تبدو هذه المبادرات رمزية بعض الشيء، إلا أنها تعبّر عن رغبة الأجيال الشابة بأخد دورٍ فعّال في النضال.
تبقى الاسئلة حول هذه المبادرات وغيرها من الحراكات الشعبية المستقلة، محاولات استباق للإجابات التي ستقدّمها الأيام، لا شكّ. ولعل السؤال المحوري حولها اليوم هو: هل ستنجح بتجاوز التقسيمات الجغرافية والسياسية لتتشابك في ما بينها وتنظم نفسها وتنتقل من ردّ الفعل إلى الممارسة؟ يعلّق الناشط قمصية: "الأحزاب والفصائل تهتمّ لتنمية صفوفها، وليس تنمية المقاومة الشعبية. لكني لست قلقاً من هذه الناحية، فليس من طبع الانتفاضات أن تبدأ من قيادةٍ موحدة. الأهم هو أن نركّز على المقاومة الشعبية كمفهوم، وأن نشجّع الناس ونحميهم، ونمنع السلطات والفصائل من محاولات الانتفاع حتى تبقى المقاومة الشعبية شعبية بالفعل". ويختم حديثه وحديثنا، بالقول: "هناك الكثير من أشكال المقاومة التي نستطيع العمل من خلالها. المهم أن يتحرك الناس، فأكثر ما يضرنا هو ألا نفعل شيئاً. لدينا كل مقوّمات الأمل، وكما أبدعنا في السابق، لا شك عندي بأننا سنبدع مجدداً".