| 

تَحكي صورةُ الطفلِ رمزي أبو رضوان التي التقطت خلال انتفاضة الحجارة عام 1987 ملاحم بطولية سجلها الفلسطينيون، ومشاهد يندى لها جبين الإنسانية قامت بها قوات الاحتلال في مخيم الأمعري تحديداً، في ذلك الوقت. لكن الطفل الذي يقيم في المخيم، بعدما نزحت عائلته من قرية النعاني قرب الرملة بفعل نكبة عام 1948، لم يعرف أنه أصبح رمزاً للانتفاضة الأولى، وأن صورته يتم تداولها في وسائل الإعلام العالمية والعربية إلا عندما أصبح شاباً.
يبلغ رمزي أبو رضوان (أبو حسين) من العمر 35 عاماً، هو أب لطفلين، حسين (5 أعوام) وآدم (عامان)، وقد التقطت له صور (منشورة هنا) وهو طفل خلال مواجهات عنيفة في مخيم الأمعري، بعد أسبوع من انتقال الانتفاضة من قطاع غزة إلى الضفة الغربية.


الجاكيت الحمراء

تظهر الصورة التي لم يعرف مصورها حتى الآن، الطفل رمزي وهو يرتدي بلوزة صوف وفوقها "جاكيت" ضيق أحمر اللون، ويحمل بيديه حجرين مستعداً لالقائهما على قوات الاحتلال الإسرائيلي.
هذه الصورة تحكي يوماً عنيفاً شهده المخيم، وسوءاً في الوضع الاقتصادي بسبب الهجرة. يقول رمزي لـ"السفير" إن جده كان يحدّثه دائماً عن منزلهم وأراضيهم في قرية النعاني التي هجّروا منها، وإنه لمّا رأى قوات الاحتلال أمام عينيه تقتحم المخيم، ربط بين الهجرة والاحتلال فما كان منه إلا أن انتفض ليطردهم من مكان إقامته في المخيم.
يتذكر "أيقونة الانتفاضة" أنه، يومها، كان في منزلهم المتواضع مع عائلته، وأصرّت جدته أن يرتدي "جاكيت" أحمر اللون وصغير الحجم كان جدّه قد جاءه به بعدما وجده في أحد الشوارع في أثناء عمله في بلدية البيرة.
ويتابع: "ذهبت بعد ذلك إلى وسط المخيم ووقفت وأصدقائي عند قهوة الـمعري حيث بدأت قوات الاحتلال باقتحام المخيم واطلاق القنابل المسيلة للدموع، في حين رد الشباب والاطفال بضرب الحجارة وإحراق إطارات السيارات لحجب الرؤية عن تلك القوات".
ويعلق أبو رضوان على الصورة بالقول: "في ذلك اليوم، عمّت التظاهرات الضفة الغربية، وطلع الشباب وولعوا عجال، وجاء الجيش وأطلقوا القنابل المسيلة للدموع، والأرض كانت وسخة وشحبار بسبب العجال والدخان عشان هيك ما كانت الصورة واضحة".
وبعد أشهر من ذلك اليوم، تفاجأ الطفل بقدوم أقرانه ومعهم مجلة "عبير"، وعلى غلافها صورته التي أصبحت رمزاً من رموز الإنتفاضة الأولى. حينها، انبهر وبدأ بتصفح المجلة، فوجد العديد من الصور له وللأطفال وشباب المخيم وهم يرشقون الاحتلال بالحجارة.

تكتيكات رمي الحجارة

عندما اندلعت انتفاضة الحجارة، لم يكن في مخيم الأمعري حجارة تكفي الأطفال والشبان المحروقين على وطنهم بسبب الاحتلال.
وحتى يحصل على أكبر قدر من الحجارة، كان أبو رضوان يحمل بيديه الصغيرتين عدداً من الحجارة، كما كان يخبئ العديد منها في جيوبه. ومع استمرار اندلاع المواجهات، راح الأطفال يجمعون الحجارة في زوايا المخيم وفي "السطول" تحسباً لأي مواجهة قد تندلع مع الاحتلال.
مع مرور الأيام، فهم راشقو الحجارة خط سير قوات الاحتلال، وبدأوا ينتظرونهم عند "مركز الفن الشعبي" وشارع القدس، وأخيراً عند مخيم الامعري: "كنا نربطلهم خمس وست مرات في اليوم في هديك الأماكن".
ذلك الفهم، أخاف المستوطنين الذين استحدثوا أساليب جديدة لحماية أنفسهم من ضربات الشبان والاطفال. يشرح أبو رضوان أن المستوطنين بداية وضعوا "لزيق" على زجاج سياراتهم، وبعدها وضعوا البلاستيك المقوى. بدورهم، قام الشبان بضرب الحجارة الكبيرة على سيارات المستوطنين لتحدث تأثيراً.
ولأن الطفل كان دائماً في الصفوف الأمامية بحسب صورٍ عدة تم التقاطها في المخيم، ويملك يدين قويتين في رمي الحجارة، أصبح قائداً للأطفال، فكان يعلم أقرانه آلية رشق الحجارة على الاحتلال: "كنت أعلّم الشباب كيف يضربون الحجارة على سيارات المستوطنين بالتوقيت والمسافة المناسبتين لأن سياراتهم كانت سريعة". ويتابع: "لقد أصبت حوالي 30 مرة بالرصاص المطاطي، وكنت أشعر به يمر من جانبي.. حيث أن الرصاصة لها طاقة يشعر بها من تمر بجانبه، لكن الله كان يسترها دائماً".

مشاهد مؤلمة

في يومٍ شهد اندلاع مواجهات مع الاحتلال في المخيم، كان صديق رمزي، أحمد الأخرس، واقفاً عند عيادة المخيم، ويصرخ مكتوم الصوت بلا كلام. لمّا لف ظهره، استهدفه قناص برصاصة استقرت في عموده الفقري: "حين حاولنا مساعدته بسحبه من المكان، فتح الاحتلال النار علينا. فابتعدنا من هناك، ثم جاء الجنود وسحبوه عند باب المخيم، وتركوه ينزف حتى جاءت الاسعاف ونقلته للمشفى، وما زال "الأخرس" يعيش مشلولاً حتى اليوم".
ولم يسلم حسين، أخو أحمد الأخرس، من جرائم الاحتلال، "إذ استهدفه قناص اختبأ في عمارة لون شبابيكها أخضر قبالة مدخل المخيم بثلاث رصاصات".
وقد استهدف الاحتلال عدلي، ابن عم أبو رضوان، وذلك خلال مواجهات في المخيم. وبعدما خرج عدلي من المشفى بمدة قصيرة، استهدفه الاحتلال برصاصة بالرأس مازال يعاني منها حتى يومنا هذا.
كما يذكر أبو رضوان استشهاد الفتاة التي استلطفها في ذلك الوقت، حيث كانت ذاهبة الى مخبز أبو درويش في المخيم، وعندما أدارت وجهها وهي تقطع الشارع، ضربها قناص.. ركض أبو رضوان وعمته إليها لإنقاذها، وقاما بنقلها الى المشفى بسيارة "يو أن" التابعة للأونروا، لكنها استشهدت بعد أسبوع من الحادثة.

نهاية الحجارة.. بداية الموسيقى

لم يعرف "أيقونة الإنتفاضة" الهدوء، رغم توقيع "منظمة التحرير الفلسطينية" مع إسرائيل اتفاقية أوسلو في العام 1994، التي على إثرها خمدت الانتفاضة بعدما كانت قد هدأت في العام 1991.
بقي يواظب على رشق الحجارة على الدوريات العسكرية القليلة التي تصل المخيم حتى العام 1996. حينها، شكا أحد العاملين في الإرتباط العسكري "دي سي او" رمزي لعائلته، وهددهم بأنه سيحبسه في حال استمر برمي الحجارة.
بعد انتهاء الانتفاضة الأولى، كان الطفل رمزي يحلم بأن يتعلم الموسيقى، لكن أهله لم يكونوا يعرفون بذلك. وهو لم يطلب منهم تعليمه، نظراً لسوء وضعهم الاقتصادي، ولأن الموسيقى لم تكن حينها بالأمر المهم.
لكن عمله في حديقة منزل السيدة سريدة حسين، فتح له الباب على مصراعيه لتعلم الموسيقى: "إذ جاءها صديقٌ من الأردن، وهو الاستاذ محمد فضل، وحدّثها بأنه يريد أن يعلّم الموسيقى للأطفال، واقترحت عليه أن يعطي الفرصة للأطفال المحتاجين أيضاً، فقال لها: أنا لا أعرف أطفالاً محتاجين، فقامت بترشيحي له".
ويتابع: "توجهت بعدها الى مركز الفن الشعبي حيث يعلم الاستاذ فضل الموسيقى، وهناك شرح لي عن الآلات الموسيقية وفرحت وتعلمت على آلة الفيولا - الكمان الاكبر".
نغّص فرحته حينها انتقاد بعض المواطنين له على تركه الحجارة وذهابه لتعلم الموسيقى، إلا أنه أكد لهم حينها أنه قرر عزف الموسيقى " لمّا بطّلنا نشوف الجيش".
ولمّا جرب الحجارة والموسيقى، قال إنهما على علاقة تكاملية، تزداد المقاومة مصداقية بها. ويشرح ذلك بأنه عندما يخرج الأشخاص من الحفلات التي يحييها في مناطق مختلفة من العالم، يكونون قد اقتنعوا بالدولة الفلسطينية، "وبأننا شعب يحب الحياة، بعكس الصورة التي يرسمها اللوبي الصهيوني في العالم عن فلسطين".
ومع إيمانه بأهمية الموسيقى لحماية الموروث الفلسطيني وأولادنا من الاحتلال، أسّس أبو رضوان "جمعية الكمنجاتي" في فلسطين، التي يسعى من خلالها لمشاركة المواطنين والأطفال بالموسيقى وإحياء أغاني الفلكور والموسيقى الكلاسيكية، وليس الوطنية فقط "لأن فلسطين موروث وهوية".